"تصور حلول عملانية لقضايا اللاجئين الفلسطينيين في لبنان من وجهة نظر مسيحيّة"، عنوان الكتاب الذي دعت دار الندوة لمناقشته مساء الخميس للباحث زياد الصائغ. وقد شارك في المناقشة الوزير السابق ميشال إده، والرئيس السابق للجنة الحوار اللبناني – الفلسطيني خلدون الشريف، والباحث في الشؤون الفلسطينيّة صقر أبو فخر.
الكتاب خلاصة مجموعة مقابلات قام بها الكاتب مع رجال دين، ورؤساء أحزاب ونشطاء من المجتمع المدني ينتمون جميعاً للطائفة المسيحيّة، وجميعهم أجمعوا على رفض التوطين لإعتبارات عديدة جاءت في الكتاب، ومنها إعتبارات سيادية وديموغرافية وتناقضات سوسيو- اقتصادية..
بداية، أشارت الباحثة سوسن مهنا، التي كانت تدير النقاش أنّ "هذا الموضوع قد نوقش كثيراً إن كان على الصعيد العالمي أو المحلي، ولكنّه للأسف ملف عصي على الحل ربما لتشعبّه أو ربما لأن الدول العربيّة متهالكة وطريق السلام ما زالت طويلة. "اللاجئون الفلسطينيون عانوا الأمرين"، تقول مهنّا إلّا أنها وفي حديثها عن معاناة الفلسطنيين تعفي الدولة اللبنانيّة من الملامة. فبرأيها: ملف اللاجئين الفلسطينيين أكبر من قدرة إستيعاب الدولة اللبنانيّة، خاصّة مع تزايد عدد اللاجئين وفي ظل ضعف الدعم الدولي والعربي، كما لفتت مهنا النظر إلى أنّ "المخيمات الفلسطينيّة أصبحت مرتعاً لكل أنواع التطرّف والإرهاب، ومأوى للهاربين من وجه العدالة. الأمر الذي حوّل المخيمات إلى جزر شبه معزولة عن محيطها الإجتماعي بوصفها خطراً يهدد الأمن اللبناني".
"فلسطين، هنا والآن"، هكذا عنون خلدون الشريف مداخلته، مؤكداً أن الوقت لم يعد يتسّع للتعاطي مع ملف اللاجئين الفلسطينيين بترف ولا يسمح أيضا للتغاضي عن ما هو آت، وإذا لم تقم الدولة بواجباتها "رح ناكل الضرب". فـ"على الدولة اللبنانيّة أن تدرك وتحدد أين يقف لبنان وأين يجب أن يذهب وكيف". وأشار الشريف إلى أنّ "منع التوطين لا يكون إلا من خلال التمسّك بالحقوق ولكن الأهم هو تحفيز الإمكانيات التشريعيّة والتنفيذيّة والإقتصاديّة والعسكريّة والدبلوماسيّة لتثبيت هذه الحقوق والحفاظ عليها. وقد أشار إلى أنّ الجهد الذي قام به زياد في كتابه يستحق التنويه والتقدير لكون الدراسة توضح التحول الإيجابي ولو نظريّا لنظرة المسيحيين للوجود الفلسطيني في لبنان.
وقد وافق الشريف على ما أتى في الدراسة على أنّ ملف الفلسطنيين هو ملف دولي أولا، وإقليمي ثانيا ووطني ثالثا. هو دولي لأن مقررات الأمم المتحدة إلتزمت حق العودة في القرار 194، ولأن المفاوضات بين العرب وإسرائيل لم تكن يوما إلّا برعاية دولية وأبرزها رعاية الولايات المتحدة الأميركية، وإقليمية لأن سلاح الفلسطيني إستعمل لأغراض إقليمية ضمن اصطفافات بالمحاور العربية ولأن كلّ التسويّات تمر حكما من الإقليم إلى لبنان. أما على المستوى الوطني فلبنان لم يقم بواجبه تجاه نفسه وتجاه أبناء شعبه، لذلك هو لم يستعد لأي مرحلة جديدة من دون إعداد أي صيغة لمواكبة وتطوير التعاطي مع الملف الفلسطيني من زاوية وطنية وسيادية.
