هآرتس- بقلم: نحامية شترسلر
إذا لم تكونوا انتبهتم فأعلموا الآن أن دولة إسرائيل مقضي عليها، لا لتفجير التفاوض مع الفلسطينيين ولا بعقب إزدياد الكرُه لإسرائيل في أنحاء العالم بل هي مقضي عليها على أثر بيع "تنوفا".
من الحقائق أن شيلي يحيموفيتش عرّفت هذه الواقعة بأنها "بيع تصفية للدولة". فهي ترى أن "تنوفا" لم تُبع لـ "برايت فود" بل لـ "الصينيين"، كما كتبت. أي لأولئك المليار وربع من الناس ذوي العيون الخُزر الذين لا أسماء لهم، مع قبعات قش واسعة الأطراف، وقد جاؤوا للقضاء علينا. يا له من خوف، ويا له من شعور قومي ظلامي، ويا لها من عنصرية دون.
ما العجب إذاً من أن وزير البناء والإسكان اوري اريئيل اتصل سريعاً بالدعوى العنصرية وأمر مديرية أراضي إسرائيل بأن تفحص (كما طلبت يحيموفيتش) هل يجوز "للصينيين" أن يملكوا تنوفا التي تملك عدة دونمات من أرض إسرائيل المقدسة. ألا توجد هنا "سيطرة أجنبية" على الأرض؟ صحيح أن تلك الدونمات كانت تملكها الى الآن "إيبكس" البريطانية، لكن ذلك يجوز للبريطانيين أما الصينيون فلا. وهكذا يتصل اليسار البلشفي باليمين الحالم تحت راية القومية والعنصرية.
ترى يحيموفيتش أن شركة الكهرباء أو "مكوروت" وهما شركتان حكوميتان لهما الحق الكامل في شراء شركات في الخارج بل في المشاركة في مناقصات في أنحاء العالم. فلا بأس بذلك لأنهما إسرائيليتان. لكن هل تشتري شركة حكومية صينية شركة إسرائيلية؟ هذه تصفية.
تُسمي يحيموفيتش صفقة البيع "ضخا ورضاعة واستغلالا وسيطرة... وخطوة أخرى لتسليم ثروة ضخمة الى لاعبين مضاربين قليلين ودول أجنبية". وهذا أسلوب كلام لا يمكن أن يُسمع اليوم إلا في كوريا الشمالية.
إن "برايت فود" هي بالضبط عكس لاعبة مُضاربة، فهي شركة أغذية ضخمة مع ربح يبلغ 17 مليار دولار، وهي ثاني أكبر مجموعة أغذية في الصين ولها مصانع في فرنسا وبريطانيا ونيوزلندة الجديدة وأستراليا. فهل حذروا هناك أيضاً من "الصينيين"؟.
كانت "برايت فود" تبحث منذ سنتين عن مصنع كبير متقدم في مجال الحليب كي تستطيع توسيع مبيعاتها في السوق الصينية النامية. فمستوى العيش في الصين في إرتفاع وطلب منتوجات الحليب يزيد زيادة سريعة بـ 12 بالمئة كل سنة، في حين ما زال استهلاك المستهلك الصيني للحليب قليلاً جدا قياسا بالغرب، أي أنه توجد هنا طاقة ضخمة لـ "تنوفا" على التوسع لأنها قد استنفدت في إسرائيل قدرتها على النمو.
لكن لم تبرهن يحيموفيتش وحدها على غوغائية وعدم فهم بل فعل ذلك عضو الكنيست افيشاي برفرمان أيضاً، فتحدث هو أيضاً عن بيع "تنوفا" وكأنه كارثة بقوله: "سنصبح دولة لا صلة لها بالأرض". فما الصلة؟ "أريد سيطرة إسرائيلية على شركات". هل مثل نوحي دانكنر مثلاً؟ كنا نأمل مدة سنين وجود مستثمرين دوليين يأتون ويستثمرون ويطورون. وقد بسطنا لهم البسط الحمراء والمليارات. فهل أصبحوا مرفوضين فجأة لأنهم "صينيون"؟.
لن تسرق "برايت فود" الأبقار والحليب والأرض من برفرمان، بل سيبقى كل شيء؛ كل الإسطبلات وكل المصانع. فهي ترى أن تنوفا استثمار استراتيجي للمدى البعيد. ولم تأت "للقيام باستدارة" مثل "إيبكس".
ولهذا فإن الأمر فضلاً عن أنه ليس كارثة هو فرصة عظيمة لـ "تنوفا"، وهو الهدية الأحسن التي يمكن أن يحصل عليها عمال "تنوفا"، أعني موطئ قدم عند العملاق الصيني وهو ما سيفضي إلى زيادة عمل وزيادة دخل. وهذه بشرى خير أيضا للكيبوتسات والقرى الزراعية وأصحاب الاسطبلات الذين سيزيد الطلب لحليبهم زيادة عجيبة.
تستطيع "تنوفا" أن تصبح عملاقاً دولياً يأتي بقدر أكبر من العمل ومن الدولارات للدولة وبقدر أكبر من الضرائب على الارباح وبقدر اكبر من التطوير والتقدم – وتريد يحيموفيتش أن تحرمنا من كل ذلك باسم البلشفية.
لنبق من وجهة نظرها منغلقين وصغاراً وفقراء وبائسين كما في كوريا الشمالية، فالشرط ألا يأتي "الصينيون" فقط.
