هآرتس- بقلم: عاموس هرئيل
في السادسة والنصف صباحًا في كل واحد من الصباحات الأخيرة يجري متحدث الجيش الإسرائيلي حديث فيديو هاتفيًا مع المراسلين العسكريين، لاطلاعهم على آخر الأحداث في المناطق. وتتم توجيهات هاتفية مشابهة بعضها في كل يوم، مع حلقات إعلامية أخرى أيضًا – محرري الصحف، ومحرري الأخبار ومراسلي شؤون المناطق. وقد دخلت عملية "عودوا أيها الأخوة" للعثور على الفتيان الثلاثة الذين خُطفوا في غوش عصيون إلى ما يشبه الرتابة، فجهاز الأمن يعاملها على أنها عملية متصلة بعيدة المدى. وهو يستخدم فيها قدرا كبيرا من القوات والجهود الاستخبارية.
يُضاف إلى ذلك بحسب روح العصر أيضًا قدرات الآلة الناجعة ومهارة المتحدث العسكري. ففي كل بضع ساعات تُرسل إلى بريد الصحفيين الإلكتروني صور فيديو وصور ستيلز تُخلد زيارات الضباط الكبار للميدان وأعمال الوحدات العسكرية. فلا يُظلم أحد هنا؛ لا لواء الشباب الطلائعيين ولا كتيبة الشباب الطلائعيين الحريديين من لواء كفير. فالجميع يجهدون في أن يُعيدوا الفتيان المخطوفين إلى بيوتهم؛ ويحظى الجميع بتغطية إعلامية مناسبة.
يبدو أن العجل يريد أن يرضع أكثر مما تريد البقرة أن تُرضعه. فالاتصالات الإلكترونية تنقض على كل فيلم فيديو قصير ينشره متحدث الجيش الإسرائيلي كأنها تجد غنيمة (لم نرَ برغم مرور خمسة أيام إلى الآن أية صورة من عملية اعتقال اعتمدت على عمل مصور لا يلبس الملابس العسكرية). أُذيعت في بداية الأسبوع بتأثر خاص من محطات التلفاز صور فيديو وثقت اعتقال حسن يوسف في بيتونيا على أيدي مقاتلي الجيش الإسرائيلي. ويعتبر الشيخ يوسف وهو في الستين من عمره واحدا من قادة الذراع السياسية لحماس في الضفة الغربية، وهو يخرج ويدخل إلى السجون الإسرائيلية منذ عقدين على الأقل. وقد أُفرج عنه في آخر مرة من اعتقال إداري قبل أربعة أشهر فقط. وبرغم أن "الشباك" يظن أنه مشارك في الإرهاب مشاركة غير مباشرة، لم يُدن يوسف قط بمادة أشد من كونه عضوا في حماس وهي عضوية لا ينكرها. ويبدو أن اعتقاله يُستخدم على أنه جزء من خطة برج آلية تقريبًا في كل حال تشارك فيها حماس في عملية كبيرة. ولن يوجد إدانة في هذه المرة أيضًا.
نحن أيضًا في الصحافة المكتوبة نملأ صفحات بعد صفحات في قضية لم يُجدد فيها شيء تقريبا منذ بضعة أيام – وما زال القليل الذي كُشف عنه مع كل ذلك ممنوعا نشره. بلغت العملية إلى المرحلة المعروفة من عمليات عسكرية واسعة في قطاع غزة. ففي الوقت الذي لا يحدث فيه شق طريق في مجال العمل الرئيس تتسع الأهداف التي تصاحب العملية وتتبوأ بالتدريج جزءً مركزيًا من الاهتمام. ففي قطاع غزة في عمليات لا يوجد فيها تقدم بري يعدون المخربين القتلى وأهداف المنظمات الإرهابية التي تم ضربها. وفي الضفة الغربية يعدون معتقلي حماس ويحاولون تقدير قوة الضربة التي ستصيب المنظمة.
إن الخلية التي تحتجز المختطفين لم يُعثر عليها إلى الآن كما نعلم. ويُقدر "الشباك" والجيش الإسرائيلي أنه سيمكن الوصول اليها مع الصبر والجهد، لكن كلما مر الوقت انخفض مستوى التفاؤل بمصير المخطوفين. لأنه من الصعب جدا إبقاء ثلاثة مخطوفين إسرائيليين أحياءً في الضفة دون إثارة انتباه ووشاية. والوقت الكثير الذي مر يزيد في القلق على مصير الفتيان.
