يتميز الحديث عن المفكرين والعلماء والقادة والشهداء أمثال الدكتور فتحي الشقاقي، وعن دورهم، وإرثهم، وفكرهم بالتعددية المتجددة والإضافة المطلوبة والبحث الموضوعي. ومعنى ذلك تجدد وتعدد الجوانب والقضايا التي يمكن تناولها والإشارة إليها والاستفادة منها، ما يعني بأن البحث في فكر الدكتور الشهيد فتحي الشقاقي وإسهاماته لم ينته بعد ولم يستكمل ولم تغط جوانبه.
في شهر تشرين الأول/أكتوبر، «الدم الذي هزم السيف»، يتجدد اللقاء مع الدكتور فتحي الشقاقي مرة أخرى، ونطرح هنا زواية جديدة لا نظن أنه تم التعرض إليها سابقا، لكن لعلّ هذا الموضوع يكون مقدمة لدراسات وكتابات جديدة ومكملة.
ففي كل ذكرى وما بين السطور، نجد للشقاقي بصمة جديدة لم نكتشفها من قبل، فندرك حقيقة واقعية ماثلة أمامنا هي أن الشقاقي لا يزال يجيب عن أسئلتنا ويرسم الطريق ويحدد المعالم، ولم يترك التفاصيل مبعثرة هنا وهناك، بل ضبطها في منهج إسلامي ونهج جهادي، ليجعل من هذه التفاصيل منظومة متكاملة مفادها أن فلسطين هي القضية المركزية للأمة الإسلامية، وما دون ذلك باطل ولا يتعدى كونه ترفا "جدليا لا جدوى منه.
كيف توفر للشقاقي هذا الرصيد وما هي أدواته وحيثياته؟، هذا عين ما تستهدف هذه الدراسة التعرض إليه.
أوْلى الدكتور فتحي الشقاقي للجانب الأكاديمي من حياته جهدًا ووقتًا كبيرًا، وعن هذا تتحدث الشواهد وشهادات كل من عاصروه وعايشوه، بل إن التحصيل الأكاديمي للرجل، والرصيد الكتابي يؤكدان أن الدكتور كان مفكرًا وباحثًا وكاتبًا وأكاديميًا من الطراز الأول الذي قلما نجد مثله في الوقت الحالي. أيضا إننا بحاجة لأمثاله، وفي هذه البعد والجانب إجابات عديدة سيتولد عنها ممارسات كفيلة أن تنهي جزءًا كبيرًا من مشكلاتنا وتساؤلاتنا الفلسطينية التي باتت تتزاحم في البحث عن إجابات استطاع فتحي الشقاقي أن يجيب عنها.
البعد الأكاديمي في شخصية الشقاقي يتطلب العودة إلى البدايات، والأصل في البحث عن الأشياء أن تُرد إلى أصولها ومنبتها، وعندما شرع في الإعداد لهذه الدراسة كان أول أمر العودة إلى الوراء، فكانت زيارة مكتبة الدكتور فتحي الشقاقي هي البداية، تبعتها محاولة حصر ما كتبه.
في المكتبة يمكن طرح الأسئلة التالية: كيف كان الدكتور فتحي الشقاقي أكاديميا؟ وما هي مؤشرات ودلالات ذلك؟ ما هي أهم المعالم والمؤشرات الأكاديمية في حياة وشخصية وتراث الدكتور فتحي الشقاقي؟ لماذا لا تكرر تجربة الشقاقي الأكاديمية فكرا وممارسة؟ هل يمكن الاستفادة من الرصيد الأكاديمي للدكتور الشقاقي وكيف؟
الإجابة تكون من ثلاث وسائط وجوانب أساسية: الأولى في المكتبة وأقصد مكتبته الشخصية التي لا تزال موجودة في بيت الدكتور في رفح، والثانية من تجربته الشخصية أي حياته ودراسته الجامعية وتخصصاته الأكاديمية، والثالثة من إرثه أي رصيده من الكتابات المختلفة والمتعددة من دراسات ومقالات وإسهامات واهتمامات بمختلف القضايا الفكرية والسياسية والوطنية والإسلامية والعربية والدولية، وهي جوانب أولى لها الشقاقي جزءًا لا بأس به من وقته وجهده وفكره.
أولا: مكتبة الدكتور فتحي الشقاقي ومعالم البعد الأكاديمي في شخصيته
المكتبة ذاتها تعتبر دليلًا واضحًا وقاطعًا على أن صاحبها كان أكاديميًا من الطراز الأول، ولا أبالغ إذ قلت إنه قلما، بل قد لا تجد في بيوت الكثير منا نصف أو حتى ربع هذه المكتبة، لا من حيث الكم فقط ولكن من حيث النوعية والمضمون، ولا أخفي سرًا إذا قلت إنني أصبت بالدهشة والاستغراب عندما دخلت مكتبة الشقاقي.
الطريف أنه كلما بحثت بين الكتب تزداد الدهشة وتتزاحم التساؤلات، فكيف استطاع الشقاقي إنجاز هذه المكتبة؟ من أين تحصل على هذه النوعية من الكتابات والموسوعات، فالرجل استشهد ولم يتجاوز الخمسة والأربعين عامًا قضاها ما بين السجون والملاحقات والمطاردات والبحث عن الإجابات هنا وهناك، لكن الكتابات بل الموسوعات والمجلدات العربية والأجنبية الموجودة في المكتبة تحتاج إلى دهر من أجل إحضارها، ولا يخفى على أحد حجم الحصار الفكري والعلمي والثقافي الذي كان مفروضًا على قطاع غزة، ورغم ذلك استطاع الدكتور جلب هذه الكتب والحصول عليها وتوفيرها لأخوته وأحبته، وهي شاهدة على عبقرية الرجل وحرصه على أن يمتلك هذا الشعب موروثا علميا وأكاديميا.
كانت المكتبة بداية المشوار الذي كان ينوي أن يخطه الدكتور فتحي الشقاقي، وكان من ضمن ما أوصى به عمومية هذه المكتبة وفتح أبوابها أمام جميع أبناء هذا الشعب الذي أنجب أمثال الشقاقي.
