قائمة الموقع

غزة على المفترق: الاتفاق أو حرب الاستنزاف.. كتب: أ. عریب الرنتاوي

2014-08-11T08:45:54+03:00

على وقع ”حرب الاستنزاف“ الدائرة بین المقاومة و"إسرائیل"، تدور مفاوضات شاقة ومعقدة في القاھرة بین الجانبین الفلسطیني و"الإسرائیلي" ... "إسرائیل"، كعادتها، تلجأ للتسویف والمماطلة، ولا ترید أن تتقدم بـ ”قول فصل“ في أي من الموضوعات الأساسیة المدرجة على مائدة المفاوضات ... في المقابل، یسعى الوفد الفلسطیني الموحد، في حشد التأیید لـ ”ورقة المطالب والحقوق“ التي أجمع الشعب الفلسطیني عليها.
التكتیك التفاوضي "الإسرائیلي" یراھن على عنصري قوة اثنین: الأول؛ ضجر الوسیط المصري واضطراره عاجلاً أم آجلاً لممارسة ضغوط على الوفد الفلسطیني المفاوض، متسلحاً بمواقف دول عربیة معروفة، تساند مصر، وتدعم نظامها وتؤید مبادرتها... والثاني؛ تسرب الیأس إلى نفوس المفاوضین الفلسطینیین، وتسلل الخلاف والشقاق في أوساطهم، على وقع الضغوط الإنسانیة الهائلة التي خلفتها آلة الحرب والدمار في كل بیت وشارع وحارة في قطاع غزة، وبتأثیر من المحاور والمعسكرات المتصارعة في الإقلیم.
في المقابل، یعتمد التكتیك التفاوضي (الفلسطيني) على عناصر القوة التالیة: الأول؛ موقف شعبي متماسك برغم الجراح النازفة والخسائر الجسیمة في الأرواح والممتلكات،
أسقط الرھان "الإسرائیلي" على ”انتفاضة غزیة ضد المقاومة“... الثاني؛ اتساع حملات التضامن مع الشعب الفلسطیني في العالم العربي والعواصم الدولیة وانكشاف صورة "إسرائیل" العدوانیة المجرمة... والثالث؛ ضجر المجتمع "الإسرائیلي" من حالة الاستنفار التي تحول دون ”تطبیع“ الحیاة الیومیة، لا في مطار بن غوریون ولا في غلاف المستوطنات المحیط بغزة والفارغ من سكانه.
مأزق التفاوض الجاري في القاھرة، یكمن في اتساع الفجوة بین مطالب المتفاوضین وتوقعاتهما... إن لم یخرج نتنیاھو بصفقة یستطیع تسویقها وتسویغها، سیكون مستقبله السیاسي، ومستقبل حزبه وائتلافه وحكومته، في مهب الریح... وإن لم ینجح المفاوض الفلسطیني في الارتقاء بأدائه إلى مستوى أداء المقاوم الفلسطیني، سیخرج من الحلبة السیاسیة مطارداً بلعنات المقاتلین وأسر الشهداء والجرحى، والأمهات الثكالى، سیخرج من مسرح السیاسة والمقاومة على حد سواء.
وفي الوقت الذي یسعى فيه ”الوسیط“ المصري، إلى بلورة تهدئة إنسانیة جدیدة، ولـ 72 ساعة إضافیة، تساعده في انتزاع فسحة من الوقت، لتجسیر المواقف والخروج بتسویة من نوع ما ... فإن واقع التطورات على أرض القطاع، لا تستبعد سیناریو حرب استنزاف طویلة الأمد نسبیاً... وما شهدناه بعد انتهاء التهدئة الإنسانیة الأولى یعطي مؤشراً على طبیعة ومستوى وسویة المواجهات القادمة.
"إسرائیل" متخوفة من حرب استنزاف جدیدة، ھي دائماً لا ترغب بحروب استنزاف بعد أن اعتادت كسب الحروب الخاطفة والسریعة وغیر المكلفة... بید أن تل أبیب، وكجزء من الحرب النفسیة على المقاومة والشعب الفلسطینیین، تؤكد استعدادھا للمضي بهذا الخیار حتى استنفار سلاح المقاومة وفراغ مستودعاتها، لكن السؤال الأھم الذي لم تجب عليه الاستخبارات "الإسرائیلیة" ھو: ھل یمكن لهذه المستودعات أن تنضب، متى وبأیة كلفة، لا سیما في ضوء تواتر كثیر من المعلومات، التي تؤكد أن جزءاً من سلاح المقاومة، یصنّع في غزة، ولا یستورد (يهرب) من خارحها.
على أیة حال، حرب الاستنزاف لیست سهلة على الفلسطینیین الخارجین من تحت الأنقاض والركام، أنقاض المنازل المهدمة على رؤوس ساكنيها، وأنقاض المساجد والمستشفیات والمدارس والجامعات والدوائر... لكن الفلسطینیین ھم الأقدر على خوض غمار حرب الاستنزاف، بعد أن فقدوا كل شيء یخشون عليه، وباتت ظهورهم إلى جدار، البحر من أمامهم، والحصار المحكم من ورائهم.
مرة أخرى، سندخل في لعبة ”عض الأصابع“ الدامیة من جدید، لنرى من ھم الأقدر على الاستمرار والصمود... لكن المجتمع الدولي أخذ یفقد صبره حیال الغطرسة والعدوانیة "الإسرائیلیتین"، فما عاد ممكنا ولا مقبولاً، استمرار العدوان والتقتیل الیومي، كما أن الحصار على غزة، بات عبئاً ثقیلاً على البشریة، تتطلع لإزاحته عن كاھلها، حتى وإن لم ترغب "إسرائیل" بذلك.
قد نشهد دخول جبهات القتال في غزة، مرحلة جدیدة، قصیرة على أیة حال، من التهدئة الإنسانیة... وخلال أیام ثلاثة فقط، ستتضح الصورة، وسنعرف ما إذا كانت غزة على وشك إنجاز اتفاق شامل، یتناول مختلف عناوین الورقة الفلسطینیة، أم أنها ستخوض غمار حرب استنزاف أقل حدة، من حیث شدة المواحهات والمعارك، بید أنها طویلة الأمد نسبیاً.

 


المصدر: صحيفة الدستور الاردنية

 

اخبار ذات صلة