في مباحثات المجلس الوزاري المصغر تمت الموافقة في هذه المرحلة للجيش على استعداد لعملية تطول عدة أيام وقد تطول بعد ذلك أيضًا.
وتقرر مع مطاردة خلية حماس سلسلة طويلة من العمليات على المنظمة وبنيتها السياسية والمدنية التحتية في الضفة، وقد اعتقل إلى الآن 200 فلسطيني أكثرهم من حماس. ويشارك في العملية الواسعة ثلاثة ألوية مشاة وعدد كبير من الوحدات الخاصة التي تداهم في الليل كل المدن الفلسطينية في الضفة. ولم يُر هذا العدد الكبير من قوات الجيش الإسرائيلي هناك منذ نحو من عشر سنوات، فإسرائيل تستغل هنا ما يراه رئيس الوزراء نتنياهو فرصة ذهبية استراتيجية لضرب قوة حماس في الضفة وللزيادة في عمق الأزمة بين السلطة الفلسطينية وهذه الحركة التي حدثت بسبب الغضب الذي أثارته عملية الاختطاف عند قيادة السلطة.
في 2007 بعد أن سيطرت حماس على قطاع غزة وطردت منه بعنف ساسة حركة فتح ورجال أجهزتها الأمنية، بدأت إسرائيل عملية على المنظمة في الضفة الغربية. وبدأ نشاط منهجي موجه على "الدعوة" مع موجة اعتقالات، وأغلقت مكاتب جمعيات وصودرت أموال من حسابات مصرفية وتضررت حتى مؤسسات تربية ورياضة. وحينما اجتاح الجيش الإسرائيلي مجمعًا تجاريًا له صلة بحماس في نابلس ضاقت السلطة ذرعا بذلك، فتوجه رئيس الوزراء الفلسطيني آنذاك سلام فياض الى وزير الدفاع اهود باراك وطلب إليه قائلاً: أتركوا هذا العمل لنا. واستجاب باراك، وفي السنوات التي تلت ذلك زعموا في جهاز الأمن أن السلطة كانت أكثر نجاعة بكثير من إسرائيل في كفاحها للجوانب المدنية من عمل حماس. وقد ضعفت في السنة الأخيرة المعركة التي كانت تقوم السلطة على حماس وازدادت بطئا على أثر اتفاق المصالحة الفلسطيني.
أحدث الاختطاف تغييرًا حقيقيًا في الظروف: فالسلطة غاضبة على حماس وتُظهر الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي إلى الآن تفهما أكبر للخطوات الإسرائيلية بسبب مأساة عائلات المخطوفين الصغار. وأصبح عند الأوروبيين مؤخرًا أيضًا أسباب أخرى لتفهم المواقف الإسرائيلية، فقد أخذ عدد أكبر من الشباب المسلمين ذوي الجنسية الأوروبية يشاركون في الحرب الأهلية السورية وفي صفوف المنظمات السنية التي لها صلة بالقاعدة، ويعودون بعد ذلك إلى الدول التي يسكنونها (وذاك توجه عبرت عنه العملية الأخيرة في المتحف اليهودي في بروكسل).
ويقوي انحلال جيش العراق تحت ضغط القاعدة أيضًا الخوف في الغرب ودعم خطوات على منظمات إسلامية حتى لو كان الحديث عن حماس التي يراها الأوروبيون أكثر اعتدالاً.
يبدو أن حماس في غزة أيضًا التي ربما تريد أن ترد معوقة إلى الآن بسبب الضغط المصري المستعمل على قيادتها. ولو أن إسرائيل قصفت مقرات قيادة حماس في قطاع غزة قصفا كثيفا انتقامًا للاختطاف لردت المنظمة باطلاق قذائف صاروخية كثيف على بلدات النقب ولهزمت العملية الإسرائيلية نفسها لأن إسرائيليين كثيرين سيدخلون دائرة النار. والآن وما زالت حماس في غزة منضبطة ولا تشتعل الضفة بسبب نشاط قوات الجيش الإسرائيلي، تستمر العملية وتزيد في عمق ضرب "الدعوة" الحماسية. يوجد أمنيون كبار في إسرائيل على يقين من أن هذا الجهد سيوجه ضربة شديدة الى حماس في الضفة ويساعد في واقع الأمر على تقوية مكانة السلطة برغم هجمات رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو ووزرائه على سلوكها في قضية الاختطاف. وهذا تقدير سيُمتحن بعد مرور وقت طويل فقط.