بقلم: د. إبراهيم فؤاد عباس
صورة ترومان لدى العديد من الناس تبدو كمسيحي صهيوني، لاسيما في ظل الحقائق التاريخية، حيث اعترف بإسرائيل بعد خمس دقائق فقط من إعلان قيامها في 15 مايو 1948، وكان قبل ذلك قد طالب بريطانيا- بصفتها الدولة صاحبة الانتداب على فلسطين- بفتح أبواب الهجرة إلى فلسطين على مصراعيها أمام 100 ألف يهودي.. وقام بعد ذلك باستخدام الضغط السياسي والاقتصادي على كثير من أعضاء هيئة الأمم المتحدة لقبول إسرائيل عضوا بالمنظمة الدولية يوم 10 مايو 1949 ولكن الحقيقة تقول عكس ذلك.. فقد رفض منذ البداية فكرة الدولة اليهودية.. وهو في العموم لم يكن يؤمن بدولة تقوم على أساس ديني أو عرقي ولم يكن يبدي ارتياحه إزاء المشروع الصهيوني، وهو ما اتضح بشكل خاص في السنة الأولى من ولايته . وكتاب جون جوديس" :الأساس: ترومان، اليهود الأمريكيون، وأصل النزاع العربي الإسرائيلي" الصادر مؤخرًا والذي نستعرض هنا أهم مضامينه يسلط الضوء على هذا الجانب، أي الجانب الآخر الذي لا يعرفه الغالبية العظمى من الناس حول ترومان وقضية النزاع العربي – الإسرائيلي خلال فترة حكمه..
ويمكن القول إن هاري ترومان كان آخر رئيس أمريكي يعبر عن قلقه إزاء تنامي نفوذ الحركة الصهيونية في الولايات المتحدة بصراحة.. ويعتبر عهده البداية الحقيقية لحقبة ما زالت مستمرة حتى الآن، حيث يواجه الرؤساء الأمريكيون ضغوطًا كبيرة من مؤيدي إسرائيل والحكومة الإسرائيلية.
يقول جوديس إن الخطأ المميت للسياسة الأمريكية نشأ في عهد الرئيس ترومان خلال السنوات الأربع (1945- 1949) عندما تحدد مصير الشرق الأوسط خلال تلك الفترة.. وهو يعتقد أنه ينبغي عدم إلقاء اللوم لعدم التوصل إلى حل للنزاع طيلة العقود الستة الماضية على الإسرائيليين والفلسطينيين معًا، فجانب كبير من الفشل يقع على عاتق الولايات المتحدة الأمريكية، باعتبارها القوة العالمية الرئيسية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية . ويرى المؤلف أيضًا أن فهم ما حدث خلال تلك السنوات الأربع من شأنه أن يساعدنا على فهم ما حدث بعد ذلك، ومن شأنه أيضًا أن يمكننا من التوصل إلى وضع حل لهذه المشكلة المستعصية.
البدايات..
روجت الصهيونية الجديدة لمقولة "فلسطين أرض بلا شعب لشعب بلا أرض".. ولأن الصهيونية الجديدة نشأت في أوروبا، فإن الفلسطينيين كانوا غائبين عن المشهد.. ومع تلك الحملات الإعلامية، التي كانت الصهيونية تشنها من جانب واحد، حاول الصهاينة تغيير التاريخ للتخلص من ماضيهم المظلم.. ولولا تمسك الفلسطينيين بحقوقهم، ولولا صمود ذاكرتهم الحية في مواجهة محاولات الصهيونية تزييف التاريخ لنجحت الصهيونية في تغييب ذاكرة الفلسطينيين وإعادة صياغة تاريخ فلسطين وفق رؤيتها وروايتها التوراتية. وما زالت الصهيونية وحلفاؤها من اليمين الأمريكي المتطرف يقفون ضد أولئك المؤرخين والباحثين الإسرائيليين (الجدد) من أنصار مراجعة التاريخ، لأن من شأن تلك المراجعة إثبات عدم شرعية إسرائيل، وهم يلجأون – بدلًا من ذلك - إلى التمسك بسياسة فرض الأمر الواقع، استنادًا إلى أن العديد من دول العالم، بما في ذلك أمريكا نفسها، قامت على أساس استعماري إحلالي، ولم يتم التراجع عن ذلك الواقع، والدليل على ذلك أن الهنود الحمر سكان أمريكا الأصليين، الذين أصبحوا شبه منقرضين، لا يطالبون بدولة لهم حتى ولو على جزء من الأراضي الأمريكية.
