الجدار وراء منصة الخطباء في قاعة جمعية الامم المتحدة في نيويورك أخضر، وهو لون شاذ في قاعات من هذا النوع. وينبغي ألا نخرج من نطاق المكان أنه اخضر من الحياء لأن مقدار الاكاذيب التي قيلت أمام هذا الجدار على ألسن رؤساء الدول، كل واحد بلغته واسلوبه، يفوق كل وقاحة وكل خيال. فقد كتب الخطباء وكذب اعضاء الوفود في القاعة الذين كرموا كل اكذوبة بالتصفيق.
ولم تشذ خطبة رئيس السلطة الفلسطينية أبو مازن عن القاعدة، وقد اتهم "اسرائيل" بجملة كلامه بالقيام بحرب مذبحة شعب وابادة شعب في غزة، وهو يعلم بأن ذلك كذب ومع ذلك قاله مؤملا أن يلصق الكذب. فمذبحة الشعب مصطلح لا يجوز النطق به باستخفاف. وهو في الصعيد الدبلوماسي القانوني يشبه اعلان حرب.
إن ليبرمان على حق بمعنى ما ان أبو مازن ليس شريكا، لم يعد شريكا منذ شباط الماضي حينما بين لفريق السلام الامريكي أنه يئس من احتمال التوصل الى اتفاق بالتفاوض، وقد بقي عنده امكانان الاول التمكين من تجديد الارهاب، وقد رفضه رفضا باتا؛ والثاني بدء هجوم دبلوماسي على "اسرائيل" عن طريق مؤسسات الامم المتحدة بما يسوء الامريكيين، وهذا هو ما يفعله الآن.
إن ما يقوم به عباس له ثلاثة أهداف، الاول محاولة أن يفرض على حكومة "اسرائيل" تسوية لا تريدها بعقوبات دولية؛ والثاني مع فرض ألا ينجح الاول أن يعاقب "اسرائيل" على الأقل باضعافها في الساحة الدولية؛ والثالث أن يبرهن للشارع الفلسطيني على أنه ليست حماس وحدها التي تناضل ضد "اسرائيل" فهو ايضا يناضل ضدها بحسب طريقته. وقد قويت هذه الحاجة بسبب قدرة حماس على القتال التي أظهرتها طوال مدة العملية في غزة.
وهو ينوي أن يطلب من مجلس الامن أن يحدد موعدا ملزما لاحراز الاتفاق وليحدد نتيجته مسبقا وهي دولة فلسطينية في حدود 1967 عاصمتها القدس، واذا أعلنت الولايات المتحدة أنها تنقض ذلك فسيعود مع الاقتراح نفسه الى الجمعية العمومية، ولن يكون ملزما لكنه سيكون دفعة لدعوات مقاطعة "اسرائيل" في غرب اوروبا. وستكون المرحلة التالية هي محكمة الجنايات الدولية في لاهاي. وقد التزم أبو مازن في وقت مضى ألا يتجه الى هناك، لكن سيصعب عليه أن يقف بعد أن بدأ حملته.
وهذا ما يحدث لمن يتهم غيره بمذبحة شعب.
أبو مازن رجل خلوق من الناحية الشخصية لكنه خصم لدود لسياسة حكومة "اسرائيل" الحالية ولسياسة أكثر حكومات "اسرائيل" منذ 1967 في الحقيقة. وهم في الضفة وغزة غاضبون عليه لكنه يعتبر بطلا في العالم. وينسب اليه فضل الهدوء في الضفة في فترة عملية عودوا أيها الاخوة والجرف الصامد، فقد كان ذلك جهده وسيحصل على عوض منه.
إن خشية الغرب "للارهاب الاسلامي" الجديد وجماعات كداعش أو جبهة النصرة وغيرهما ليست من مصلحة "اسرائيل" بالضرورة لأنه في الوقت الذي أخذ ينشأ فيه حلف غربي عربي على الأعداء الجدد تقوى الحاجة الى معادلة الصورة بمساعدة قضية عربية عامة واسلامية عامة، وأين تكون المعادلة؟ في الجبهة "الاسرائيلية" الفلسطينية، فقد سجل نشاط مشابه قبيل الغزو الامريكي للعراق في 2003.
رد مكتب رئيس الوزراء على خطبة أبو مازن بالتنديد، وقال إن أبو مازن يُشهر ويحرض. وكان الفرض أن الحديث عن حرب دعاية بأن يقول أبو مازن إننا مُبيدو شعب وعنصريون ونمارس الفصل العنصري، ونقول نحن فيه إنه مُشهر ومحرض وينتهي الامر بذلك. وأخشى أن يكونوا مخطئين فليسوا هم فقط، فالتغيير الذي يحدث أمام أعيننا أعظم.
إن ما يسمى مسيرة "السلام" أو مسيرة "اوسلو" أو التفاوض السياسي أُسقط من برنامج العمل، فالفرق بين الطرفين كبير جدا؛ والقوى الداخلية التي تعارض تنازلات قوية جدا؛ وقد بقي ميدان حرب بين حكومة "اسرائيلية" تتمسك بالوضع الراهن الى الأبد وسلطة فلسطينية تحاربه بدعم يزداد قوة من العالم. وهذا باعث على انفجار.
حينما يتحدث نتنياهو في الامم المتحدة عن حل الدولتين لن يصدقه أحد سوى اعضاء وفد "اسرائيل"، وأشك في أن يصدقوا هم ايضا. إن نتنياهو محتاج الى أبو مازن. وقد سقطت ورقة التين فلم يعد يوجد ما يستر الخدعة.
المصدر: صحيفة "يديعوت احرونوت"