مبادرة السلام الأميركية بدأت بأمل ما وانتهت الى خيبة أمل عامة؛ فهناك قتل مزعزع لإسرائيليين على أيدي فلسطينيين؛ وقتل ولد فلسطيني، الذي بدوره يشعل موجة غضب عارمة في "المناطق" وداخل الخط الأخضر؛ وشباب عرب إسرائيليون يتلثمون ويخرجون لرشق سيارات جيرانهم اليهود بالحجارة في الشوارع المجاورة؛ وتجنيد واسع في الشرطة لمحاولة كبح العنف – إن توالي صور الأيام الأخيرة يهيئ غير قليل من المصادر للمقارنة بالأسابيع الحرجة الأولى بين أواخر أيلول ومنتصف تشرين الأول سنة 2000 حينما انطلقت الانتفاضة الثانية. فليس من المفاجئ أن تعود اللغة المبتذلة شيئا ما للاستعمال.
هل نشهد الآن بخلاف المخاوف التي ظهر وهمها في 2011 و2013، بداية الانتفاضة الثالثة؟ الجواب السهل هو أن قول ذلك ما زال سابقا لأوانه، فالتاريخ لا يكرر نفسه بدقة.
توجد أشياء كثيرة تغيرت بين 2000 و2014. فقبل 14 سنة لم تكن "حماس" تحكم قطاع غزة، ولم تكن تملك آلاف الصواريخ القادر بعضها على إصابة "غوش دان". ومن جهة أخرى كان ياسر عرفات، الذي كان يحتال بلا صعوبة بين الحديث عن السلام وتشجيع "الإرهاب"، يقود الفلسطينيين في حين يتبرأ وريثه محمود عباس حقاً وصدقاً من "الإرهاب". وأهم فرق هو في ثمن الخسارة. فسنوات الانتفاضة الثانية الخمس، التي اعتيد أن تحدد بين صعود شارون الى "جبل الهيكل" والانفصال عن غزة، جبت ثمنا باهظا ضخما من الشعبين. وبرغم أحداث الأيام الأخيرة، وبرغم عدم وجود حل سياسي، ما زالت ذكرى تلك الأيام منقوشة نقشا عميقا نسبيا. وكان يكفي ذلك في جولات تصعيد سابقة لمنع اشتعال طويل. لكن الأمر هذه المرة ما زال غير واضح تماما.
كان يبدو قبيل نهاية الأسبوع بوقت قصير أنه يمكن أن يفرض وقف إطلاق النار مرة أخرى بين إسرائيل و"حماس" على حدود القطاع. وفي يوم الخميس أعلنت إسرائيل أنها تمنح "حماس" فرصة لوقف إطلاق النار، و"الهدوء سيُرد عليه بالهدوء". ووردت الأنباء بتعجيل الوساطة المصرية. هاجم سلاح الجو في الحقيقة القطاع رداً على عمليات إطلاق الصواريخ الأخيرة، لكنها كانت الى الآن هجمات محددة، لم توقع جرحى.
بدأ إطلاق القذائف الصاروخية من القطاع يقوى كثيرا بعد خطف الفتية الإسرائيليين الثلاثة في "غوش عتصيون" في 12 حزيران، وبلغ ذروته، الأسبوع الماضي. فيجب على إسرائيل أن تفحص إمكانية أنه يجري هنا مسار أعمق هو مسار انهيار تدريجي للتفاهمات، التي أُحرزت بعد عملية "عمود السحاب" في القطاع في تشرين الثاني 2012. كانت السنة ونصف السنة اللذان تليا العملية الأهدأ على حدود القطاع منذ أكثر من عشر سنين. وقد حسن الهدوء الأمني النسبي شعور السكان في بلدات غلاف غزة بالأمن، وأحدث هناك أيضا زخما اقتصاديا كبيرا. وكان لوقف إطلاق النار مرساتان رئيستان هما الردع الإسرائيلي في مواجهة "حماس"، التي أضعفت أضرار العملية الأخيرة سيطرتها على القطاع، والتهديد المصري في الأساس لقيادة المنظمة.
إن الانقلاب العسكري في القاهرة قبل سنة بالضبط جاء بالجنرالات الى الحكم، وهم الذين لا يبغضون "حماس" فقط ويرونها ذراعا خطيرة لمن يكرهونهم، أعني "الإخوان المسلمين"، بل يتعاونون مع إسرائيل من وراء الستار. وقد فقدت المنظمة أيضا الدعامة القوية التي هيأتها لها حكومة "الإخوان" في القاهرة، واستطاعت بموازاة ذلك تقريبا أن تشاجر راعيتها الأخرى إيران بسبب التنديد المعلن الذي صدر عنها ضد المذبحة التي ينفذها نظام الأسد في سورية ضد معارضيه السنيين. خُنقت غزة تحت ضغط إسرائيل ومصر، لكن "حماس" خشيت أن توجه العمل ضد إسرائيل. تغير شيء ما في معادلة الردع في الأسبوع الأخير الذي اشتغلت فيه خلايا "حماس" علنا بإطلاق قذائف راجمات الصواريخ على البلدات الإسرائيلية المجاورة للحدود (وأطلقت منظمات أصغر قذائف صاروخية).