في المكتبة أيضًا إجابات عن بعض التساؤلات التي لا تخلو من المفاجآت، فطرحت سؤالًا قد يشاركني البعض فيه: هل أعد الدكتور هذه المكتبة وتحمل عبء إقامتها وتكوينها ليقرأها الآخرون فقط، أم ليقال يمتلك الشقاقي في بيته مكتبة؟
لا أبيح سرًا إذا قلت إنني واحد من كثيرون ممن يحضرون الكتب ويشترونها لتوضع فقط على الرف، ويمضي عام والثاني ولم أجد وقتًا أو فرصة لقراءتها إلا إذا كنت بصدد بحث أو دراسة بل أقرا بقدر ما أحتاج إليه، وهكذا. لكن نظرًا إلى ضخامة الكتب وكثرتها في مكتبة الدكتور، اعتقدت أن الدكتور قد يكون مثلنا أحضر كل هذه الكتب، لكن لم يتسنّ له الوقت لقراءتها والمرور عليها كلها، ورويدًا رويدًا بدأت تتضح الإجابات وتحل المفاجأة، وهي أن الشقاقي لم يقرأ هذه الكتب فقط، بل كتب موجزًا مختصرًا لكل كتاب وأبدى رأيه فيه وفي الكاتب، ثم دون أهم الملاحظات والنتائج والتعقيبات التي خلص إليها في قراءة هذا الكتاب أو ذاك.
ولم يقتصر الأمر على كتب بعينها، بل جميع الكتب والمجلات والدراسات كان يتعامل معها الدكتور بهذه الطريقة. والسؤال: كتب بهذه الكمية والنوعية كم تحتاج من الوقت والجهد من أجل قراءتها، فكيف بكتابة ملخصات لها والتعقيب عليها؟ أعتقد أن هذه إجابة كيف كان الدكتور فتحي الشقاقي أكاديميا.
قبل أن أدخل مكتبة الدكتور فتحي الشقاقي استطلعت في داخلي واستنبأت ما الذي قد أجده في المكتبة، وما هي نوعية الكتب التي قد يهتم بها ويقرؤها رجل مثل الشقاقي. أجبت إجابة سريعة قد يجيبها أي شخص منا، ومفادها أنني سأجد كتباً في الطب فالرجل كان طبيبًا، وقد أجد بعض الكتب في الفكر والتاريخ الإسلامي في أفضل الحالات.
إليكم ما وجدت: كتب في العلوم السياسية بمختلف فروع وتخصصات العلوم السياسية من فكر سياسي ونظم سياسية وعلاقات دولية وسياسات خارجية ومواثيق واتفاقات، ثم كتب في الأدب بمختلف تنوعاته عربية وأجنبية قديمة وحديثة، وفي الشعر وفي النثر، وفي المسرح وتاريخه وتطوراته، وفي الروايات وفي اللغات، ثم كتب في العلوم. أتوقف هنا لأنه لفت نظري كتاب عنوانه "كيف تصنع القنبلة النووية دون فرن ذري"، ولا أستذكر اسم مؤلف الكتاب لكنه على ما أعتقد كتب في بداية السبعينيات. أيضًا وجدت كتباً في التراجم، وفي السيرة النبوية، والنظم الإسلامية، والأحزاب السياسية على اختلافها، ومجلدات في الفلسفة الإسلامية، وفي علم النفس، وفي علم الاجتماع، وعلم الحديث بل حتى موسوعة المعجم المفهرس لألفاظ الحديث النبوي، وكتب في العقيدة، وفي البيلوغرافيا، وفي علوم القرآن، وفي الاقتصاد، وفي التاريخ، وموسوعة قصة الحضارة.
كذلك وجدت موسوعة تاريخ الإسلام للدكتور حسن إبراهيم، وموسوعة الميزان في تفسير القرآن، والدر المنثور في التفسير بالمأثور للسيوطي، وكتاب مقدمة ابن خلدون، وكتاب الأم للإمام الشافعي، ومذكرات تشرشل، وكتاب الترجمان وهو قاموس عربي ملايو بالأحرف الجاوية لمحمد على راوا... والقائمة طويلة، ولا يمكن ذكر جميع الكتب الموجودة، لكن هذه فقط عينة من مجموع الكتب الموجودة باللغة العربية.
عندما أوردت كلمة كتب عند ذكر كل علم وتخصص كان المقصد والدلالة أنه ليست كتاب فقط في هذا النوع أو ذاك بل مجموعة كتب مختلفة، ففي العلوم السياسية فقط تجد ما يزيد عن خمسين كتابا، وهكذا في بقية العلوم والتخصصات.
هذا دليل واضح ومؤشر موضوعي من مؤشرات البعد الأكاديمي عند الدكتور الشقاقي الذي لم يكتف بالاطلاع على رأي باحث أو مفكر واحد، بل كان يطلع على جملة ومجموع ما كتب وقيل في الموضوع قدر المستطاع، وهذا من صميم المنهج العلمي الموضوعي والأكاديمي الذي قلما يتوفر لكثير من الكتاب والباحثين.
أيضا، من مؤشرات ودلالات البعد الأكاديمي للدكتور فتحي الشقاقي قصته مع الكتب، ولا نزال في المكتبة، ففيها تجد حرص الدكتور واهتمامه بالحصول على قائمة المطبوعات الصادرة عن دور النشر العربية والأجنبية، فمثلًا تجد في مكتبته قائمة مطبوعات الهيئة المصرية العامة للكتاب في العام 1978 وتحتوي على 860 صفحة وفيها 2222 كتاب وإصدار للهيئة العامة للكتاب، وتجد أن الدكتور كان يشير إلى الكتب التي ينوي شراءها واقتناءها.
في هذا دلالة ذات بعدين الأول الاهتمام المبكر للدكتور بالكتب والكتابات بدليل حصوله على إصدارات الهيئة منذ 1978، والثاني أن الدكتور كان يتابع ويلاحق الإصدارات الجديدة من منابعها ومن مصادرها أي من دور النشر والتوزيع، فيحرص على اقتناء كل ما هو جديد.
وقد وجدت في المكتبة كتاباً بعنوان: السودان المأزق التاريخي وآفاق المستقبل لمحمد أبو القاسم حاج حمد، طبع في أواخر 1980، حصل عليه الدكتور في تموز/ يوليو 1981، وقرأه في القاهرة وقد دون عليه الدكتور هذا التاريخ وكتب تحته القاهرة.
