ذاق "الاسرائيليون" طعم الهزيمة، قبل ان يتوقف العدوان، وقبل أن تخرج الى العلن احصاءات الخسائر التي شملت القطاعات والمؤسسات كافة، العسكرية والمدنية، المادية والمعنوية. فكل شيء في الكيان لحقته الهزيمة، أمام المقاومة التي لم تتراجع في الميدان، وامام الشعب الفلسطيني الذي لم يرفع الرايات البيضاء. لذلك قال محللون إن الكآبة تخيم على كل المدن والمستوطنات، وتترك آثارها العميقة على قادة العدو، وعلى ملايين الصهاينة الذين دخلوا الملاجيء لاطول فترة في تاريخ الصراع العربي الصهيوني...
ومنذ لاح فشل سلاح الجو الصهيوني في تدمير الترسانة الصاروخية، وضرب منصاتها، وظهر عجزه عن استهداف قادة المقاومة، بدأت ملامح الهزيمة تتجمع وتعبر عن نفسها في تخبط القيادة السياسية وصراعاتها التي خرجت الى العلن، وفي تصريحات القادة العسكريين والامنيين الذين فاجأتهم المقاومة بمستوى التطور الكمي والنوعي في صفوفها، دعوا رئيس الحكومة للمسارعة في تحديد وجهة الحرب إنسحابا او توغلاً.
توالى نتائج استطلاعات الرأي الإسرائيلية التي تشير إلى أن نسبة أكبر من المستطلعين يرون أن المقاومة الفلسطينية حققت نتائج طيبة أو نجاحا كبيرا في الحرب، مقابل من يعتقد بأن إسرائيل قد انتصرت في عدوانها على غزة.
وتواصل أوساط الرأي العام في كيان العدو التعبير عن مشاعر سلبية حيال نتائج العدوان على غزة مقارنة مع كلفتها الباهظة، وهي تتراوح بين شعورهم بطعم مرّ وبتفويت الفرصة وبين الرضا الجزئي.
ويتطابق استطلاع رأي جديد نشره، أمس، مستشار الشؤون الإستراتيجية روني ريمون، مع نتائج استطلاعات سابقة، ويفيد بأن 28 % من "الإسرائيليين" يعتقدون أن (قوى المقاومة الفلسطينية) قد حققت "نتيجة طيبة" أو "نجاحا كبيرا" في الحرب، مقابل 21.4% يعتقدون أن "إسرائيل" هي التي أحرزت نتائج طيبة.
وردا على سؤال حول قراءته لمزاج "الإسرائيليين"، يوضح ريمون أنهم توقعوا غداة الحملة البرية على قطاع غزة" أن تخرس بطاريات الصواريخ وتخضع المقاومة الفلسطينية وتتوسل الهدنة، علاوة على توقع ضرب كوادرها وقياداتها بوضوح".
وكان قد سبقه استطلاع للرأي نشرته صحيفة "هآرتس" أول أمس، أفاد بنتائج مشابهة أبرزها أن
أغلبية ساحقة من "الإسرائيليين" ترفض رسالة "الإنجازات والنجاحات" التي بثها رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع موشيه يعلون وقائد الجيش بيني غانتس في خطاباتهم بعد وقف إطلاق النار. ووفق الاستطلاع يرى 51% أن "إسرائيل" لم تنتصر في الحرب رغم اختلال موازين القوى لصالحها، ويعتقد 56% أن الجيش حقق جزئيا فقط أهداف الحرب.
وعكس استطلاع رأي للقناة العاشرة (ليلة الأربعاء) نتائج مشابهة، بقوله إن 53% من "الإسرائيليين" يشعرون بنوع من الإحباط لأن الحرب انتهت بنتيجة تعادل فقط.
"إسرائيل أقرب للهزيمة"
وقبل أن تنتهي الحرب على غزة، أكد عدد كبير من العسكريين المتقاعدين والمعلقين عدم انتصار "إسرائيل". وأشار بعضهم إلى فشل العدوان بتحقيق أهدافه رغم الدمار الواسع الذي لحق بغزة. ومن أبرز هؤلاء رئيس الاستخبارات العسكرية السابق عاموس يدلين الذي اعتبر أن الحرب انتهت بحالة تعادل إستراتيجي.
