هآرتس- بقلم: جدعون ليفي
كان اختطاف طلاب المعهد الديني الثلاثة عملية مستدعاة قبل ذلك، وكانت إسرائيل هي المستدعية. وقد كان مصير الثلاثة ما زال يلفه الضباب ويغطي القلق بسلامتهم على كل شيء آخر، في ساعة كتابة هذه السطور أمس. لكن مهما يكن الأمر – هل يسلمون أم لا والعياذ بالله، وسواء كان المسؤول هو الجهاد العالمي أو المحلي – فإنه لا يمكن تجاهل سياق العملية. ربما تكون فاجأت منظمات الاستخبارات الإسرائيلية المتطورة حتى درجة التعب، لكنها لا يمكن أن تفاجئ أحدًا.
إن الذين يرفضون في عناد الإفراج عن سجناء فلسطينيين ما زال عدد منهم سجناء منذ عشرات السنين حتى منذ الفترة التي سبقت اتفاقات أوسلو، وعدد منهم التزمت إسرائيل بالإفراج عنهم؛ والذين يسجنون منذ سنين معتقلين دون محاكمة؛ والذين يتجاهلون إضرابًا عن الطعام لـ 125 معتقلاً إداريًا، يحتضر بعضهم في المستشفيات؛ والذين ينوون إطعامهم بالقوة، والذين يريدون أن يسنوا قوانين جائرة تعارض الإفراج عنهم – ينبغي ألا يُظهروا أنهم فوجئوا أو زُعزعوا بسبب عمل الاختطاف فهم الذين استدعوه.
إن إسرائيل التي تشفق على سلامة كل واحد من أبنائها تجاهلت في استكبار مدة سنوات الخوف على مصير السجناء في المجتمع الفلسطيني. فالإهتمام بالأبناء مسجل بصفة اختراع إسرائيلي لإسرائيل وحدها ومثله أيضًا إجلال أبطال النضال الوطني. فمئير هار تسيون بطل قومي أما أحمد سعدات فقاتل دنيء. وكان جلعاد شليط لنا فقط لكن مصير وليد دقة الذي ما زال يمكث منذ أكثر من ثلاثين سنة في السجن الإسرائيلي للمشاركة في خلية قتلت جنديًا، دون عطلة واحدة ودون زيارة خلوة مع زوجة لمرة واحدة لم يهم أحدًا هنا. ولا يهم كل آلاف الأسرى الفلسطينيين أحدًا، ففي الأسبوع الماضي شغلت مساعدة بيت مئير شتريت الرأي العام أكثر من معاناة 125 مضربًا عن الطعام يموتون رويدًا رويدًا منذ 53 يومًا. يوجد بين آلاف السجناء الفلسطينيين "قتلة دنيئين" لكن كثيرين آخرين هم سجناء سياسيون ويُرون جميعًا أبطال النضال القومي الفلسطيني، وهكذا هي الحال في كل نضال قومي. ويقف وراءهم مجتمع كامل يخشى على مصيرهم خشية لا تقل عن خشية الإسرائيليين على مصير أعزائهم.
مع إماتة المسيرة السياسية أغلقت إسرائيل أبواب سجونها وكانت الرسالة الإسرائيلية إلى الفلسطينيين حادة كالسكين تقول إن الإفراج عن أبنائكم سيصبح ممكنًا منذ الآن بعملية عنيفة فقط. وفي ليل يوم الخميس استخلصت الاستنتاجات. لكن عملية الاختطاف كان لها سياق أوسع من الإفراج عن السجناء.
نزل الستار على المسيرة السياسية مهما تكن عقيمة، ونزل معه أيضًا الستار على آخر أمل فلسطيني للإفراج القومي الوطني عن السجناء بمسيرة سياسية. عادت الحياة في إسرائيل وفي المستوطنات الى مسارها وهي حياة حرية ونماء ومحاكاة للواقع ولهو ليس للاحتلال صلة بها ألبتة. لكن الأمر ليس كذلك بالنسبة للفلسطينيين، فليس عندهم شيء من كل ذلك، وكل تأخير للحل هو بالنسبة اليهم استمرار لحياة المعاناة والإذلال والتعذيب. فمن ظن أن يقعدوا في هدوء وينتظروا إلى أن تتفضل إسرائيل بتغيير ذوقها أو حكومتها كان واهما. والذي ظن أن يستمر المستوطنون على العيش في أمن في المناطق إنتظرته خيبة أمل مُرة فقد كانت عملية الاختطاف تنبيها إلى ما سيحدث بعد ذلك. أجل إن الطريق الوحيد المفتوح أمام الفلسطينيين ليُذكروا الإسرائيليين بوجودهم ومشكلتهم هو طريق الكفاح العنيف، لأن كل طريق آخر قد أغلق في وجوههم. فغزة إذا لم تطلق صواريخ القسام غير موجودة. وتغيب الضفة عن وعي الإسرائيليين إذا لم يختطف طلاب معهد ديني فيها. وعمليات الاختطاف أو القتل ترمي الى تحطيم الدعة الإسرائيلية التي لا تطاق ولهذا لا توجد فيها أية مفاجأة. وقد بلغت هذه الدعة في الأشهر الأخيرة إلى ذرى لا تتصور وانتبهوا إلى السخافات التي شغلت الإسرائيليين. إن التذكير المخيف الذي وقع على رؤوسنا الآن هو مقدمة فقط لما يُنتظر إذا استمررنا على العيش بين خزانة أموال فؤاد وقُبلة في برنامج "الأخ الأكبر". لأن هذه هي طبيعة الاحتلال المغضبة، فهو يطاردنا حتى حينما نزيد في دفن رؤوسنا في الرمل.