تغليف الكتب لأسباب أمنية
من الأبعاد والدلالات الأكاديمية المتوالية في حكايات الدكتور فتحي الشقاقي مع الكتب، طريقة تجليده وتغليفه للكتب التي كان يقرؤها. طبعا ليست كل الكتب، فقط المميزة منها، والتميز هنا ينفرد به المكان والزمان، ولهذا عدة دلالات منها أن الدكتور كان لا يقرأ فقط في المكتبة أو البيت، بل في الشارع والأماكن العامة أيضا.
الأمر الآخر أن الدكتور لم يعان من الرقابة الذاتية، ولم يفرض على نفسه رقيباً ذاتياً يحول بينه وبين الفكر والثقافة والإطلاع وقراءة كل ما هو جديد، بل استحدث وأوجد لنفسه وسيلة ليقرأ بها هذه الكتب التي كان أحد أهم أسباب تجليدها وتغليفها أنها ممنوعة ويحذر قراءتها وتداولها، والجميع يعرف أن الدكتور فتحي الشقاقي تنقّل في أماكن عديدة جمعت بينها ظروف المنع والقمع على الكتب ومنع تداول جزء كبير منها، وخاصة تلك التي كان الدكتور الشقاقي مهتمًا بها ويبحث عنها، فما بين غزة والقدس وصولًا إلى القاهرة كان لا بد من وسيلة لإخفاء الكتب، فإن لم يستطع، فإنه يخفي عناوينها.
في المحصلة النهائية كان يتمكن من قراءتها والاطلاع عليها، وهكذا كان الشقاقي قارئاً مثابرًا ومخترعًا مجتهدًا قبل أن يكون قائدًا ومعلمًا ومجاهدًا، بل كان عاملًا ومنفذًا للأمر الرباني "اقرأ".
للمكتبة أيضا دلالات أكاديمية تتحدث عن شخصية الشقاقي وأبعادها، ومنها حرصه على تنوع الكتابات والمجلات بل العمل على توفير جميع أعدادها القديمة والحديثة، وهو ما تجده مثلا مع مجلة "فصول" المتخصصة في النقد الأدبي، وما تجده مع مجلة "روز اليوسف"، و"البيادر السياسي"، ومجلة "الثقافة"، ومجلة "اليقظة العربية" وغيرها، فكان يُجلّدها، والتجليد هنا مختلف عن التجليد في المرة السابقة. التجليد هنا من أجل الحفاظ عليها وحفظها، فلهذه اللحظة وإلى هذا اليوم تبدو هذا الكتب وتلك المجلات كأنها جديدة قد أحضرت بالأمس.
مثلا تجد كتبا قد طبعت ونشرت في الستينيات والسبعينيات قام الدكتور الشقاقي بتجليدها وتغليفها فبدت بشكل جديد وجميل رغم قدمها وقدم طباعتها، وهذا دليل آخر من دلائل البعد الأكاديمي في شخصية الدكتور فتحي الشقاقي.
كيف؟ هذا التجليد وهذه الطريقة في الحفاظ على هذه الكتب تعني أن الدكتور فتحي لم يكن يستهدف بهذه المكتبة ذاته، وبالتالي لم يقصد الخصوصية بهذه المكتبة، بل كان الهدف هو بقاؤها لأطول مدة ممكنة حتى يستفيد منها من يأتي من بعده وتكون متوافرة وممكنة للأجيال القادمة، وهو ما أكدته زيارة مكتبة الشقاقي الذي مضى على استشهاده تسعة عشرة سنة ولا تزال مكتبته وكتبه تشهد له وتروي لنا حكاياته مع القراءة ومع التجربة الأكاديمية والعلمية التي تفرد بها.
هناك دلائل أخرى في المكتبة ترويها الرواية الأكاديمية الكاملة للدكتور فتحي الشقاقي. كتاب "الزلازل" لمصطفى محمود، طبعة تشرين أول/ أكتوبر عام 1966، فوجدت أن الدكتور فتحي قد كتب عليه اسمه ودون تاريخ 21/6/1972 القدس، وكتاب "إشتراكية الإسلام" لمصطفى السباعي وقد طبع الكتاب في 1959، وكان الدكتور فتحي قد كتب عليه تاريخ 16/5/1979 القاهرة، وهنا تجد أن شغفه بالقراءة والإطلاع لم يكن مقصورا على فترة دراسته في مصر فقط بل سبق ذلك بكثير.
ومن الدلائل الحاضرة والماثلة أيضا في المكتبة مجلة "الطليعة" الصادرة عام 1969، والموجودة جميع أعدادها في مكتبة الدكتور فتحي الشقاقي في مجلدات يحتوي كل مجلد منها على ستة أعداد، ونحن نعلم أن الدكتور فتحي مواليد عام 1951، وفي 1969 كان عمره لم يتجاوز الثامنة عشرة لكنه أحضر المجلة وحصل عليها واحتفظ بأعدادها، لتروي الحكاية كاملة على مرر السنين وتقول هذا هو الشقاقي القيادي والأكاديمي والمؤسس لمدرسته العلمية والعملية والجهادية التي يتوازى ويتساوى ويمتزج فيها الفكر بالممارسة في خطين متوازيين لا يفترقان.
هذه شواهد ودلائل البعد الأكاديمي في شخصية الدكتور فتحي الشقاقي نسوقها في جانب واحد من جوانب حياته وتراثه، هو مكتبته، التي لا تزال قائمة وماثلة وشاهد عيان تجيب من خلال شواهدها ومعالمها كيف كان الشقاقي أكاديميا.
وكنا قد أسلفنا أن الإجابة عن التساؤلات المطروحة ستكون من ثلاثة وسائط أو ثلاثة جوانب، وذكرنا أن الأولى المكتبة، والثانية هي التجربة الشخصية والحياتية العلمية والعملية للدكتور فتحي الشقاقي، وهذا عين ما سنشير إليه في الجزء الثاني من هذا البحث لاستكمال الإجابة عما سبق من تساؤلات.
ثانيا: التجربة الشخصية والممارسة الفكرية ودلالات البعد الأكاديمي في حياة الشقاقي
البحث في التجربة الأكاديمية والمدرسة الجهادية للدكتور فتحي الشقاقي، يضع في طريقك عدة كتابات ومقالات ومجلات وجرائد، وعلماء ومفكرين وقادة وسياسيين عرب وفلسطينيين، تحدثوا واستفاضوا في الحديث عن الشهيد والقائد فتحي الشقاقي. هذا الرجل الذي لم يترك مكانا شاغرا إلا ووضع فيه بصمته، والذي اخترع البوصلة التي تشير إلى فلسطين وأصاب كبد الحقيقة عندما صنع الخريطة ووضع المنهج والنهج، ليوفر علينا مشوار البحث والتردد الذي استمر أكثر من أربعة عقود.