هذا وقد استنتج المعلق السياسي للقناة العاشرة رفيف دروكر أن العدوان الأخير أقرب للفشل منه للنجاح، من خلال مقارنته بعدوان عام 2008 الذي فقدت فيه "إسرائيل" عشرة جنود فقط رغم توغل الجيش حتى مركز غزة، مقابل 64 جنديا وإصابة نحو خمسمائة جندي بهذه الحرب، وفيها تقدم الجيش كيلو مترين فقط.
ويوضح دروكر أن المقاومة الفلسطينية أطلقت خلال الرصاص المصبوب 39 صاروخا في اليوم بالمعدل، بينما أطلقت هذه المرة 144 صاروخا يوميا بالأسبوع الأول. وبينما بلغت بالأولى عسقلان وأسدود، فإنها باتت تطال حيفا وما بعدها وشوشت الحياة الاعتيادية في ثلثي "إسرائيل".
أما سياسيا، فيرجح دروكر أن تحرز المقاومة الفلسطينية هدفيها المركزيين وهما فتح المعابر والحصول على رواتب الموظفين، وبالمقابل ستحظى "إسرائيل" بهدوء قابل للانكسار يبقي سكان الجنوب بحالة رعب دائم، وخلال ذلك تضررت العلاقات الإستراتيجية بين "إسرائيل" والولايات المتحدة. ويتابع "وفجأة صارت حكومة الوحدة الفلسطينية مقبولة بعد شيطنتها".
وأكد دروكر أنه من "غير المعقول أن تقبل المقاومة نزع سلاحها، ويمكنها تبديد مكسب "إسرائيل" بتدمير الأنفاق خلال عام، فضلا عن الضرر الفادح لاقتصادنا وصورتنا بالعالم وشل حركة الملاحة الجوية لأيام بشكل غير مسبوق".
"الحرب انتهت بطعم مر"
يرى المراسل العسكري لصحيفة "يديعوت أحرونوت" يوسي يهوشع، أن الحرب انتهت كما كان متوقعا
من قبل بطعم مرّ وشعور بتفويت الفرصة وبنتيجة تعادل إستراتيجي مع (قوى المقاومة). ويشير في
سياق تشخيصه للخلل خلف هذه النتيجة، لاتساع الهوة "بين القيادات الميدانية والقيادات العليا بالجيش والحكومة التي شنت الحرب دون أن تفهم خطر الأنفاق والاستعداد لمواجهتها".
في حين يؤكد المعلق العسكري في "هآرتس" عاموس هارئيل على نجاح المقاومة الفلسطينية بمباغتة عدوها عدة مرات، داعيا لإصلاح الإخفاقات قبل الجولة المقبلة.
ويعدد هارئيل إخفاقات الحرب وأبرزها: الخلل الاستخباراتي، وتشوش خطط الجيش "الإسرائيلي" بسبب الأنفاق، وعدم الاعتماد على جنود الاحتياط، والمساس المفرط بالمدنيين الفلسطينيين. ويضيف "أن إسرائيل كانت قادرة على أن تختار بين احتلال القطاع وإسقاط (حماس)، أو التفاوض مع حكومة الوحدة الفلسطينية، لكنها فضّلت خيارا ثالثا وهو الأسوأ ويتمثل بالانسحاب من غزة دون تسوية
ويكفي اليوم أن نرى حالة التخبط التي يعيشها قادة العدو على اختلاف مستوياتهم ومواقعهم، وصمود وثبات الوفد الفلسطيني على مطالبه في غرف المفاوضات غير المباشرة التي تديرها القاهرة، لندرك حجم الانتصار الذي حققته المقاومة، ولنرى أوجه الهزيمة التي لحقت بقادة العدو الذين عجزوا عن كسر ارادة المقاومة، بقدر ما فشلوا – رغم هول المجازر والدمار – في دفع الشعب الفلسطيني لرفع الرايات البيضاء!.