هآرتس- بقلم: تسفي برئيل
كان ينبغي لأحد ما أن يتراجع كي تتحقق المصالحة بين حماس وفتح وتقوم حكومة وحدة. هذه المرة حماس هي التي تراجعت ووافقت، أي اضطرت، إلى التنازل وقبول شروط عباس. ليس هذه هي المرة الأولى التي تثني فيها حماس مبادئها كي تتناسب والظروف السياسية والحزبية. ومع أن المصالحة مع فتح كانت تحوم كل الوقت في الهواء، إلا أن السنوات التي مرت بين التوقيع على اتفاقات المصالحة وبين تحققها تدل على أنه دون الضائقة السياسية الداخلية والخارجية التي علقت فيها المنظمة كان مشكوكاً أن تتحقق المصالحة هذه المرة أيضاً، والتي ليس مؤكدا مدى حياتها. الأزمة العميقة مع مصر، والتي أدت الى اغلاق معبر رفح وهدم كل الأنفاق بين غزة وسيناء تقريبا؛ استيلاء الجيش على الحكم في مصر، وإخراج الإخوان المسلمين عن القانون وتعريفهم كحركة "إرهاب"، ما جعل حماس عدو الجمهور في الدولة؛ الضغط الذي مارسته السعودية وباقي دول الخليج على قطر، الممولة الهامة لحماس؛ الشرخ مع سوريا الذي ادى إلى قطيعة مع ايران وفقدات مصدر دخل شبه حصري (باستثناء تركيا) – كل هذا أوضح لحماس بأن لا مفر من مصالحة عملية، اذا كانت الحركة تتطلع إلى البقاء والا تفقد عقلها.
ليس تنازلات حماس إلا في المستوى الفني. فحسب الاتفاق الذي وقع في نيسان الماضي، وافقت حماس على إقامة حكومة تكنوقراط وتأجيل الانتخابات إلى موعد لاحق بينما يواصل محمود عباس حالياً منصبه كرئيس. ولكن الموافقة أبعد أثرا بكثير: فحماس تتخلى عمليا عن موقفها الثابت في أن انتصارها الجارف في الانتخابات في 2006 يمنحها الصلاحية الشرعية للوقوف على رأس حكومة فلسطين.
عباس بالتأكيد لا يمكن أن يتهم بمحبة زائدة لحماس. فليست فقط التعابير القاسية التي أطلقها على قيادتها تشهد على ذلك بل وأيضاً الألغام التي كان يزرعها بين الحين والآخر في طريق المصالحة. ولكن ضغوط الجمهور في الضفة وفي القطاع لإعادة الوحدة اشتدت مع السنين. كما أن خوفه من أن يسجل في التاريخ كمن فقد غزة أغلب الظن، ولا سيما على خلفية الفشل لتحقيق اتفاق سلام مع إسرائيل والذي كان يمكنه أن يدحر حماس نحو معضلة صعبة الاحتمال. ومع ذلك، فقد خففت حماس ولا سيما خالد مشعل حدة موقفها من المسيرة السياسية بل أن مشعل تعرض لإنتقاد لاذع على أنه اقترح منح المفاوضات فرصة، وإن لم يؤمن بنجاحها.
النتيجة في هذه اللحظة هي أنه مع قيام الحكومة الفلسطينية، والتي وإن كانت تسمى حكومة تكنوقراط فإنها ستعمل ضمن التوافق بين حماس وفتح. وإسرائيل سارعت إلى الإعلان عن أنها ستوقف التعاون مع الحكومة ومع السلطة الفلسطينية مثلما فعلت بعد انتخابات 2006، إلا أنه في داخل هذا التهديد يوجد تناقض: فالتعاون الامني سيستمر. مع من بالضبط؟ فذات السلطة التي ستقاطعها اسرائيل هي السلطة التي معنية إسرائيل في أن تواصل التنسيق الأمني معها.
إن الجهد الإسرائيلي لسحب الشرعية من الحكومة الفلسطينية ومعاقبتها على مجرد المصالحة من شأنه أن يضع إسرائيل أمام جبهة غير مرتقبة. فليست كل الدول العربية فقط تدعم المصالحة وهي التي ساعدتها بتمويل سخي، بل إن الإتحاد الأوروبي أيضاً لا يرى مانعاً من قيام حكومة وحدة والتعاون معها. واشنطن هي الأخرى لا ترى مانعاً تاماً من التعاون مع الحكومة الفلسطينية الجديدة. فحسب بيان الناطقة بلسان الخارجية الأمريكية الأسبوع الماضي ستفحص الولايات المتحدة خطواتها حسب تركيبة الحكومة التي ستقوم. والتركيبة المطروحة لن تمنح واشنطن الذريعة لمقاطعتها. وإذا كانت إسرائيل تعتزم البقاء وحيدة في هذه الجبهة الدولية، فيجدر بها أن تأخذ بالحسبان بأن سياسة الإغلاق على غزة هي الأخرى من شأنها أن تتحطم في أعقاب تعهد مصر بفتح معبر رفح مع قيام الحكومة الفلسطينية.
السبيل الآخر هو الاعتراف بالحكومة الفلسطينية، مواصلة التعاون الجاري، استئناف المفاوضات بدلا من رؤية المصالحة كخط أحمر والفهم بأن الحكومة الفلسطينية هي شأن الجمهور الفلسطيني، بالضبط مثلما هي تركيبة الحكومة الإسرائيلية شأن مواطني إسرائيل.