كان الفلسطينيون يبحثون خلال تلك السنوات عن قبلتهم الوطنية والإسلامية والجهادية، وما هو مطلوب وما هو مستحق، فأرشدهم ودلهم، وقال فلسطين القضية المركزية للأمة العربية والإسلامية، والتحرير والتغيير خطان متوازيان ومستقيمان لا يمكن تغليب أحدهما على الآخر.
كما قال كلاما كثيرا لا نزال إلى اليوم نردده ونستشهد به، ولكن في الوقت ذاته عجزنا عن فهمه ووضعه موضع تنفيذ أو حتى تجريب، وبهذا المنهج استطاع الشقاقي أن يفك الاشتباك الذي كان دائرا بين جميع أطياف التيارات الفكرية الوطنية واليسارية والإسلامية الفلسطينية، ويوفر جهدا كبيرا، لذلك لا يمكن لأي عاقل أو مجاهد أو قائد أو باحث عن الحقيقة والموضوعية أن ينكر فضل ودور وإسهام الشقاقي في جملة التحولات والتغييرات والمراجعات التي حدثت في الساحة الفلسطينية ببعديها الوطني والإسلامي، بل إن كل ما وصلت إليه الحركة الإسلامية اليوم في فلسطين من رصيد جهادي وجماهيري وسياسي واجتماعي على كل المستويات والمجالات، هو نتيجة حتمية وموضوعية لاجتهادات وإجابات الدكتور فتحي الشقاقي، الذي يشهد له الماضي والحاضر والمستقبل أنه لم يكن عالما أو مفكرا أو أكاديميا فقط، بل كان صاحب نظرة مستقبلية بعيدة الأفق.
وأستشهد هنا بما قاله الدكتور فتحي الشقاقي قبل ما يقارب عشرين عاما في هذا الخصوص حينما قال: "لقد كان إحجام الحركة الإسلامية عن الجهاد في فلسطين إضافة إلى كونه تخليا عن واجب شرعي، مجلبة للهزال والضعف والبقاء في الصفوف الخلفية"، وكان ذلك في كتابه مقدمة حول مركزية فلسطين والمشروع الإسلامي المعاصر.
أما الهدف من التعرض لحياة وتجربة الشقاقي في بعدها الأكاديمي، فليس من أجل ترديد ما قاله وما كتبه وما أجاب عنه، لأن في ذلك تحريفا لأهداف الرجل وتطلعاته واستهدافاته، فالشقاقي قام بما قام به لا ليكون موضوع إشادة وترديد، بل ليكون موضع تنفيذ ونهوض للأمة وتحقيق لمشروعها الإسلامي الحضاري، لذلك كانت حياة الشقاقي وشخصيته عبارة عن خلاصة أكاديمية، ومدرسة جهادية أسست منظومة متكاملة فيها السياسي والأدبي والثقافي والإسلامي والحركي والفكري الموضوعي المتزن والمتسق الذي يوازي ويساوي بين الممكن والمطلوب والمتاح.
لا يتسع الموضوع هنا لمناقشة الفكر السياسي للرجل ومواقفه وتصوراته، ولكن أعتقد أن فكرة واحدة من أفكار الشقاقي تعتبر مدرسة فكرية وثقافية وأكاديمية تحتاج إلى جهد وبحث، وقد تقرأ مرة بعد مرة، وفي كل مرة تجد ما هو جديد فيها، ففكرة فلسطين القضية المركزية للحركة الإسلامية كلما قرأتها تفهم منها مقصدا مختلفا تماما عن المقصد الذي توصلت إليه من القراءة السابقة، بل كلما مضى الوقت تستخلص معاني ومقاصد جديدة لهذه الفكرة، بل لهذه المدرسة الفكرية التي أسسها الدكتور.
حياة الشقاقي وتجربته الشخصية لا تتوقف فيها الأبعاد والجوانب الفكرية والإنسانية والعلمية والأكاديمية، فالرجل امتلك ميراثا وتراثا أكاديميا على صعيد الممارسة لا يقل عن رصيده على صعيد الفكر.
في ما يلي شواهد ذلك، الدكتور فتحي الشقاقي كان معلما للرياضيات، وأصبح طبيبا مداويا وعالما مفكرا وقائدا أديبا وسياسيا شاعرا، وصاحب مدرسة جهادية ماثلة وقائمة استطاعت أن تنهض وتستنهض الحركة الإسلامية، وهي اليوم تمتلك رصيدا لا بأس به من الشهداء والأسرى والجرحى والقادة وتقارع الاحتلال الصهيوني الند بالند، وهذه الصفات وتلك السمات تحمل عدة دلالات تفوق القول إن الرجل كان أكاديميا فقط، ونتوقف!.
النقاش الذي أداره وعمل من أجله واستشهد في سبيله، ذاك الحوار الذي قاده الشهيد فتحي الشقاقي منذ السبعينيات مع إخوانه وزملائه في المسائل المنهجية حول الدين والعقيدة والعلوم الإنسانية والتاريخ الإسلامي والتاريخ الأوروبي الحديث والقديم، قبل انتقالهم إلى السؤال المركزي والفلسطيني: "وطنيون بلا إسلام وإسلاميون بلا فلسطين".
وصوله ومن معه إلى الإجابة عن كل ما سبق وكل ما سيأتي من تساؤلات هي أن فلسطين المركز وأن الكل الإسلامي يدور من حولها، ويجب أن يكون حولها، واعتبار الإسلام كأيديولوجيا منطلقا وفلسطين هدفا للتحرير والجهاد وسيلة. هكذا تحول الحوار والنقاش الفكري إلى حوار ومناخ سياسي وحركي أفرز نواة تنظيمية.
اندفعت هذه النواة صوب واتجاه المركز فلسطين، فكان حضورا ربانيا وإسلاميا ودعويا وسياسيا وجماهيريا وتعبويا شمل المساجد والمدارس والجامعات والمؤسسات والنقابات، وتطور خلال أعوام ليصبح جهادا مسلحا وقصفا موفقا وجيشا مرابطا. هكذا كان الشقاقي أمينا عاما وقائدا ومؤسسا ومنظرا عالما ومعلما مربيا لمدرسة الجهاد والاستشهاد، ولم يكن أكاديميا فقط، وعليه فإن دراسة تجربته وحياته وشخصيته تشكل زادا ورصيدا لكل الأسئلة التي نبحث لها اليوم، وليست لنقول فقط كيف كان الشقاقي بل لنبدأ من حيث انتهى.
