هآرتس- بقلم: جدعون ليفي
إنطلقت عملية "شارة ثمن" إسرائيلية أخرى في طريقها وهي إعلان بناء 1500 وحدة في المستوطنات إنتقامًا معلنًا لإنشاء حكومة الوحدة الفلسطينية. مزق القناع منذ زمن ولم تعد إسرائيل تحاول أن تخفي أن المستوطنات ليست أكثر من عقاب، لكنها ليست العقاب الحقيقي. إن العقاب الحقيقي هو استمرار الاستبداد. إن المستوطنات هي مقياس نوايا إسرائيل وقد أنشئت لتأبيد الوضع القائم ولإحباط كل رجاء تسوية. لكن العقاب الحقيقي هو مظالم الاحتلال التي لا تحتمل وإن كان حديثهم عنها أقل.
يجب الكف عن الحديث عن المستوطنات، فقد بلغ عدد المستوطنين منذ زمن كتلته الحرجة التي تجعل الوضع القائم شيئا لا رجعة عنه. ولن تقدم 1500 وحدة أخرى ولن تؤخر. ولا يبرهن بناؤها إلا على أن إسرائيل تنوي الاستمرار على مشروعها الاستعماري، لكنها ليست الشيء الأساسي. فالمشكلة الحقيقية هي النظام الشمولي في المناطق. هذه هي مشكلة الفلسطينيين الرئيسة وهي مشكلة الإسرائيليين الرئيسة أيضًا الذين أصبحت دولتهم ديمقراطية كاذبة.
صحيح أنه لولا المستوطنات لبلغ الاحتلال نهايته كما بلغ الاحتلال الإسرائيلي في جنوب لبنان نهايته، وهو الاحتلال الذي كان نقيًا من المستوطنات. وصحيح أنه لو كان عدد المستوطنين أقل كثيرًا كما كان في قطاع غزة فلربما انفصلت إسرائيل عن الضفة إيضًا. لكن الإنفصال عن غزة أيضًا برهن على أنه غير كاف لإنشاء عدل، فقد تحولت غزة إلى سجن لم يعد أحد يتحدث عن مصير سجنائه. ولهذا فإن وقف البناء في المستوطنات التي هي المشروع الصهيوني الأكبر مصيرية منذ كان إنشاء الدولة سيوحي بنية خيرة في الحقيقة، لكن الوضع لن يتغير من أساسه دون إخلائها المطلق، وهو أمر غير واقعي بصورة سافرة، ودون جعل النظام في المناطق عادلاً.
ولهذا يجب ألا يظل نضال العالم محصورًا في المستوطنات في المناطق، بل يجب أن يتناول النظام المستعمل فيها. فحقيقة أنه يوجد هنا شعبان لأحدهما كامل الحقوق والآخر بلا أي حق سوى الحق في أن يكون تحت الاحتلال هي التي يجب أن تثير الساحة الدولية. فيكفي تنديدًا بإسرائيل بسبب شقة أخرى ومسكن مجرور آخر. ينبغي التنديد بها وعقابها على الحياة غير المحتملة تحت الاحتلال وعلى حقيقة أن الدولة التي تدعي أنها من الدول المستنيرة ما زالت تنكل بشعب كامل في نومه واستيقاظه وجيئته وذهابه.
تحدثوا عن الصيادين العاجزين من غزة الذين تطلق النار عليهم من سفن صواريخ؛ وتحدثوا عن الأولاد الذين يُعتقلون تحت جنح الظلام بقسوة؛ وتحدثوا عن الاعتقالات الجماعية بلا محاكمة، وعن تمزيق العائلات بين الضفة وغزة، والقدس ورام الله؛ وتحدثوا عن اليد الإسرائيلية الخفيفة على الزناد، وتحدثوا عن المعاملة القضائية التي تفرق بين دم ودم، وعن السلب اليومي، وعن هدم البيوت ومحو القرى؛ وتحدثوا عن المراعي التي تحول إلى ميادين رماية لجعل حياة سكانها بائسة ولطردهم، وعن الجنود الذين يطلقون النار بسبب الملل وعن رجال الشرطة الذين يعتقلون لأن ذلك ممكن فقط.
وتحدثوا عن الفصل العنصري الراسخ في المناطق، وعن عدم احتمال أن يبدأ ولد فلسطيني بناء حياته أو الوصول مرة واحدة على الأقل إلى شاطئ البحر على مبعدة قصيرة عن بيته؛ وتحدثوا عن سكان القطاع الذين لا يستطيعون تصدير منتوجاتهم ولا الوصول إلى أي مكان أيضًا – لا للدراسة ولا للمستشفيات ولا لزيارة الأقارب ولا للعمل خارج سجنهم الذي هو الأكبر في العالم؛ وتحدثوا عن آلاف السجناء، وبعضهم سجناء سياسيون وكلهم يميزون تمييزًا غير إنساني إذا ما قيسوا بالسجناء اليهود؛ وتحدثوا عن بيروقراطية الاحتلال، وهي نظام تنكيل مؤسسي آخر، وعن الحواجز؛ وتحدثوا عن عدم العدل السافر. تحدثوا عن فظاعات الاحتلال.
ليس لكل ذلك أية صلة ببناء بضع مئات أخرى من الشقق في المستوطنات. فيجب على كل مواطن نزيه من إسرائيل والعالم أن يحتج ويرفع صوته على ذلك، لكن هذه الصرخة لا تُسمع بصورة كافية.