ترومان ضحية الصهيونية..
يعتبر حل الدولتين متجذرا بعمق في تاريخ الصهيونية العالمية، وهذا الحل الذي كان آباء الصهيونية يسعون إلى تحقيقه بأي وسيلة دفعهم إلى اتخاذ قرارات متسرعة، فعلى سبيل المثال نص وعد بلفور على إعطاء وطن قومي لليهود في فلسطين وليس إلى منح فلسطين كلها لإقامة دولة يهودية تحل محلها، وعندما اقترحت لجنة بيل تقسيم فلسطين (1937) دعم كل من وايزمان (المحسوب على بريطانيا) ودافيد بن جوريون (المحسوب على الولايات المتحدة) قرار التقسيم.. ولوايزمان تصريحه الشهير في ذلك الوقت: "سيكون اليهود أغبياء إذا رفضوا دولة في فلسطين حتى لو كانت في حجم مفرش مائدة"..!
ويمكن القول كقاعدة عامة تقررت منذ ذلك الحين، أن كل رؤساء الولايات المتحدة الذين جاؤوا بعد ترومان واجهوا نفس المشكلة.. وأصبح من الواضح أنه ليس بوسع أي رئيس أمريكي أو حتى أي مواطن أمريكي أن يجرؤ على الحديث عن موضوع النزاع العربي – الإسرائيلي بصراحة ودون الانحناء للوبي الإسرائيلي.
مبادرات ترومان..
تناول المؤلف في كتابه ما يمكن اعتبارها أول مبادرة سلام أمريكية خاصة بالنزاع العربي – الإسرائيلي. وتكتسب تلك المبادرة أهميتها باعتبارها المبادرة التي لم يتم الكشف عنها من قبل. وهي ترتكز على رؤية مشتركة له ولإرنست بيفين وزير الخارجية البريطانية في ذلك الحين حول أفضل الحلول لقضية النزاع العربي – الإسرائيلي، وذلك من خلال دولة فيدرالية ليست عربية وليست يهودية، إنما تحكم وتدار من قبل العرب واليهود. وقد بنى ترومان رؤيته لهذا الحل إيمانًا منه بأن دولة تحكم من قبل العرب، أو من قبل اليهود لا يمكن أن تصمد بدون الحروب ولا يمكن أن تتحقق لها أسس العدالة والمساواة.
وقد ألقى ترومان باللوم في فشل هذا الحل على الصهيونية الأمريكية التي أجهضت الفكرة في مهدها.
ويعتبر الرئيس ترومان أول رئيس أمريكي طالب بحل الدولتين، بعد أن فشل في سعيه نحو حل الدولة الواحدة، وربما أن القليلين أيضًا يعرفون أن تصور ترومان للدولة الفلسطينية ارتكز على أساس إنها دولة تقوم على ثلثي مساحة فلسطين التاريخية باعتبار أن السكان العرب الفلسطينيين كانوا ضعفي عدد السكان اليهود. لكنه الأمر انتهى باستيلاء اليهود على نحو 80% من أرض فلسطين (تحديدًا 78%) لإقامة دولتهم، فيما لم تقم حتى الآن الدولة الفلسطينية.
وبعد حرب 1948 بين العرب وإسرائيل، سعى ترومان إلى تحقيق اتفاق سلام بين إسرائيل وجيرانها العرب يتم بموجبه استرداد 40% من فلسطين إلى الفلسطينيين (بموجب قرار التقسيم) والسماح بعودة العدد الأكبر من اللاجئين، الذين طردوا من ديارهم خلال الحرب.
لكن مع الأسف لم تنجح أي من مبادرات ترومان في تحقيق ما كان يتطلع إليه بسبب الرفض الإسرائيلي.
تحدي ترومان للصهيونية..