الاهتمام بالطلبة
الشقاقي عمل مدرسا ومربيا، ولم يغب عن أقواله وأفعاله عنصر الشباب والطلاب الذين ستتشكل منهم فيما بعد نواة الحركة الإسلامية المجاهدة، فكان الشباب الفلسطينيون المتدينون والمثقفون أول من تخرجوا من مدرسة الشقاقي ذات الجذور الإسلامية والقرآنية والتجارب الثقافية والسياسية، فلم يكونوا انطوائيين ولا رافضين ولا متعصبين لفكر بعينه. كانوا ولا يزالون كما أرادهم الشهيد فتحي الشقاقي، من الذين قرؤوا لشكسبير ودستوفيسكي وتشيكوف وسارتر وأليوت، ونجيب محفوظ وبدر شاكر والسياب وصلاح عبد الصبور والعقاد ومحمود درويش، كما قرأ وأقرأ طلابه وأبناءه وتلامذته للسيد جمال الدين الأفغاني والإمام حسن البنا وباقر الصدر وسيد قطب وآخرون كثر.
كانوا من المطلعين على العلوم الإسلامية المختلفة والمعارف الإنسانية والتاريخية، وهذا وفر للشقاقي إرثا وفكرا ورصيدا لا يتوافر لكثيرين الآن هم في وضع أعقد وأصعب مما كان فيه الدكتور الذي كتب ملاحظات نقدية وأبدى تعقيبات فكرية على كتابات وأطروحات جون بول سارتر، ولم يتجاوز حينها- الشقاقي- السابعة عشرة من عمره، ثم كتب مقالا تحدث فيه عن لينين في الذكرى المئوية لميلاده، وكان عمره تسعة عشر عاما.
الغريب أمران: الأول أن هذه الكتابات رغم قدمها ورغم صغر عمر الشقاقي عندما كتبها جعلها ظاهرة وسابقة منفردة لشاب لم يبلغ من عقدين من عمره، ويعقب وينتقد سارتر، ويكتب في مئوية لينين. وهي، للأسف، لم يشر إليها أحد من قريب أو من بعيد وبقيت مخفية وخافتة. الأمر الثاني أنه حينما كتب الدكتور فتحي الشقاقي عن الثورة الإيرانية وأشاد بتجربتها كنموذج شعبي جماهيري إسلامي استطاع أن ينهض ويستنهض مشروعه الثوري الذي قاده علماء الدين ومن بينهم الإمام الخميني. قامت الدنيا ولم تقعد إلى اليوم وإلى اللحظة والبعض يستطرد في توجيه الاتهامات هنا وهناك، وكانت التهمة الموجهة هي الإشادة والإشارة إلى نموذج ثوري إسلامي حدث في إيران، وأنا أجزم أنه لو وقع هذا الفعل وهذا النموذج في أي بقعة من الأرض لن يتوانى الدكتور فتحي الشقاقي عن الإشارة والإشادة به، في حين أن الحديث عن الفكر الماركسي والشيوعي واليساري لا يعد تهمة ولا يعد تحولا في حياة وفكر وممارسة الشقاقي في رأي كثيرين كان يفترض بهم تحري الموضوعية والتحلي بالمواصفات والسمات الأكاديمية!
وإن دل ما سبق على شيء يدل على أن الدكتور كان أكاديميا وكان موضوعيا ومفكرا، وقد سقت المثالين السابقين لتأكيد أن الشقاقي الشاب، والشقاقي المعلم والشقاقي الطبيب، كان حالة فلسطينية متميزة ومتفردة لم تشهد لها مثيل الساحة الفكرية العربية والساحة الفكرية الفلسطينية بل تعجز كلاهما اليوم، على اتساع المساحة الفكرية والثقافية والعلمية والجغرافية، عن استيعاب الآخر الوطني أو الآخر الإسلامي، حتى بات الافتراق والخلاف والاقتتال سمة يتفرد بها الواقع العربي والإسلامي والفلسطيني، في حين أن الشقاقي، رحمه الله، استوعب الجميع ولم يلفظ أحدا، فكان نبراسا وطنيا وقنديلا إسلاميا ورجلا توفيقيا جمع الوطني والإسلامي، حتى بتنا في أشد الحاجة اليوم إليه، ونفتقده عند كل زاوية وعند كل سؤال يبحث عن إجابة ضائعة.
العلم والتعليم والمثابرة والمواصلة في حياة الشقاقي وتجربته
بعد أن عمل مدرسا لمدة أربع سنوات، قرر بعدها دراسة الثانوية العامة من جديد، وبالفعل نجح في الحصول على مجموع درجات مرتفعة يؤهله لدخول كلية الهندسة التي كان يرغب بها وقد تحصل على 97%، لكنه حاد عنها بناء على رغبة والده، والتحق بكلية الطب في جامعة الزقازيق في جمهورية مصر العربية وتخرج فيها، ليعود إلى القدس طبيبا في مستشفياتها بعدما كان معلما في مدارسها. فكان معلما وطبيبا ومفكرا وعالما وكاتبا وباحثا، ورغم أنه كان ناصريا آنذاك، فإن ذلك لم يمنعه من قراءة كتاب معالم في الطريق للشهيد سيد قطب، وعندما تحول واستدار جهة الاتجاه الإسلامي لم يمنعه ذلك من قراءة الأدب والشعر والفكر الغربي وقراءة الفلسفة.
كان يقرأ لليساريين ولغيرهم، ولم يرفض فكرا بعينه. هذه أهم معالم الإنسان الباحث والأكاديمي، وتلك سمة يجب التحلي والتزين بها عند شبابنا في هذا الزمن الذين باتوا لا يستوعبون الآخر، فحقا جسد الشقاقي تجربة لا بد من استحضارها وتطبيقها اليوم وفي هذه اللحظات العصيبة من تاريخ الأمة.
أيضا نشير إلى اهتمام الشقاقي بأماكن الإنتاج الإنساني والحضاري والعلمي، فللمسجد والمدرسة والجامعة مكانة هامة وكبيرة في فكره، وقد حظيت بتركيز عال، لأن في هذه الأماكن يصنع الرجال وتصقل الشخصيات وتتكون نواة القيادات.
