لم تبقِ "إسرائيل" واحتلالها الجاثم على صدور الفلسطينيين والعرب أي صفة دنيئة إلا واتصفت بها، حتى إن المعجم العربي الزاخر بالمترادفات، بات عاجزاً عن مجاراة وتوصيف هذا الكم الهائل من القرارات والجرائم والسلوكيات التي لا ينفك الاحتلال يتخذها ويقترفها ويمارسها، مدعوماً بشعور عنصري عالٍ بالتفوق والتفرّد .
إقرار حكومة الاحتلال الأحد الماضي، مشروع "قانون" ينص صراحة على "دولة قومية يهودية"، وما يفرزه ذلك من تبعات وآثار على أكثر من صعيد، يؤكد بشكل قاطع أن "إسرائيل" تتجه إلى تطهير عرقي وديني في الأرض المحتلة عام ،1948 إلى جانب محاولتها إبادة الشعب الفلسطيني بأكثر من وسيلة وأداة، ولعل هذا الإقرار يتساوق مع محاولات تمييع وطمس الهوية الفلسطينية للسكان الأصليين المرابطين في الأرض المحتلة عام ،1948 الذين تستهدفهم سلطات الاحتلال حالياً بمخطط تفتيت قائم على التمييز الديني والطائفي .
فقد أقدمت سلطات الاحتلال مؤخراً على العبث بخانة "القومية" التي تضعها في الهوية "الإسرائيلية"، وهي بطاقة إثبات الشخصية التي يُلزم الفلسطينيون في مناطق ال48 بحملها، وقد كانت البداية منذ إصدار هذه الهويات قبل عقود، عندما كان الفلسطيني يعتبر عربياً في خانة "القومية" المذكورة، لكن مؤخراً بدأ العبث "الإسرائيلي" يأخذ منحى آخر .
ذاك التطور تمثل في إقدام سلطات الاحتلال على اعتماد "قوميات" جديدة للفلسطينيين، بهدف تذويب هويتهم الوطنية، وللأسف الشديد، فإن بعضاً من الفلسطينيين، تواطأ مع هذا المخطط الخبيث، ونادى بالتفتيت، من خلال المطالبة باستحداث قومية جديدة من ضمنها "الآرامية"، ولعل ذلك لا ينفصل عن حالة تماهٍ مع الصهيونية وعنصريتها، وروايتها المكذوبة التي تحاول تثبيتها على حساب الحق الفلسطيني .
ما الذي تعنيه "يهودية الدولة" بالنسبة ل"إسرائيل"؟ وما المفترض أن تعنيه لكثير من الدول الحليفة لها، وعلى رأسها الولايات المتحدة؟ إنها لا تعني إلا أمراً واحداً، يتمثل في الوصول إلى تشريع قتل الفلسطيني ووضع نهاية لقضيته العادلة، وتحويله في نهاية المطاف إلى مجرد "عابر" في التاريخ، لا مكان له ولا جذور .
كل هذا وما زال كثيرون يتلهون بحديث فارغ غير ذي سند عن إمكانية العودة إلى طاولة مفاوضات التسوية، فيما تستمر سلطات الاحتلال في تثبيت الوقائع على الأرض، وتغيير الخريطة الديمغرافية، وتواصل تنفيذ مخططات عزل الفلسطيني وحصاره والضغط عليه .
فلتذهب "إسرائيل" إلى حد الجنون في مخططاتها، ولتسن ما تشاء من "قوانين" العنصرية وشرعنة القتل والتشريد، ومواجهة مطلقي الألعاب النارية بالرصاص الحي والقنابل، ولتشرّع الأبواب لمرتزقتها في مواجهة الفلسطينيين العزّل، ولتطلق العنان لغلاة مستوطنيها، لكنها في نهاية المطاف ستواجه الحقيقة الثابتة، المتمثلة في أن الفلسطيني الذي صمد 67 عاماً لن يسمح لها بإلغاء وجوده .
الكيان واهم إذا ظنّ أن قانوناً عنصرياً مستلهماً من تراث غابر من التعاليم التلمودية القائمة على استحقار الغير، سيمنحه أفضلية أو تفوقاً على الفلسطيني، فالأخير واجه ما هو أعتى من مجرد ما لا يساوي قيمة الحبر الذي كتب به، وهو قادر على الاستمرار في المواجهة حتى النهاية .
المصدر: الخليج