كان ترومان تتملكه الحساسية من الحركة الصهيونية لاعتبارات تتعلق بشخصيته، فقد كان ليبراليًا حقيقيًا، وكانت الصهيونية تتعارض مع ما يؤمن به من مبادئ، من جهة، وكان أيضًا ينتابه القلق إذا ما قدم دعمًا كاملًا للصهيونية أن يؤثر ذلك على فقدانه النفط العربي في حالة نشوب حرب أمريكية – سوفيتية من الجهة الأخرى.
والحقيقة أن ترومان ما كان ليخفي تشاؤمه إزاء المشروع الصهيوني، لاسيما في السنة الأولى من ولايته، وهو قد عبر عن ذلك بصراحة في أكثر من موقف.
ويمكن القول إن يوم الأربعاء الثامن من سبتمبر 1948 كان بداية لحقبة جديدة في السياسة الأمريكية أهم ملامحها الانحياز الأمريكي السافر لإسرائيل. ففي ذلك اليوم كان ترومان غارقًا في المشكلات، فالاتحاد السوفيتي يفرض حظرًا على برلين، وفي الشرق الأوسط كان العرب وإسرائيل مازالوا في حالة حرب. كان أول الزائرين لترومان في ذلك الصباح وفدًا من المحاربين اليهود القدامى يترأسه الجنرال جوليوس كلاين. وكان مقررا للاجتماع 15 دقيقة فقط، لكن كلاين فاجأ الرئيس ترومان بتقديمه قائمة طويلة من طلبات الحركة الصهيونية تتعلق بدولة إسرائيل، جاء في مقدمتها مطالبة ترومان بإنهاء الحظر الذي فرضته واشنطن على تصدير السلاح لدول المنطقة وضرورة تزويد إسرائيل بالسلاح العاجل لتعزيز قيامها على أرض الواقع.
وتلى ذلك طلب دعم مالي للدولة الفتية بقيمة 100 مليون دولار لترتيب أوضاع المهاجرين اليهود من أوروبا، ودعم طلب عضوية إسرائيل في الأمم المتحدة. وقد صدم ترومان بهذه المطالب. وصدم الوفد بدوره عندما ذكره ترومان بأن الصهيونية كانت وراء فشل مبادرته لحل النزاع العربي – الإسرائيلي في مهده. وانسحب كلاين والوفد المرافق له بعد هذه الجولة المباشرة من الصدام المباشر بين اترومان والحركة الصهيونية والتي اعترف ترومان بأنها كانت لصالح الحركة الصهيونية.
أسباب التراجع..
بدأ ترومان في التراجع عن مواقفه بدءًا من أكتوبر 1946 بتأييده دعم دولة يهودية على جزء من فلسطين، وكان يخشى أن يصوت اليهود للجمهوريين.. كما أن بداية الحرب الباردة كانت سببًا آخر للتراجع، لأنه كان يعتقد إنه لن يصبح في مقدوره استخدام القوة العسكرية لفرض حل في فلسطين لأن ذلك سيخلق فراغًا في أماكن أخرى. ينهي المؤلف كتابه بطرح سؤالًا بلا إجابة: هل بوسع الرئيس الأمريكي – الحاضر أو أي رئيس أمريكي في المستقبل- والشعب الأمريكي أن يتحدثا بصراحة في موضوع النزاع العربي – الإسرائيلي ودون الانحناء للوبي الإسرائيلي في الولايات المتحدة؟
المؤلف..
يقول جوديس عن نفسه: "أنا يهودي، لكن ليس من وجهة نظر دينية، وأؤمن بأن اليهودي الأمريكي ينبغي أن يكون مهتمًا بحقوق عرب فلسطين بنفس قدر اهتمامه بحقوق الإسرائيليين". وهو كبير المحررين في "ذا نيو ريبلك"، وينشر مقالاته في ( G Q )، وفورين أفيرز، وموذر جونز، ومجلة النيويرك تايمز والواشنطن بوست. صدرت له العديد من المؤلفات من أهمها: "حماقة الامبراطورية"، و"صعود الأغلبية الديمقراطية".
الكتاب..
يضم هذا الكتاب بصفحاته الـ 448 ثلاثة أجزاء رئيسة: شعبان وأرض واحدة- تناقضات الصهيونية الأمريكية – ترومان وإسرائيل
المصدر: موقع أمين