تحدث الشقاقي عن الدور الطلابي البارز في جامعات ومعاهد الضفة والقطاع منذ 1981 حينما شكلت كتلة الإسلاميين المستقلين الطلابية، وعن دورها والأهداف المنوطة بها، فكانت هي وقود ومحرك الحركة الإسلامية الفلسطينية التي لم يهملها ولم يستبعدها الدكتور بل أولى لها جل وقته واهتمامه.
كان دائم الزيارة إلى الطلبة الفلسطينيين في الجامعات العربية ويتجالس معهم ويحاورهم ويناقشهم ويستمع إليهم ويجيب عن أسئلتهم، ورغم أعبائه وانشغالاته لم يغفل هذا الجانب مطلقا، بل كان يدرك أهميته ودوره وبعده في الجهاد والمقاومة وهو القائل: المثقف أول من يقاوم وآخر من ينكسر.
هذه مقتطفات من حياة وتجربة الدكتور فتحي الشقاقي وبعض أبعادها الأكاديمية، ورغم الرحيل المبكر للقائد الشهيد الذي رحل وهو في عامه الرابع والأربعين، فإنه خلف علما وعملا لا يستطيع بعض الذين عمرو دهرا تحقيق بعض منه.
إننا لا نضخم ولا نبجل الأشخاص، ولكننا نضع الرجال في مواضعهم، وترى أين يمكن أن نضع الشقاقي الذي رغم رحيله المبكر حقق وأنجز وأسس وعمل ما عمله، فكيف لو كتب له أن يعيش لهذا اليوم، وكيف لو لم يقض جزءا من حياته في التنقل بين السجون المصرية، ثم المعتقلات والزنازين الصهيونية؟ كيف لو لم يكن مطاردا ومطلوبا؟.
إن من يطلع على حياة الشقاقي ويومياته يشعر أن الرجل كان في سباق وجهاد دائمين مع الوقت، ومع التاريخ، ومع الجغرافيا، واستطاع أن يكون السباق وأن يكون متقدما بخطوات من أجل تحقيق الإنجازات التي نعايشها ونستشهد بها اليوم، يا قائدا وقائلا: "إننا نحب الموت كما يحبون الحياة".
لقد قيل عن الدكتور الشقاقي: "كان عمليا علميا.. توحيديا من غير تنازل.. واقعيا بدون تفريط.. مؤمنا بلا تعصب، مجاهدا مناضلا، مفكرا متواضعا، سمحا هادئا، واثقا بنفسه وبثورته بشعبه، لقد انتزع الشهيد المجاهد في حياته إعجاب واحترام الجميع بتواضعه وبمواقفه وصلابته وحماسه، بإيمانه بقدرات الثورة والشعب وبعون الله".
ثالثا: الموروث الفكري والتراث الكتابي والمقالي للدكتور وأبعادها الأكاديمية
هذا هو الجانب الآخر من وسائط وأدوات الإجابة على تساؤلات هذه الورقة البحثية، وهو جانب الموروث الفكري والأدبي والثقافي والكتابي والمقالي سواء ما قاله الدكتور أو كتبه من مقالات، وقد حظي هذا الجانب بالكثير من الكتابات والإشارات، لذا سنشير إلى أهم الدلالات والأبعاد الأكاديمية التي يمكن استخلاصها واستنباطها من هذا الجانب من جوانب حياة وتجربة وتراث الدكتور الشهيد فتحي الشقاقي.
كما سيتم الاستشهاد بمجموعة من أقوال الشقاقي وكتاباته، والتعقيب عليها بهدف استنباط البعد الأكاديمي من خلالها فقط، وليست التعقيب على ما قاله وما ورد عنه رحمه الله، مع استحضار بعض ما قيل من إشادة وتوصيفات في حق الرجل وعن تجربته الشخصية، وفيما يلي نشير إلى هذا الجانب من حياة الشقاقي كالتالي:
إثراء الدكتور فتحي الشقاقي للمكتبة الإسلامية بالعديد من المؤلفات والدراسات، التي كان منها على سبيل الذكر لا الحصر: معالم في الطريق لسيد قطب (عرض ورؤية الدكتور فتحي الشقاقي)، وموقف علماء وقادة المسلمين من الثورة الإسلامية، والخميني الحل الإسلامي والبديل، والمشروع الإسلامي المعاصر ومركزية القضية الفلسطينية لماذا وكيف؟، والمرأة الفلسطينية تيار جديد ومهام جديدة، وهل في الإسلام ثورة، وغيرها العديد من الكتابات التي تميزت بالطابع الفكري والنظري والمفاهيمي، ولا زالت ماثلة وصالحة لهذا اليوم فكان الشقاقي لا يكتب لعصره أو لزمنه ويومه، بل كان يكتب لكل زمان ومكان بدليل صحة أطروحاته وفرضياته وتقدمها على ما دون سواها إلى اليوم، والباحث والمتمعن والمتفحص لهذه الكتابات وعناوينها يجد كيف كان الشقاقي أكاديميا وعلميا في طرحه وفي تناوله وفي معالجته وتغطيته وبحثه في قضايا الأمة مصيرها ومستقبلها.
مجالات اهتماماته وكتاباته ودراساته لم تكن في الشأن الإسلامي الفلسطيني فقط، بل في كل المجالات والقضايا والاهتمامات التي تهم وتخص الأمة، فمن دراساته "أفغانستان جذور الصراع الثورة المستقبل هل هو انبعاث صليبي جديد؟". وكان ذلك في مارس من العام 1980، ثم دراسته "لبنان خرافة الكيان الماروني وزيف المواجهة العربية في يونيو العام 1980"، ثم دراسته بعنوان "إيران الثورة والدولة في أغسطس 1980"، وتلتها دراسته "تركيا مسيرة العودة إلى الله وليل الجنرالات في نوفمبر 1980"، ودراسته "السنة والشيعة ضجة مفتعلة ومؤسفة في عام 1982"، ودراسته "التاريخ لماذا؟"، عام 1983، و"المقاومة الفلسطينية المنطلقات والدوافع عام 1985"، ودراسته "حرب الخليج والقضية الفلسطينية أبريل1991"، ودراسته "هل إسرائيل الكبرى مشروع علماني؟" عام 1992، ودراسته "الاستقلال والتبعية في الحوض العربي- الإسلامي رؤية نهضوية" العام 1993.
