قراءة: راغدة عسيران
ما زال الاستيطان وتهجير الفلسطينيين من أراضيهم ركيزة الفكر الصهيوني. بعد بسط السيطرة الاستعمارية والاستيطانية على الجزء المحتل عام 1948، تسعى السلطة الصهيونية الى بسط مستوطناتها ومستوطنيها على أراضي الضفة الغربية، بما فيها القدس، رغم الكلفة المادية الكبيرة لهذه السياسة الاستعمارية. غير أن حساب الربح والخسارة ليس مهماً بالنسبة لها، كما كان الحال عندما ركّز استيطانه على الأراضي المحتلة عام 1948، بل المهم هو فقط استيطان الضفة الغربية أو أجزاء واسعة منها (وما تبقى يسمى فلسطين)، وتغيير طابعها الديمغرافي وهوية الأرض، كما حصل تماماً في الأراضي المحتلة عام 1948. لم تعد تكفي كافة الانتقادات الدولية ضد كيان العدو بسبب مواصلته جريمة الاستيطان، كما لم تعد تكفي كافة التهديدات التي يطلقها المجتمع الدولي، بين الحين والآخر، وذلك لأن الكيان مستعد لهذه التهديدات (كونها غير ملزمة له) وللانتقادات، التي سرعان ما يتم تغطيتها بمواقف مؤيدة له في المحافل الدولية. هذه هي خلاصة كتاب "دولة رفاه المستوطنين" الذي يدرس بدقة كافة قنوات التمويل الحكومي والرسمي للمستوطنات، في الضفة الغربية، وكافة التسهيلات والهبات التي تسهل عملية الاستيطان، لجعل المستوطنات "دولة رفاه جاذبة ليس فقط لفئات أيديولوجية يمينية بعينها، بل لفئات شعبية واسعة تنتمي الى شتى ألوان القوس".
بعد مقدمة سريعة لعملية الاستيطان في الضفة الغربية منذ احتلالها حتى الآن، تقارن الدراسة بين الميزانيات المخصصة للمناطق المحتلة عام 1948 والميزانيات المخصصة للمستوطنات في الضفة الغربية، وحجم الإنفاق على السكن والتعليم والمواصلات والاقتصاد والسياحة على ضوء هيكيلية الإنفاق وكيفية توزيع الميزانية الصهيونية بشكل عام. تشير الدراسة الى أنه في حين تراجع دور الحكومة الصهيونية ووظائفها الاقتصادية ودورها في تقديم بعض الوظائف الاجتماعية والخدماتية في الأراضي المحتلة عام 1948، فهي تقوم بهذه الوظائف في المستوطنات وتتكفل بغالبية الخدمات العامة "ولا تقيس المصاريف وفق مبادئ الجدوى الاقتصادية أو العقلانية الاقتصادية... أي أنها مستعدة لدفع ثمن اقتصادي ومالي بغية تحقيق أهداف قومية سياسية استراتيجية دون اعتبار للتكلفة المالية".
ينبّه الباحثان الى أن الدراسة لا تتطرق الى الأرباح التي يجنيها الكيان من احتلاله للضفة الغربية، بل تسلط الضوء فقط على حجم الإنفاق على المستوطنات مقارنة بالمناطق الفلسطينية الأخرى المحتلة منذ 1948. يتضح من الدراسة الديمغرافية للمستوطنات في الضفة الغربية، أن "الفئة الغالبة في سكان المستوطنات هي الفئة الشابة مقارنة ببقية سكان إسرائيل" وهي تشكل أكثر من 50% من المستوطنين في حين تبلغ 33% من السكان اليهود في دولة الكيان. وفيما يخص الامتيازات المالية والاقتصادية الموفرة للمستوطنات، يقارن الباحثان وضعها بوضع الأراضي المحتلة عام 1948، بالقول إن المستوطنات حظيت بميزانية عالية بالنسبة الى نسبتهم (4%) من مجمل السكان في عدة مجالات، في البناء والإستثمار والمناطق الصناعية مثلاً، كما طرأ ارتفاع ملحوظ في ميزانيات وزارة التربية والتعليم المخصصة للمستوطنات. وفي مجال السياحة، تعمل الحكومة الصهيونية على جذب السواح الى المستوطنات، على حساب الأماكن الدينية والأثرية والطبيعية الفلسطينية، تماماً كما حصل في الأراضي المحتلة عام 1948. لقد قررت الحكومة الصهيونية بناء الفنادق في المستوطنات في العام 2010، وأقر الكنيست مشروع قانون يسهل تقديم الدعم المالي للمتاحف المقامة في المستوطنات ووضعها على الخريطة السياحية "الإسرائيلية"، في الوقت الذي يقوم فيه المستوطنون بالاستيلاء على عيون المياه في الضفة الغربية ويهوّدون أسماءها ويحولّونها الى أماكن للتنزه، إضافة الى أنهم يسرقون المقتنيات الفلسطينية من القرى ويضعونها في متاحفهم، في محاولة لصناعة تاريخ يهودي في البلاد.
