في الأيام الاخيرة ذكرت وسائل الإعلام وبالذات "الإسرائيلية" أن الوزير الأمريكي جون كيري يعمل على بلورة مبادرة سياسية جديدة لاستئناف المفاوضات بين "الإسرائيليين" والفلسطينيين .
لم تصل الأمور بعد إلى طرح محدد ورسمي، ولا تزال أقرب إلى أفكار عامة، قيد التمهيد وتقصى المواقف تجاهها ومدى مقبوليتها.
يعزز ذلك ما نقلته صحيفة "هآرتس" عن مصادر دبلوماسية "إسرائيلية" أن كيري سأل نتنياهو خلال زيارته للولايات المتحدة عما إذا كان سيوافق على استئناف المفاوضات على أساس حدود 67 مع تبادل للأراضي، وأن نتنياهو لم يرفض أفكار كيري نهائياً، لكنه لم يكن متحمساً لها .
ويعززه أيضاً قول المتحدثة باسم الخارجية الأمريكية جين بساكي في 14/10 أن الولايات المتحدة "لم تلحظ تغيراً في استعداد الأطراف للانخراط" في العملية السلمية.
الأفكار حتى الآن تفتقد الجدية، كما تفتقد دينامية الحركة ومقومات النجاح. وتخلو من المبادىء الحاكمة، كما تخلو من تحديد الهدف النهائي، ومن التفاصيل الضرورية التي لم يعد ممكناً التعاطي مع أي اقتراح أو مبادرة لاستئناف المفاوضات من أي جهة أتت، من دون الانطلاق من تحديدها بوضوح أولاً والالتزام بتبنيها، وتضمينها شروط نجاحها وآليات تنفيذها .
فأفكار كيري كما هي مطروحة حتى الآن لا ذكر فيها لقيام دولة فلسطينية ذات سيادة ولا لوجوب وقف الاستيطان ولا للمدة الزمنية ولا لغيرها من العناوين الأساسية... وليس من المتوقع أن تحتوي على ذلك في مرحلة لاحقة.
لذلك لم تلق هذه الأفكار الصدى المتوقع، بل قوبلت بردود فعل باردة في الساحة الدولية، لا تتناسب مع دور وثقل الولايات المتحدة الأمريكية.
وتبدو أفكار كيري، بالطريقة والتوقيت اللذين طرحت فيهما، حركة علاقات عامة هدفها الرئيسي خدمة الانتخابات النصفية المقبلة للكونغرس، واستمالة المنظمات الصهيوينة ودورها المؤثر فيها والأصوات التي تؤمنها، خصوصاً بعد الشد والتلاسن اللذين ظهرا على وسائل الإعلام بين نتنياهو والرئيس أوباما.
الشيء الوحيد المحدد والصريح في أفكار كيري وقبل تبلورها في مبادرة، هو مقايضة قبولها كما هي عليه الآن، بثمن وقف التحرك الفلسطيني في مجلس الأمن الدولي الهادف إلى استصدار قرار منه يحدد سقفاً زمنياً لإنهاء الاحتلال "الإسرائيلي" لأراضي 1967 .
القيادة الفلسطينية رفضت المقايضة ودفع الثمن المطلوب، وقررت التمسك بخطة تحركها وآليتها، وأولى خطواتها هي التقدم إلى مجلس الأمن، والتمسك بمشروع القرار المقدم إلى المجلس للهدف المذكور، خصوصاً أنه قدم كمشروع قرار عربي تجمع الدول العربية على تبنيه . وأضافت القيادة الفلسطينية إلى ذلك، عدم قبولها أفكار كيري المتداولة .
وعلى الطرف الآخر، فإن الموقف الرسمي لدولة الاحتلال ممثلة في رئيس وزرائها نتنياهو غير متحمس لأفكار كيري، كم تمت الإشارة. لكن وزير دفاعها يذهب بالموقف إلى أبعد من ذلك من الوضوح، حين يصرح بوقاحة "لن تقام دولة فلسطينية في الضفة الغربية، وإنما حكم ذاتي منزوع السلاح" و"أنه ستكون لـ"إسرائيل" سيطرة أمنية كاملة جواً وبراً" لينهي بذلك أي قيمة أو أساس لاستئناف المفاوضات. وكأنه بتصريحه يريد أن يحرض الفلسطينيين على رفض أفكار كيري.
وكأنه، ومعه الموقف "الإسرائيلي" عموماً، يريد أن يحرم الطرف الأمريكي المعني من استعمال ورقة التفاهم والانسجام مع "إسرائيل" لمصلحة حملة أوباما في الانتخابات النصفية القريبة للكونغرس، وليبقي ورقة التلاسن والشد في يد الطرف المنافس .
إذا كان أحد الطرفين المعنيين بأفكار الوزير كيري، لا يبدي حماسة لها، أو هو بالواقع أقرب إلى رفضها، وإن بلغة دبلوماسية، والطرف الثاني يرفضها كما هي الآن ويرفض مقايضتها كما تقدم، فلماذا يستمر الحديث عن هذه الأفكار، ولماذا يستمر التبشير بها وبتحولها إلى مبادرة؟
الإدارة الأمريكية لجهة المبدأ، ولكثير من التفاصيل، تقف إلى جانب دولة الاحتلال وأمنها واستقرارها، وتحرص على مصالحها، وربما أكثر مما تفعل قيادة دولة الاحتلال ذاتها بعنصريتها وعنجهيتها
.