هذه العينة السابقة تظهر أولا التوزيع الجغرافي والمكاني لاهتمامات الدكتور فتحي الشقاقي فهو لم يكتف ولم يتقوقع في بقعة جغرافية واحدة، بل جال بفكره وكتاباته متنقلا من أفغانستان إلى تركيا ولبنان وصولا إلى إيران، وانتقالا إلى الخليج العربي، مرورا بالكيان الصهيوني وانتهاء بالحوض العربي والإسلامي.
ثانيا تنوعت دراساته وكتاباته ومعالجاته الزمانية والمكانية، ثم قدم هذه الكتابات والاهتمامات وتجذرها فبعض هذه الكتابات قيلت وأثارت ضجة واعتقل الشقاقي على إثرها ولم يتجاوز حينها الثلاثين من عمره، لذلك نجد أن الشقاقي لم يكن يكتب ويقدم الدراسات عبثا فقط ولا من أجل أن تأكل مقالاته ودراساته من أثدائها، ولم تكن غثاء كغثاء السيل، أو كبعض الدراسات والمقالات التي لا ترى أبعد من أرنبة أنفها وأنف كتابها وباحثيها، بل كانت وما زالت إصدارات الشقاقي متميزة ومتفردة تميز وتفرد الرجل ذاته.
أقوال الشقاقي وكلماته حية وماثلة وصادقة ومعبرة إلى اليوم وإلى اللحظة، وعند كل لحظة وفي كل زاوية ومع كل موقف وأمام كل سؤال يواجهنا نقول قال الشقاقي، وكان من ضمن ما قال: "عندما بدأنا هذا الطريق كنا نعرف أن تكاليفه صعبة جدا، لكن هذا هو واجبنا وخيارنا المقدس"، وقال: "جوهر الصراع في المنطقة هو الصراع بين المشروع الاستعماري والمشروع الإسلام"، وقال: "فلسطين هي مقتل المشروع الاستعماري، لأن إسرائيل هي قلب هذا المشروع"، وقال: "إن هذا الوطن الصغير العزيز المقدس فلسطين لا يمكن بأي حال من الأحوال أن يتسع لأكثر من شعب واحد هو شعب فلسطين"، وقال: "دم الشهداء هو الذي ينجب المزيد من المقاتلين ويصعد المواجهة ضد الاحتلال"، وختاما هو أيضا من قال: "نود أن نؤكد أن خلافنا الأيديولوجي والسياسي مع أي طرف أو جزء من أجزاء شعبنا الفلسطيني لا يمكن حسمه إلا بالحوار الفكري والسياسي، بعيدا عن العنف، فالعنف فقط ضد العدو الصهيوني".
إن نظرة سريعة وفاحصة لهذه الأقوال، توحي بعدة أشياء وأبعاد كان الشقاقي مدركا لها ويعيها ويحفظها، بل لأقوال الشقاقي وكلماته سحر يمنع تناولها والتعقيب عليها لماذا؟، لأن التجربة أفادت بعدة مؤشرات ومعطيات لهذه الأقوال وتلك الكلمات ومفادها أنها تصلح لكل زمان ومكان، ولأن كل واحد منا يقرأها ويفهمها ويستنبط المقصد منها من زاويته الشخصية وإدراكه الخاص به.
لو أجرينا تجربة خاصة تتمثل في أن يقرأ كل منا مقولة واحدة من مقولات الشقاقي، ثم يكتب ما فهمه وما استخلصه واستنبطه من هذه المقولة، سنجد عندنا مجموعة ملخصات وإدراكات مختلفة عن بعضها البعض تماما، مع العلم أنها كلها ستكون صحيحة وصادقة وموضوعية.
هذه سمة تميزت واستفردت بها كلمات الدكتور فتحي الشقاقي. تجربة أخرى، ولكن هذه المرة سيجربها شخصا واحد فقط، ومفادها لو قرأت إحدى مقولات الشقاقي اليوم وفي ظروف بيئية داخلية وإقليمية ودولية معينة ستفهم وتدرك معنى مختلفا تماما عن قراءة المقولة ذاتها في وقت لاحق أو ربما كان في وقت سابق، فتجد أن فترة صلاحية الإنتاج الفكري والثقافي للدكتور الشقاقي لا تنتهي بانتهاء الحادثة أو المناسبة أو الموضع الذي قيلت فيه، بدليل أن بعض أقواله مضى عليها ما يزيد عن ربع قرن لكن لو قرأتها اليوم ستشعر أن الشقاقي قد يكون قالها في صباح هذا اليوم بعدما استمع لنشرة الأخبار المحلية أو الدولية.
من المؤشرات الأكاديمية التي نجيب فيها عن سؤالنا: هل يمكن الاستفادة من الرصيد الأكاديمي للدكتور فتحي الشقاقي؟ كتاب المشروع الإسلامي المعاصر ومركزية القضية الفلسطينية، وفيه كتب الشقاقي يقول: "قلما نجد بل أننا على وجه التحديد لا نجد في المكتبة الإسلامية دراسة تاريخية جادة وشاملة لفلسطين من منظور إسلامي، وكل ما بين أيدينا الآن لا يتعدى مجال الوعظ والخطب المنبرية حول حقنا بفلسطين".
والسؤال: أليست هذه دعوة مباشرة للالتفات والالتفاف حول البحث العلمي الأكاديمي الإسلامي والحضاري الجاد حول فلسطين، صحيح أن القضية الفلسطينية قد حظيت مؤخرا باهتمام الباحثين والأكاديميين والجامعيين ولكن هذا لا يكفي، والواقع أن عددا كبيرا من الإصدارات بهذا الشأن والخصوص سواء كما أو نوعا لم ترتق لطبيعة الإحداثيات والتطورات التي شهدتها وتشهدها وتحياها القضية الفلسطينية، وفي هذه الجزئية إجابة لسؤالنا كيف نكرر تجربة الشقاقي وكيف نستفيد منها فكرا وممارسة؟
في ما يلي إجابة أخرى لذات السؤال من ذات الكتاب الذي كتبه الشقاقي وأشرنا إليه، فكتاب المشروع الإسلامي لا يزيد عدد صفحاته عن 74 من الحجم الصغير، ولكن عدد المراجع والمصادر التي اعتمدها الدكتور فتحي الشقاقي لكتابه وصلت إلى 31 مرجعا وكتابا ومصدرا، بل أهم ملاحظة أن هذه الكتب والمراجع هي من أمهات الكتب ولكتاب ومفكرين وعلماء مشهود لهم بغزارة العلم والمعرفة، وليست تلك الملاحظة فقط، فالدكتور الشقاقي لم ينقل عنهم حرفيا بطريقة مباشرة ولا غير مباشرة كما يفعل الكثيرون اليوم من منهج القص واللصق، ولكن الدكتور قرأ هذه المراجع والمصادر واستخلص محتواها وفحواها.
