اقرأوا هذا العنوان بصحيفة "نيويورك تايمز" بتاريخ 16 نوفمبر/تشرين الثاني 2014
"مقتل فلسطيني برصاص جنود "إسرائيليين" على حدود غزة"
والآن، فكروا للحظة في نوع الصورة التي يستحضرها هذا العنوان في ذهنكم . فكم ستتغير هذه الصورة عندما تقرأون الفقرة الثانية من تقرير الصحيفة، التي تقول: "وذكرت متحدثة باسم مستشفى أن الفلسطيني كان صبياً عمره 10 سنوات" .
أنتم تعرفون طبعاً أن قلائل جداً من الناس يقرأون النص الكامل لكل تقرير في أي صحيفة - ولهذا - إذا كنتم رئيس تحرير - فلا بد أن تسألوا أنفسكم ما الذي يجب أن يخبره عنوان تقرير . أتوقع أن معظم الناس الذين يقرأون عناوين فقط قد افترضوا أن الفلسطيني الذي أشير إليه في العنوان كان شخصاً بالغاً - وبالتالي - يرجح أن يكون رد فعلهم على الخبر نتيجة لذلك مختلفاً .
ومن المرجح أيضاً أن احتمال أن يقرأوا الخبر ضعيف - وهذا نقيض التأثير الذي ترغبون عادة، كرئيس تحرير، أن يحدثه عنوان خبر . وهذا ما يدفع إلى التساؤل لماذا رغبت "نيويورك تايمز" في إغفال هذا الواقع الأساسي؟ هل هو ضرورة مراعاة المساحة؟ ولكن لو كان العنوان "مقتل صبي من غزة برصاص جنود "إسرائيليين" على الحدود"، لكان احتل بسهولة المساحة ذاتها . وهذا ينطبق أيضاً على عنوان آخر مثل "مقتل صبي برصاص جنود "إسرائيليين" على حدود غزة"، لأن الجنسية المرجحة للضحية ستكون واضحة ضمن هذا الإطار . ذلك أنه لا يوجد أطفال "إسرائيليون" كثر بالقرب من الحدود مع غزة . وفي جميع الأحوال، يمكن القول بثقة إن عمر الضحية هو واقع أهم من انتمائه العرقي .
إذاً، هل أسقط مسؤولو التحرير في "نيويورك تايمز" من العنوان واقعاً أن طفلاً هو الذي قتل، لأنهم لم يريدوا أن يتضايق قراء لأن "إسرائيل" قتلت طفلاً؟
طبعاً، سينكر المسؤولون ذلك، ولكن لنتذكر تقريراً ل"نيويورك تايمز" في طبعتها الإلكترونية بتاريخ 16 يوليو/ تموز ،2014 تحت عنوان صحيح يقول "أربعة صبيان صغار قتلوا وهم يلعبون على شاطئ غزة"، وإن مسؤولي التحرير غيروا عنوان التقرير في الصحيفة المطبوعة بحيث أصبح يقول "صبيان غرقوا على شاطئ غزة وسط قتال في الشرق الأوسط" . هنا، الصبيان بقوا صبياناً، ولكن نبأ مقتلهم اختفى .
وعندما سألت مديرة التحرير مارغريت سوليفان يوم 22 يوليو 2014 لماذا تم تغيير العنوان، ادعى رئيس التحرير التنفيذي دين باكيت بأن عناوين الصحيفة المطبوعة "تميل لأن تكتب بأسلوب السجع"، ولكن عنون الطبعة الإلكترونية لم يكن فيه شيء من السجع .
وحتى نكوّن فكرة عن مدى اتساع هذه الظاهرة، دعونا ننتقل من "نيويورك تايمز" الصحيفة إلى وسيلة إعلامية إذاعية تقدم نفسها على أنها "نيويورك تايمز أمواج الأثير" . إنها الراديو الوطني العام (وسيلة إعلامية كبرى تحصل على تمويلين حكومي وخاص، يبلغ عدد مستمعيها نحو 21 مليوناً أسبوعياً) . وقد أجرى الإعلامي لدى "فير" سيث اكرمان دراسة حول هويات قتلى الصراع الفلسطيني "الإسرائيلي" خلال فترة ستة أشهر . وأظهرت الدراسة أن الراديو اذاع 81% من أخبار سقوط قتلى "إسرائيليين" خلال فترة الدراسة، وأخبار 89% من وقائع مقتل أطفال "إسرائيليين" - ولكن فقط 34% من أخبار سقوط قتلى فلسطينيين، و26% من أخبار مقتل أطفال فلسطينيين .
وهذا يعني أنه بالنسبة إلى الراديو الوطني العام، سقوط ضحايا "إسرائيليين" له أهمية إخبارية أكبر، بينما إذا كان الضحايا الفلسطينيون أطفالاً، فإن إذاعة أخبار مقتلهم عبر الراديو الوطني العام تكون أقل احتمالاً .
وهذا نوع عجيب من تقييم الأخبار - إلا إذا كان الهدف ليس إثارة حد أقصى من اهتمام القراء، وإنما إبقاء هذا الاهتمام ضمن حد أدنى .
* إعلامي أمريكي (موقع "فير")