تتوزع المستوطنات في الضفة الغربية الى سلطات محلية ومجالس إقليمية، كما هو الوضع في الأراضي المحتلة عام 1948، وتعد هذه المجالس والسلطات شريكة للسلطة المركزية "تتقاسم الوظائف معها" وتنفذ سياسة المؤسسة. نفذت هذه السلطات المصالح الديمغرافية الصهيونية في الجليل ووادي عربة وتسعى اليوم الى تهويد النقب. وفي الضفة الغربية، "تستعمل إسرائيل أدوات شبيهة بغية تحقيق أهداف السيطرة على أرض تعتبرها استراتيجية". يقارن ويحلل الباحثان ميزانيات السلطات المحلية والمجالس الإقليمية للمستوطنات في الضفة الغربية بميزانيات هذه السلطات في الأراضي المحتلة في عام 1948. فيتضح أن نسبة مشاركة الحكومة في ميزانية السلطات المحلية للمستوطنات مرتفعة، وأنها تتحمل العبء الأكبر من ميزانيات التطوير فيها. وفي مجال التعليم، فإن حجم معدل ميزانية السلطات المحلية في المستوطنات هو الأعلى من بين كافة المناطق المحتلة عام 1948، على الرغم من الأوضاع الاقتصادية الجيدة للمستوطنين في الضفة الغربية.
إضافة الى التمويل السخي الحكومي المباشر وغير المباشر، تدعم المؤسسة الصهيونية المستوطنات في الضفة الغربية من خلال جعلها "مناطق أفضلية قومية"، أي أن المستوطنين يتمتعون بإعفاءات أو تسهيلات ضريبية في مجالات عدة: سعر الوحدة السكنية، في العمل والمواصلات والتعليم وفي المشاريع الاقتصادية المقامة. صادقت الحكومة على "قانون تشجيع الاستيطان" الذي يمنح تسهيلات ضريبية "ضخمة" كما اعترف بالتبرعات المقدمة لغرض الاستيطان في الضفة الغربية والقدس والشمال (الجليل) والجنوب (النقب) كتبرعات تستحق تسهيلات ضريبية للجهة المتبرعة، وتشارك في هذه التسهيلات الحكومة الصهيونية الى جانب السلطات المحلية في المستوطنات، مثل إعفاء تام من رسوم تسجيل الأطفال في رياض الأطفال.
أرفق الباحثان جداول عدة خاصة بالمستوطنات في الضفة الغربية وجداول أخرى تقارن أوضاع المستوطنات بالمناطق المحتلة عام 1948، وذلك لتوضيح أهمية عملية الاستيطان في العقلية الصهيونية، التي تعتبر الضفة الغربية أرضاً للاستيطان لأسباب استراتيجية و"دينية". رغم اتفاقيات "السلام" والدخول في مفاوضات مع الجانب الفلسطيني (سلطة أوسلو) حول تسوية الصراع، أو بسبب هذه الاتفاقيات التي أكدت على "التنسيق الأمني" والتعاون في هذا المجال بين السلطة الفلسطينية ودولة الاحتلال، يواصل العدو ويكرّس جريمة استيطانه في الضفة الغربية. على ضوء هذه المعطيات، يبقى التساؤل حول مستقبل الضفة الغربية مع استمرار "التنسيق الأمني" الذي يمنع المقاومة الفعلية، واستمرار "سلطة أوسلو" المكبّلة من قبل الأطراف الداعمة للعدو.
إصدار مؤسسة مدار – رام الله 2013