وبرغم أنها ليست ذات علاقة مباشرة بموضوع الكتاب فإنه استطاع أن يوظفها ويخلص من خلالها لفكرة مركزية القضية الفلسطينية للحركة الإسلامية، فكان جهدا طيبا ومباركا ومثمرا، وفي هذا دعوة للباحثين والكتاب والطلاب باستحضار تجربة الشقاقي في منهجية البحث العلمي والأكاديمي ليرتقي للمستوي المطلوب والمنشود، بدلا من الأبحاث والدراسات ومشاريع التخرج التي لا تعدو كونها نقلا ونسخا عن دراسات وأبحاث سابقة حتى أفرغت من محتواها وفقدت جدواها ولم تتعد كونها متطلبا فقط للحصول على درجة علمية.
كلما تعمقت أكثر في الشقاقي عجزت وترددت عن الكتابة عن الرجل أكثر، ولكن هذا جزء من موروث الرجل وتراثه، فكان رحمه الله طبيبا مداويا وقائدا مجاهدا، ةكان نهجا ومنهجا معلما ومعلما، ةكان مفكرا وعالما تحمل الأعباء وواجه الصعاب ليترك لنا إرثا نعجز أن نقرأه أو نفهمه أو نضعه موضوع تنفيذ، فكيف بمن كتب وأودع هذا التراث الفكري والعلمي، كيف بمن حمل هموم الأمة ودافع عنها، كيف بمن وضعنا على أول الطريق واضعا لنا الخط والخطة السيرة والمسيرة أن نكتب عنه أو نفيه حقه في بعض ورقات وعبر مجموعة كلمات؟ هي محاولة قصدنا منها إيفاء الرجل نقطة من بحر وفائه وعطائه، وهذا ينقلنا إلى الجزء المتبقي من البحث الذي به نختتم، وهو المتعلق بالنتائج والتوصيات.
النتائج والتوصيات:
نخلص إلى القول إن من أراد أن ينشئ جيلا ومن يريد أن يصنع ثورة ويكون صاحب نهج ومنهج فلينظر بروية وتمعن وليكلف نفسه عناء التدقيق في السطور وفي ما بين السطور التي كتبها وخطها الدكتور فتحي الشقاقي بدمائه ودفع ثمنها حياته، الذي كان بحق معلما لجيل حمل راية الجهاد والاستشهاد، وكان طبيبا لجراح الأمة ومداويا لآلامها، وقبطانا لاهتماماتها وانشغالاتها يقود سفينة النجاة باتجاه شاطئ الخلاص من التبعية والظلامية والاحتلال.
إن تدريس فكر الشقاقي في المدارس والجامعات والحلقات والجلسات، وإجراء البحوث والدراسات، من أجل فهم ومعرفة فكر الرجل وتصوراته وطرحه وأدواته هو أقل القليل الذي يمكننا القيام به، لا من أجل الرجل ولكن من أجلنا، لأننا الآن في أشد الحاجة لمعايشة فكر الشهيد المعلم والتعلم منه ومن مسيرته وسيرته، لنكون كما كان مفكرين وأكاديميين وعقلانيين وموضوعيين وقابلين بالآخر الوطني والعربي والإسلامي وإن اختلفنا معه.
الدكتور فتحي الشقاقي كان يأمل في إنشاء مركز ثقافي يليق بهذا الشعب وهذه الأمة الفدائية المجاهدة المقبلة على الموت والجوع من أجل العلم والتعلم والثقافة والتحصيل، لكنه والحمد لله وحبا من الله استشهد قبل ذلك، فهل منا من يفكر ويقرر أن يكمل مشوار الرجل في هذا الجانب فقط، ويستكمل حلمه في إنشاء وبناء مركز ثقافي يكون متوفرا لهذا الشعب الذي أنجب الشقاقي وشاهدا على تاريخ وفكر ودور الشقاقي.
لماذا مكتبة الشقاقي وكتبه لا تحول لمعلم ومتحف ومزارا نصطحب أبناءنا وبناتنا وشبابنا إليها، لنقول لهم هكذا كان الشقاقي وهذا هو الشقاقي وهذه مكتبته التي كان يجدها هنا بين هذه الكتب التي كان يمضي بينها الساعات الطوال؟
لماذا نذهب إلى الجامعات اليوم فلا نصطدم بأي طالب يحمل في يده حقيبة أو كتابا أو كراسا، لماذا المكتبات الجامعية وليست العمومية، خاوية من الطلاب والطالبات والباحثين والباحثات، لماذا لا تستفرد جامعاتنا أو طلابنا ببحث متميز، هل هذا هو الجيل الذي كان ينشده الشقاقي ويتمناه؟ هل بهذا المنهج نحفظ للشقاقي وصيته وتراثه ونرد إليه جزء من فضله؟
لماذا لا نتذكر الشقاقي إلا في الأزمات أو المناسبات، ولماذا لا توضع شواهد ومعالم تذكر الأجيال بالشقاقي، وتتحدث وتقول من هو الشقاقي ماذا قال وماذا فعل، لماذا رغم كل ما قدمه الشقاقي وفعله؟ استكثرنا عليه اسم مكان أو مؤسسة أو شارع أو حتى جامع، لماذا نستورد الأسماء من هنا وهناك ونسمي معالمنا وأماكننا بها.
أخيرا كم حالة وكم نموذج يمتلك الشعب الفلسطيني على غرار نموذج ومدرسة الدكتور فتحي الشقاقي، فإن كانوا كثرا فأين هم، وإن كانوا قلة لماذا لا نحفظهم ونستحضرهم، لماذا نصر على تعميم الجهل ونصر على الانحصار الفكري، ونتقوقع خلف حزب ما أو جماعة ما أو فكرة ما ولا نرى ما دونها، حتى بتنا في ما نحن فيه اليوم؟
والمرابط إلى يوم الدين.