/الصراع/ عرض الخبر

فرصة جديدة للضغط... كتب: عميرة هس

2014/09/29 الساعة 12:09 م

من الكلمات والصياغات التي اختارها محمود عباس (أو اختارها كتاب خطابه) للخطاب الذي ألقاه (يوم الجمعة الماضي) في الأمم المتحدة واضح أنه تخلى عن "الإسرائيليين" كجمهور مستمعين.
احتلال استعماري، عنصرية، حرب إبادة نفذتها "إسرائيل"، مجازر، "إسرائيل" دولة فوق القانون وما شابه. الخطاب طفح بكلمات من هذه العائلة، يصعب أن تختار من داخلها الفحوى الأساسية للرسالة التي من أجلها وصل أبو مازن إلى الجمعية العمومية والموجهة أساسا لدول الغرب: انسوا العودة إلى التفاوض مع "إسرائيل" كما جرت حتى اليوم. نلتقي، نتحدث، و"إسرائيل" تبني المستوطنات ولا تفي بالتزامات بسيطة مثل الإفراج عن المعتقلين. العنوان السياسي الرئيسي في خطاب عباس:
الفلسطينيون لن يعودوا للمفاوضات بصورتها السابقة، من دون هدف محدد (دولة بحدود 1967 إلى جانب "إسرائيل") ومن دون جدول زمني ملزم.
وثمة محاولة في الكلمات والتصريحات المختارة لتصحيح الانطباع السيئ الذي تركته خطاباته الأخيرة لدى أبناء شعبه. هذه المرة تحدث للفلسطينيين، بلغة تعبر في رأيهم، عن الواقع الذي يعيشونه. كما تغلغلت في الخطاب رسائل وشعارات كانت تطلق في السنوات الأخيرة في التظاهرات ضد استئناف المفاوضات مع "إسرائيل"، أو تطلقها منظمات فلسطينية غير حكومية في المؤتمرات الدولية. مثل "لن نقبل أن نكون دوما مَن عليهم إثبات حسن نواياهم بالتنازل عن حقوقهم، والصمت حينما يُقتلون وتُسلب أراضيهم، وتفهم شروط الطرف الآخر والأهمية التي يوليها لحماية سلامة حكومة الائتلاف".
ولكن لا ينبغي الخطأ: هذا ليس فقط اختيارا تكتيكيا بصياغات غير معهودة على لسان أبو مازن لتحسين صورته المتردية في نظر شعبه. أبو مازن ضجر فعلا من المفاوضات مع "إسرائيل" التي أظهرته والسلطة الفلسطينية وإيمانه بحل الدولتين بشكل سخيف على مدى سنوات.
ما هي المسافة بين أبو مازن الذي يتحدث هنا عن الإنجازات الكمية والنوعية لحركة المقاطعة الشعبية الدولية ضد "سياسة الاحتلال والأبرتهايد الإسرائيلية"، وبين من قال ذات مرة إنه يعارض مقاطعة "إسرائيل" (عدا مقاطعة منتجات المستوطنات) وبين من وصف "إسرائيل" مرارا بـ"الجارة". هناك فجوة هائلة بين خطاب قال فيه أمس: "لن ننسى ولن نغفر ولن نسمح لمجرمي الحرب بالإفلات من العقاب" وبين من أحبط في العام 2010 نقل تقرير "غولدستون" الذي حقق في شبهات بجرائم حرب ارتكبتها "إسرائيل" والفلسطينيون في حرب "الرصاص المسكوب" إلى مجلس الأمن الدولي. ومن سمعه يقول في ديوانه لمجموعة شبان "إسرائيليين" بأن "التنسيق الأمني مقدس" سيتعذر عليه تصديق أن هذا هو الشخص نفسه الذي قال إن "الدمار في غزة الناجم عن الاعتداءات الأخيرة لا مثيل له في العصر الحديث". فأجهزة الأمن المسؤولة عن الدمار نفسه هي الأجهزة التي تقيم معها أجهزة السلطة تنسيقا دائما "مقدسا".
وفي الخطاب أيضا توبيخ واضح لحماس، ولو أنه مكتوب تلميحا "بالحبر السري": عباس يكثر الحديث عن الدمار والمعاناة التي لا تطاق في غزة، لكنه يلمح للتنظيم الخصم بأنه لم تكن هناك حاجة لكل هذا الدمار وهذه المعاناة لإثبات وجود الاحتلال. وهو يتحدث عن حق الفلسطينيين في النضال لكنه يقرر حدودا لهذا النضال: إنساني، قيم، أخلاق، قانون دولي.
في الأسابيع الأخيرة سرت شائعات أن أبو مازن ينوي الإعلان في خطابه أنه إذا لم يقبل مجلس الأمن اقتراحه بتحديد جدول زمني من ثلاث سنوات لإنهاء الاحتلال، فسوف يعلن عن حل السلطة الفلسطينية. ولم يقل ذلك فقط موقع حماس الإخباري (الرسالة نت)، وإنما ظن مسؤولون كبار في السلطة الفلسطينية أن هذا ما ينوي أبو مازن قوله. مصدر كبير في حركة فتح قال مع ذلك إنه من غير الجائز أن يتحدث أبو مازن بنفس واحد عن مؤتمر عالمي لإعادة إعمار غزة وهو يهدد بحل السلطة، بينما هي المقاول الرئيس المعد لتنفيذ إعادة الإعمار.
وهذا بالضبط ما كان ناقصا في الخطاب: رسالة واضحة بشأن ما سيفعله الفلسطينيون إذا لم يتم قبول مطلب عباس بجدول زمني لإنهاء الاحتلال وإطار جديد للمفاوضات. المصدر الرفيع المستوى في فتح قال لـ"هآرتس" إن هذه ليست طريقة أبو مازن في إعلان كل شيء في رسالة واضحة. إنه يعمل بطريقة خلق تواصل من الحلقات. هذه المرة أعلن عن سقف الثلاث سنوات، وأرسل صائب عريقات ورئيس المخابرات ماجد فرج إلى الولايات المتحدة في رحلة جس نبض لدى الإدارة الأميركية.
عندما كان واضحا أنه ليس في نية باراك أوباما تأييد تحديد تاريخ مستهدف لإنهاء النزاع، أعلن عباس رغم ذلك في خطابه أنه يتمسك بمطالبه وسيواصل السير في هذا المسار. وعندما تفشل عملية التصويت في مجلس الأمن الدولي، سوف يعود إلى الجمعية العمومية للأمم المتحدة، وبعد ذلك هناك النية للتوقيع على المعاهدات الدولية (بما في ذلك معاهدة روما)، تمهيدا لتجسيد معاهدة جنيف في الضفة والقطاع، وطلب نشر قوة دولية. بين كل حلقة من إعلان وحلقة من العمل في إطار الأمم المتحدة هناك فترة هدنة. أثناء خلق هذه الهدنات سيواصل عباس منح الدول الغربية الفرصة لبذل الجهد من أجل ممارسة الضغط على "إسرائيل".

 

المصدر: صحيفة هآرتس


 

رابط مختصرhttps://alqudsnews.net/p/64778

اقرأ أيضا