إن تفسير هذا الإجراء له صلة على الخصوص بالأزمة الاستراتيجية التي دفعت المنظمة إليها. فقد كادت السلطة الجديدة في القاهرة تقطع تماما صناعة التهريب في الأنفاق، وفرضت قيودا قاسية على استعمال الفلسطينيين لمعبر رفح. ووقعت "حماس" مرغمة على اتفاق المصالحة مع السلطة الفلسطينية، لكن أملها في أن تخلصها السلطة من الأزمة الاقتصادية خاب إلى الآن، فلم ينجح رئيس السلطة، محمود عباس، في الحصول على دعم اقتصادي من قطر للقطاع، وبقي عشرات آلاف العاملين في حكومة "حماس" في القطاع بلا أجور، وزاد النقص في المحروقات، ويطول انقطاع الكهرباء الى 12 ساعة كل يوم. وقد حطم رجال "حماس" في الأسبوعين الأخيرين عشرات أجهزة الصراف الآلي في غزة كي لا يستطيع العمال الموالون لـ"فتح"، والذين ما زالوا يتلقون أجورا من رام الله، في سحب أموالهم.
يبدو أن التقدير الرئيس وراء استمرار "حماس" في إطلاق النار هو الأمل في أن يمكن ضمان إنجازات نقطية من اللاعبتين الأخريين في المواجهة (مصر والسلطة الفلسطينية)، كتسهيل الحركة في معبر رفح وضمان دفع الرواتب، عوض وقف إطلاق النار.
وتقوم في الخلفية أيضا قضية الخطف في "غوش عتصيون". كان اختطاف الفتية الإسرائيليين بحسب ما هو معلوم الى الآن، في الأساس مبادرة محلية من خلية تابعة لـ"حماس" في الخليل. لكن القيادة الغزية أملت أن تكسب منها، وأن تستخرج بها تفاوضاً للإفراج عن سجناء عوض مخطوفين أو جثث، يعرض مرة أخرى مزايا طريق الكفاح المسلح. لكن عثور الجيش الإسرائيلي على الجثث سلب "حماس" الإنجاز المحتمل. فبقي لها من وجهة نظرها الاستمرار في إطلاق الصواريخ آملة أن تستخلص إنجازا ما. وحسب تحليل "حماس"، تخشى حكومة نتنياهو مواجهة عسكرية في القطاع، ولهذا يمكن الاستمرار في الضغط. لكن قيادة المنظمة أخطأت في معرفة نوايا رئيس الوزراء حتى في الأسبوع الذي سبق عملية "عمود السحاب". وقد كلفها ذلك الخطأ آنذاك ضربة قاسية نسبيا من إسرائيل واغتيال رئيس الذراع العسكرية للمنظمة، احمد الجعبري. يجب على إسرائيل من جهتها أن تأخذ في حسابها محاولة "حماس" القيام بمفاجأة عسكرية كعملية داخل النقب، أُحبط أمثالها عدة مرات في السنوات الأخيرة.
إن الميدان المقلق الثاني يتصل بالأحداث في القدس وتأثيراتها في "عرب إسرائيل" وفي الوضع في الضفة الغربية. إن تحقيق الشرطة في قضية قتل الفتى من شعفاط، محمد أبو خضير، يميل كما يبدو الى اتجاه القتل القومي على أيدي يهود، لكنه لم يصل الى استنتاجات حقيقية بعد. ولا يعني ذلك كثيرا الجمهور في شرقي القدس، الذي قاد، أول من أمس، أعمال شغب جماعية بعد جنازة الفتى. إن الشعور بأنه نشأت هنا دائرة انتقام مستقلة خطير جدا. على أثر جنازة الفتية الإسرائيليين الثلاثة شاغب جمهور يهودي في مركز القدس، وفي صباح الغد قتل الفتى أبو خضير في ظروف لم تتضح بعد.
في نهاية الأسبوع هاجم مشاغبون عرب سائقين يهودا في مظاهرات في شوارع المثلث، ونشر ملثمون سكة القطار الخفيف في شرقي القدس. وكانت المظاهرات في المثلث أعنف ما شوهد داخل الخط الأخضر منذ بضع سنين. وستضطر الشرطة الى الاستمرار في نشر قوات معززة في القدس وقرب بلدات عربية خشية أن يشتعل العنف مرة أخرى. وإذا كان يوجد عزاء صغير في أحداث نهاية الأسبوع فهو أن الشرطة استطاعت أن تجتاز المواجهة دون إحداث خسائر في الأرواح بين المتظاهرين في القدس.
"هآرتس"
