تلحظ "إسرائيل" مؤخراً ما تعتبره تغييراً في استراتيجية “حزب الله” تجاه عودة رجاله للانتشار على طول الحدود، خلافاً لما يقتضيه القرار 1701 الذي أوقف عدوان العام 2006.
وترى "إسرائيل" مظاهر عديدة تؤكد هذه الملاحظة، وبينها إقرار “حزب الله” بأنه مَن قام مؤخراً بزرع عبوتين في مزارع شبعا وفجّرهما في قوة "إسرائيلية". وتقريباً منذ ستة شهور والمحافل العسكرية "الإسرائيلية" تتحدث عن ميل لدى الحزب لتغيير قواعد اللعبة مع إسرائيل في جنوب لبنان.
وأشار المراسل العسكري لصحيفة “هآرتس” عاموس هارئيل إلى أن "إسرائيل" ترى في عودة عناصر “حزب الله” للانتشار علناً قرب الحدود معها أمراً يناقض قرار مجلس الأمن الدولي رقم 1701. ويزداد وضوح الأمر في نظرها إثر إقرار الحزب علناً بأنه يقف خلف تفجير عبوتين في جنود وحدة “إيغوز” وفي دورية هندسة "إسرائيلية" كانت تعمل في مزارع شبعا. وأعلن “حزب الله” أن العملية الأخيرة تمّت للثأر من تفجير أودى بأحد عناصره أثناء قيامه بتفكيك جهاز تجسس في الجنوب في أيلول الماضي. وتخشى إسرائيل من أن يخلق تزايد هذه المظاهر إشكاليات على المدى الأبعد.
وبحسب التفسير "الإسرائيلي" فإن القرار 1701 يحظر تواجد مسلحي الحزب جنوبي نهر الليطاني. وكان الجيش "الإسرائيلي" قد نشر، منتصف أيلول الماضي، صوراً يبدو فيها مسلحو الحزب قرب الحدود معها، ربما كانوا في مهمة استخبارية. وقد تزايد الحديث عن انتشار “حزب الله” العلني في الجنوب بعد مقالات وتحقيقات نشرت في صحف لبنانية تؤكد عودة الحزب لممارسة نشاطاته جنوبي الليطاني بشكل يشبه ما كان عليه الحال بين العامين 2000 و2006.
واعتبر هارئيل أن إقرار “حزب الله” المباشر والصريح بالمسؤولية عن التفجيرات وانتهاكه للقرار 1701 يترافق مع خطوات على الأرض، فالعبوات التي فجّرها الحزب في مزارع شبعا مؤخراً هي من نوع أشد فتكاً وتطوراً من عبوات كان قد فجرها في آذار الماضي وأصاب آلية إسرائيلية من دون أن يسبب إصابات. وقال إنه لو لم يتصرف جنود الجيش الإسرائيلي بحذر بالغ في المرة الأخيرة لانتهت الأمور بعدد لا بأس به من القتلى.
وتستدعي التقديرات الحالية، وفق هارئيل، إعادة نظر في الرأي السائد في إسرائيل والقائل إن “حزب الله” لا يزال مرتدعاً من الجيش الإسرائيلي جراء حرب العام 2006، وأنه مرتدع أيضاً بسبب إدراكه لحجم استخدام إسرائيل للقوة العسكرية ضد حركة “حماس” في غزة في الحرب الأخيرة، لذلك فإنه غير معني بمواجهة مع إسرائيل في وقت يغرق في حرب في لبنان وسوريا والعراق.
وفي نظر هارئيل فإن زرع العبوات الأخيرة كان مقامرة غير بسيطة من جانب “حزب الله”. وإذا افترضت قيادة الحزب أن العملية انتهت بمكسب، فمعنى ذلك أنها كانت مستعدة لأن تأخذ بالحسبان على الأقل جولة عنف مع إسرائيل (في ضوء رد الفعل المتوقع على مقتل جنود)، إن لم تكن حرباً حقيقية. ويرى أن هذا السلوك يعبر عن ثقة بالنفس متزايدة لدى الحزب، على خلفية الخبرة العملياتية الواسعة التي راكمها مقاتلوه المشاركون في وحدات أكبر في الحرب السورية.
ويعتبر هارئيل أن من الجائز وجود تفسيرات أخرى لخطوة “حزب الله”: الرغبة في صرف الأنظار عن الصراع الداخلي في لبنان، وكذلك محاولته خلق ميزان ردع جديد مقابل إسرائيل، حتى لا تواصل هذه العمل ضده داخل لبنان. ومعروف أن مصادر أميركية وعربية كانت قد حمّلت إسرائيل مسؤولية غارات جوية وقعت في العامين الأخيرين على قوافل لنقل أسلحة من سوريا إلى لبنان، آخرها داخل الأراضي اللبنانية في شباط الماضي. وأشار إلى أن إسرائيل ستضطر، على خلفية ارتفاع سقف ردود “حزب الله”، لأن تدرس بحذر كيف تردّ في حال تسيير قوافل سلاح جديدة في ضوء العواقب المحتملة لمثل هذه العملية.
وتساءل هارئيل عن غايات “حزب الله” من تنفيذ عمليات ضد الجيش الإسرائيلي، كما حدث في مزارع شبعا. وهل الخبرة العملياتية التي راكمها في سوريا ترجمت أيضاً لأساليب قتال جديدة ونظرية عمل مختلفة في حال اندلاع مواجهة مستقبلية مع إسرائيل؟ وكيف يرى الحزب مثل هذه المعركة على خلفية تسلّحه المكثف بالصواريخ قصيرة المدى ذات رأس حربي أكبر في العام الأخير؟
ويخلص هارئيل للقول، استناداً إلى سلسلة مسؤولين إسرائيليين، إن المؤسسة الأمنية الإسرائيلية لا تلحظ في هذه المرحلة تغييراً جوهرياً في مصالح “حزب الله” أو خططه، وهو لا ينوي المبادرة للصدام مع إسرائيل. ومع ذلك من الصعب نسيان أن فائض الثقة بالنفس سبق وقاد الحزب إلى جملة أخطاء في العام 2006: اختطاف جنود الاحتياط، وهو ما أدّى إلى نشوب الحرب. وهكذا يستحيل الاستبعاد التام لإمكانية أن تقديراً خاطئاً كهذا قد يتكرر.
المصدر: السفير