الوجود الفلسطيني في لبنان، بحسب دراسة صائغ يرتكزعلى ثلاث قوائم : "رفض التوطين وحق العودة، السلاح الفلسطيني داخل وخارج المخيمات، الحقوق المدنية للفلسطينيين في لبنان". هذه القوائم الثلاثة كانت دائما مدار بحث وصراع بين الفئات اللبنانينة المختلفة كيفما تبدلت أسمائها. وفي خضم هذا النقاش كانت الدولة اللبنانية شبه غائبة لأن الدولة بمكوناتها لم تتوحد حول كيفية التعاطي حول الوجود الفلسطيني في لبنان
أما الحلول والتوصيات التي يتبناها الشريف فتتمثل بخلق هيئة واحدة تتعاطى مع الملف الفلسطيني بكل أبعاده السياسية والأمنية والإقتصادية والإجتماعيّة، وإجراء مسح دقيق للوجود الفلسطيني للبنان من خلال إنشاء مرصد وطني لبناني للشؤون الفلسطينية. المساهمة في إعداد ملف لبنان التفاوضي حول قضية اللاجئين وحق العودة وتعزيز ودعم الحوارات اللبنانية الفلسطينية ومتابعة ورصد الشؤون الفسطينية عالمياً وإقليمياً ودولياً.
من جهة أخرى، كان لأبو فخر بعض الملاحظات على النص لا سيما تلك المتعلّقة بإشكالية الحقوق الانسانية. وبحسب الصائغ فإن تحسين شؤون اللاجئين هو مسؤولية دولية، وعليها الأخذ بالإعتبار خصوصيّة المجتمع اللبناني على المستويات الديموغرافية والاقتصادية والإجتماعية . أما أبو فخر فرأى أن الحقوق الفلسطينية لا تؤثر في خصوصية المجتمع اللبناني ومسؤولية الدولة اللبنانية في هذه المسألة تأتي قبل المسؤولية الدولية والعربية. والدولة اللبنانية ليست عاجزة عن تأمين حاجات اللاجئين كما ورد في الدراسة بل هي ممتنعة عن ذلك. كما أنّ النص يتمنع عن الإقرار بحق الفلسطينيين في العمل بالمهن الحرّة، نظراً لما يؤدي ذلك من منافسة بين اللبنانيين والفلسطينيين. إلا أن ذلك يفقد للبنان صدقيته بحسب أبو فخر، فلبنان لم ينفذ أي بند من البنود الأساسية لإتفاقية اللاجئين التي وقع عليها لا سيّما المادة الرابعة: "توفر الدولة التي تستضيف اللاجئين معاملة متساوية لتلك التي تعامل بها مواطنيها"، والمادة 22: "حق اللاجئ في المساواة مع المواطنين فيما يتعلق بتشريعات العمل والضمان الاجتماعي". وأوضح أبو فخر أنّ التصوّر الذي صاغه الصائغ يخالف معاهدة اللاجئين حين يقترح أن تكون حصة اللاجئين في التعليم من ضمن حصة الرعايا الأجانب، بينما لا يمانع تمييز الفلسطينيين عن الأجانب. فمن جهة ينزع إلى تمييز اللاجئين في الاستفادة من الخدمات التربوية، وفي الوقت نفسه يمنح الأجانب الأفضلية على الفلسطينيين في التملك. "النص يعتبر التملك توطيناً ما يحتم رفضه"، وفق أبو فخر. وهذا الأمر "غير صحيح. ما يؤدي إلى التوطين هو التهميش والتضييق والاستثناء".
مداخلة إده خصّصت للحديث عن تاريخ الحركة الصهيونيّة منذ بدئها حتى اليوم وعن الفلسطينيين والظروف التي مروا بها والإنتفاضات وتأثيرها على الإسرائيليين. كما تطرق إلى الحديث عن حق الفلسطينيين بالتملّك والعودة.
في نهاية النقاش كان للصائغ تعقيب سريع على بعض النقاط. النقطة الأولى، رد فيها على أبو فخر في ما خصّ إمتناع الدولة اللبنانية، ورأى أن "الإمتناع" فيه تواطوء ديماغوجي لأن السياق التي مرّت به العلاقات الفلسطينية اللبنانيّة حتّم هذا الإمتناع. النقطة الثانية متعلّقة بمطلب وضع المستوى الوطني أولاً بعلاقة لبنان باللاجئين وقد وصفه الصائغ بالمطلب الإسرائيلي. فبرأيه: تحميل الدول المضيفة مسؤوليّة اللاجئين وإخراج هذه المسؤولية من الأعباء الدولية والإقليمية يضع اللبنانيين في مواجهة الفلسطينيين والعكس بالعكس، في الوقت الذي يجدر بالطرفين أن يكونا في مواجهة إسرائيل، فالمستوى الدولي يتفوّق على الوطني.
المصدر: صحيفة المدن