وهي بالمقابل تقف ضد التحرك الفلسطيني، وضد مشروع القرار العربي إلى مجلس الأمن، وقد عبرت عن ذلك جهاراً نهاراً أنها تشعربالقلق الشديد إزاء التحرك الفلسطيني. لهذا الموقف الأمريكي بجانبيه، أكثر من سبب: أولها، أنها تريد تجنب استخدام حق النقض ضد مشروع القرار العربي إلى مجلس الأمن، إذا ما وصل إلى مرحلة التصويت ونال الأصوات التسعة اللازمة لإنجاحه، حتى لا يضاف هذا التصويت إلى عشرات المرات التي استعملت فيها هذا الحق، نصرة لباطل "إسرائيل"، ودفاعاً عن عدوانها واحتلالها وعنصريتها، بما يسيء إلى صورة أمريكا، وإلى نزاهة وعدالة مواقفها . خصوصاً أن مشروع القرار مقدم من الدول العربية، وفي هذا الوقت الذي تسعى فيه إلى انضمام الدول العربية إلى التحالف الذي تبنيه في الحرب ضد "داعش".
وثانيها، حرص الإدارة الأمريكية على استمرار هيمنتها واحتكارها لكل ما يتعلق بالصراع الفلسطيني مع دولة الاحتلال، وعلى استمرار وضعها بوصفها القناة الوحيدة لأي تحرك سياسي فلسطيني دولي، لأن هذا الوضع بقدر ما يخدمها ويخدم مصالحها في المنطقة العربية ومع دولها، وفي توازنات القوى العالمية، فإنه يصب في المجرى العام لدورها الأساسي في حماية حليفتها الأولى "إسرائيل"، وضمان أمنها واستقرارها، وتفوقها أيضاً .
وثالثها، إدراك الإدارة الأمريكية لحجم وأهمية المتغيرات التي تطرأ على المجتمع الدولي بشكل عام وعلى هيئاته ومنظماته ومعاهداته، الدولية منها والوطنية المحلية، وعلى حركة تطور هذه المتغيرات واتجاهها، ولأنها تلمس تأثير هذه المتغيرات وحركتها على مواقف وسياسات دولها الوطنية، بشكل خاص تجاه ما يتعلق منها باستمرار الاحتلال الصهيوني لأرض فلسطين وبضرورة تحرر الشعب الفلسطيني من هذا الاحتلال ونيله حقوقه الطبيعية كما تقرها كافة القوانين والأعراف الدولية والإنسانية .
وأحدث الأمثلة على ذلك وأهمها قرار السويد الاعتراف بالدولة الفلسطينية، ثم تصويت مجلس العموم البريطاني الذي تكمن أهميته في التعبير عن تنامي التغيير في بريطانيا وقوته ووصوله إلى مجلس العموم أكثر من تأثيره المباشر في الموقف الرسمي للدولة البريطانية، وأيضاً الجدل الدائر بقوة في فرنسا وإسبانيا ودول غربية أخرى لمصلحة الاعتراف بالدولة الفلسطينية .
وهي تخشى على حليفتها من هذه المتغيرات وتطور حركتها، ومن مخاطر العزلة الدولية، وتسعى لحمايتها منها. ويبدو أن واشنطن تدرك هذه المتغيرات وتلمس تأثيرها ومخاطرها أكثر مما تدركه دولة الاحتلال المعنية الأولى بذلك بسبب مكابرتها .
إن سعي واشنطن إلى وقف التحرك الفلسطيني، ووقف وصوله إلى مجلس الأمن والمنظمات الدولية الأخرى يصب في محاولة إضعاف هذه المتغيرات وإبطاء حركتها بالإيحاء بأنه لا ضرورة ولا حاجة لها في الوقت الذي يختار الطرف الفلسطيني المعني اعتماد طريق المفاوضات لنيل حقوقه .
إن أي موقف للقيادة الفلسطينية غير الذي اتخذته بالثبات على المضي في تحركها بدءاً بمجلس الأمن، ورفض المساومة مع أفكار كيري، كان سيلحق ضرراً بالغاً بالوضع الفلسطيني بشكل عام وعلى أكثر من صعيد: سيكون صادماً للحالة الجماهيرية أولاً وقبل كل شيء، وسيكون خذلاناً للمجتمع المدني الدولي ولحركته المتطورة بسرعة ضد استمرار الاحتلال، ولنصرة نضال الشعب الفلسطيني لنيل حقوقه المشروعة، كما سيشكل إضعافاً إضافياً شديداً لوحدة الموقف الفلسطيني العام وللمصالحة الوطنية، التي لا تشكو من قلة الخلافات والمخاطر ونواحي الضعف والقلق، بل سيخلق تشويشاً ضاراً على عملية إعادة إعمار غزة، فوق ما فيها من مصاعب وعقبات.
حتى الحديث الذي يتناثر عن اللعب بين الإجراءات الإدارية لتأخير موعد التصويت في مجلس الأمن لما بعد الانتخابات النصفية الأمريكية، مهما قيل في محدوديته، لن يفهم، إذا ما حصل، إلا كتجاوب غير مباشر مع الأفكار الأمريكية، واستعداداً مبدئياً للتعامل معها ولو في وقت لاحق.
المصدر: صحيفة الخليج الاماراتية
