قيام حزب الله بتفجير عبوات استهدفت جنود الاحتلال في منطقة جبل الشيخ، أول أمس الثلاثاء، وتبنيه العملية عبر إعلان رسمي؛ أثار في إسرائيل الكثير من مشاعر القلق والمخاوف من زيادة حدة التوتر على الجبهة الشمالية وتزايد مخاطر اندلاع الحرب، حيث ركز الاعلام الإسرائيلي وأسهب في تناول أبعاد العملية بالرصد والتحليل، وعلق عليها نتنياهو مهدداً ما أسماهم "أعداء إسرائيل".
"نهاية الردع" مفهوم حظي بإجماع المراقبين الإسرائيليين، واعتبر الرسالة الأهم لعملية تفجير العبوات بالجنود الإسرائيليين، حيث اعتبر كل من بن يشاي واليكس فيشمان وعاموس هرئيل (محللين عسكريين) ان التفجير يعني نهاية الردع النسبي الذي ساد منذ حرب لبنان الثانية 2006، وثمة إجماع آخر في قراءة العملية، انها عملية تكتيكية محدودة ومضبوطة الحجم والأهداف، حملت رسائل للداخل اللبناني ولإسرائيل، لكن الأهم ان أي من الأطراف (إسرائيل وحزب الله) لا يريد الانزلاق نحو التصعيد.
ولتعزيز سياق رغبة حزب الله بالمحافظة على الهدوء، اعتبر البعض ان العملية كانت في إطار رد الفعل على حادثة إطلاق النار من قبل جنود الاحتلال على جنود من الجيش اللبناني وإصابة عدد منهم بالقرب من الحدود المتاخمة لمنطقة جبل الشيخ.
فيشمان بدوره يقدر ان الانفجار الذي وقع، أول أمس، كان أحد الفصول النهائية لقضية أمنية استمرت لأسابيع طويلة وهددت بتقويض الهدوء النسبي، ويضيف "تدور حرب سرية بوتيرة منخفضة، لكن أي من الأطراف ليس لديه مصلحة في إشعال المنطقة الحدودية".
بدوره؛ نصح عاموس هرئيل القيادة العسكرية ان تأخذ تهديدات حزب الله على محمل الجد، معتبراً ان الصراع يدور حول ميزان الردع.
الردع المزدوج
يميل الاسرائيليون دوماً للإكثار من مفهوم الردع، يستسهلون استخدامه ويترجمونه بأشكال وطرق مختلفة على كافة الجبهات، وقد بات يعتبر ركناً مؤسساً في نظرياتهم الأمنية وفي رؤيتهم للصراع (ردع حماس، ردع إيران، ردع سوريا، ردع حزب الله، ردع السلطة)، يستخدمه الاعلام أحياناً بشكل ترويجي ودعائي مدعوم من المستويات القيادية السياسية والأمنية، بهدف الترويج لانتصاراتها وانجازاتها الأمنية في ظل غياب الانجازات المادية، مع الادراك المسبق لصعوبة قياسه بأدوات القياس المباشرة، وهو يعتبر هنا أحد تعبيرات ثقافة القوة والتعالي، ثقافة العنف والعصا الغليظة التي تعززت أكثر في ظل زيادة التطرف واستبعاد الخيارات والوسائل السياسية السلمية.
ويستخدم "مفهوم الردع" أحياناً أخرى كوسيلة لقياس احتمالات نشوب المواجهة، فكلما كان الردع قوياً (بمعنى ان المردوع لا زال مردوعاً عن المقاومة) كلما كانت احتمالات نشوب الحرب مستبعدة، والعكس صحيح، وذلك حسب المفهوم الاسرائيلي للردع باعتباره مقياساً.
إننا لا نتنكر مبدئياً لوجود عنصر الردع باعتباره أحد متغيرات اتجاهات المقاومة ومستوياتها، رغم اننا نفضل ان نتناوله عبر مفهوم الثمن، أي الاستعداد للتضحية، والاستعداد لدفع الثمن وتقدير جدوى الثمن يوظف هنا للمزيد من الاستعداد والاعداد ولرفع القدرات على الاستثمار، وهو أشبه باستخدام مبدأ النجاعة على مستوى المقاومة (أقل التضحيات وأكبر الانجازات)، وهو هنا يختلف جوهرياً عن مفهوم الردع في أبعاده المعنوية، فالمقاومة لا تردع، ولكنها تتحسب تكتيكياً للأثمان المادية والسياسية، ولا يؤثر ذلك في استراتيجياتها.
في إسرائيل يغفلون عمداً ان مفهوم الردع بات مزدوجاً بعد ان اشتد ساعد المقاومة، وباتت صاحبة قدرات عالية تستطيع بها ان تلحق الكثير من الخسائر بجنود الاحتلال وان تؤذي جبهته الداخلية بشكل مؤلم جداً، فلم يعد منذ وقت طويل قرار العدوان يرتبط فقط بمفهوم المصالح الأمنية أو السياسية الإسرائيلية، بل بقدرتها على دفع الثمن، والثمن هو الذي يردعها عن القيام بمغامرات عسكرية كانت تستسهل القيام بها فيما سبق، والثمن أيضاً كان الدافع الوحيد للهروب من لبنان سنة 2000 ومن غزة 2005.
وبعد حرب التموزين 2006 و2014 بات معيار الثمن يعتبر العامل الرئيسي الأول في قرار العدوان، أي ان اسرائيل أيضاً تعيش تحت تأثير مفهوم الردع.
صحيح ان حزب الله التزم على جبهته مع إسرائيل منذ 2006 بهدوء نوعي كبير، لكنه أيضاً حرص ان يخرق الهدوء في مرات عديدة، سواء في سياق رده على الخروقات الاسرائيلية أو في سياق تبادل الرسائل التي تقول انه جاهز للحرب إذا قررت اسرائيل ذلك، لكنها أيضاً رسائل تحمل مضموناً آخر تفيد انه رغم جاهزيته واستعداده إلا أنه لا زال متمسكاً باستمرار الهدوء، ويمكن قراءة ذلك عبر محدودية القدرة التفجيرية التي يستخدمها، رغبة منه في عدم إيقاع قتلى في صفوف جنود العدو، وقد لاحظنا ذلك في أكثر من عملية، كما ان توقيت عملياته يأتي في أوقات تفسر كرد فعل، ويحرص على ان تنفذ عملياته في مناطق لا تعتبر ضمن السيادة الاسرائيلية المعترف بها دولياً.
لذلك نعتقد ان حزب الله سيواصل مثل هذه العمليات التكتيكية الموضعية المحدودة بوتائر متباعدة، مع الحرص لعدم التصعيد واحتواء ردود الفعل الإسرائيلية، تكتيك يخدم الحزب على مستوى تبادل التهديدات ورسائل الردع والتهدئة في آن مع إسرائيل، وأيضاً على مستوى تعزيز علاقته بجمهور المقاومة وفكرها ونهجها، في ظل استعار الحروب الطائفية التي يكتوى بنارها الحزب وأنصاره وأثرت سلباً على صورته.
