/الصراع/ عرض الخبر

لنعترف بالنكبة، لنعد إلى أنفسنا

2014/05/15 الساعة 06:54 ص

هآرتس- بقلم: ديمتري تشومسكي

يدعي البروفيسور شلومو أفنري بأن الدعوة التي في افتتاحية "هآرتس" للإعتراف بالنكبة كالمصيبة الوطنية للشعب الفلسطيني تتجاهل حقائق لا جدال فيها، وهي بالتالي عليلة من الجانب الأخلاقي ("هآرتس" 5/5). الحقائق التاريخية التي تجاهلها أثار حفيظة البروفيسور أفنري هي رفض القيادة الفلسطينية والدول العربية قرار الأمم المتحدة في 29 تشرين الثاني 1947 بتقسيم بلاد إسرائيل إلى دولة يهودية ودولة عربية، المقاومة المسلحة لتنفيذ هذا القرار، والهزيمة التي تكبدوها في الحرب التي شنوها ضد الحاضرة الصهيونية ودولة إسرائيل. كل هذا أدى، حسب أفنري إلى "ما يسمى النكبة"، والذي ليس بالتالي بأي حال مثابة "مصيبة"، بل كانت نتيجة مأساوية للحسم السياسي الفلسطيني في المنع بعدوانية اقامة دولة يهودية في قسم من بلاد إسرائيل الإنتدابية.
 

لا خلاف في الحقائق. المشكلة هي أن أفنري إختار عرضها من خارج سياقها التاريخي الكامل، مما يجعل من الصعب الفهم الحقيقي لخلفية وأسباب حدوثها، ويمنع الاستيضاح العميق لـ "الجانب الأخلاقي" خلفها.
 

إن الحقائق التاريخية الجوهرية التي يفضل البروفيسور أفنري ونافي المصيبة الوطنية الفلسطينية تجاهلها، تتعلق بتاريخ وملابسات نشوء بلاد إسرائيل الإنتدابية التي على تقسيمها قررت الأمم المتحدة في 1947. فبلاد إسرائيل الانتدابية لم تكن موجودة قبل انهيار الإمبراطورية العثمانية، تصريح بلفور والمصادقة عليه في كتاب الإنتداب البريطاني. فقد نشأت كوحدة إدارية ذات مضمون سياسي في إطار توزيع غنيمة المنطقة العربية المبتورة عن الإمبراطورية العثمانية بين القوى العظمى الغربية، وإعلانها من قبل إحداها – ذات الحساسية البروتستانتية العالية بشكل خاص نحو البلاد المقدسة – كموقع سيقام فيه وطن قومي لشعب الكتاب المقدس. وذلك رغم أن اليهود كانوا في حينه أقلية صغيرة في بلاد إسرائيل، ودون أن تُسأل أغلبية سكانها الذين وصفتهم القوة العظمى ذات الانتداب كمجموعة من الطوائف عديمة الإرادة السياسية الجماعية، والتي حكم عليها بأن تتحول من أغلبية إلى أقلية في وطنها.
 

ليس هناك شعب يحب الحياة كان في مكان الفلسطينيين سيسلم بمثل هذا القضاء دون مقاومة عنيدة، وما كان ليرى في قرار تقسيم وطنه سوى سطو في وضح النهار. بذات القدر، ليس هناك شعب محب للحياة ما كان في مكان اليهود الصهاينة ليفرح برعاية القوة العظمى وما كان ليستغل حتى نهايتها الفرصة لأن يبنى له الوطن القومي المنشود. بمعنى أن المقاومة الفلسطينية للنوايا الصهيونية العلنية في تحويل اليهود إلى أغلبية في البلاد كانت مبررة على نحو ظاهر من الجانب الأخلاقي، مثلما كان مبررا من الجانب الأخلاقي تطلع اليهود الذين رأوا في بلاد إسرائيل وطنهم المجيء للإستقرار فيها.
 

بالمقابل، فإن طرد أجزاء من الفلسطينيين من وطنهم، وكذا قرار دولة إسرائيل منع عودة اولئك الذين طردوا أو هربوا من بيوتهم كانا خطوة شريرة، لم توازي في شدتها رفض الفلسطينيين التحول إلى أقلية في وطنهم أو في قسم منه. وبالنسبة للسيطرة الإسرائيلية على أملاك جموع النازحين الفلسطينيين والتي ساهمت مساهمة غير قليلة في استيعاب جماهير المهاجرين اليهود وتعزيز الأساس المادي للدولة الشابة، فإن هذا كان سطوا وسلباً ونهباً على مستوى وطني فيه ما يلقي بوصمة عار أخلاقية على تاريخ الشعب اليهودي.
 

كيف يمكن لدولة جاءت لتكون ملجأ للاجئين من لظى النازية الساطين على الأملاك الخاصة والكرامة الوطنية أن تبيض أخلاقياً السطو على الأملاك الخاصة والكرامة الوطنية لشعب آخر؟ أحد السبل الناجعة لذلك هو تخيل ضحايا النكبة على صورة منفذي الكارثة. وهكذا تنشأ إذن عندنا المرة تلو الأخرى المقارنات المشكوك فيها بين عدوان المانيا النازية على جيرانها وبين المقاومة الفلسطينية للصهيونية وكأن السيطرة على الدول الأجنبية لغرض الحصول على "مجال معيشة" حكمها كحكم الرفض لاقتسام البلاد مع شعب نال الإذن (من أيدي المحتلين الأجانب)، لأن يبني فيها وطنه القومي. أو، مثلا، الميل المعروف لخريجي جهاز التعليم الإسرائيلي للتشديد على حقيقة تواجد المفتي في برلين في فترة الحرب العالمية الثانية، وكأنه يوجد في هذه الحقيقة ما يفيدنا بقرب الوطنية الفلسطينية من الآيديولوجيا النازية. مثل هذه المحاولات مدحوضة من ناحية تاريخية، وتلحق ضررا سياسياً هائلاً في أنها تغلق مسبقا كل إمكانية للمصالحة الإسرائيلية – الفلسطينية. وذلك لأنه لا يمكن تصور أي تسوية مع النازيين الجدد.
 

إن رفض إسرائيل العنيد الإعتراف بدورها الجوهري في المسؤولية عن أحداث النكبة وآثارها يساهم مساهمة مشكوك فيها في صد ميل المصالحة مع الشعب الفلسطيني والدول العربية، ويمنع الإصلاح الأخلاقي – التاريخي الداخلي للصهيونية. وخلافاً للاستنتاجات المتسرعة لبعض من المؤرخين ما بعد الصهاينة، فإن ميول الترحيل كانت غريبة عن قلب الآيديولوجية الصهيونية قبل نهاية الثلاثينيات من القرن الماضي. فالأغلبية اليهودية في البلاد تطلع الصهاينة لأن يحققوها من خلال هجرة اليهود، وليس في ظل اقتلاع الفلسطينيين. وذلك، بالتعليل الأخلاقي العميق، الذي تكرر المرة تلو الأخرى لدى معظم التيارات الصهيونية، من "تحالف السلام" في اليسار وحتى جابوتنسكي في اليمين، وبموجبه حذار على الحركة الوطنية للمضطهد بين الشعوب أن يتبنى، لدى عودته الى وطنه القديم – الجديد، أساليب مضطهديه.
 

هذا التعليل، الذي كان مركزياً في وعي الصهيوني الأولي، أُهمل في ضوء صدمة الكارثة، التي دفعت الصهيونية إلى فقدان يقظتها الأخلاقية، مما أتاح لها أن تحدث النكبة. وبالإعتراف بالنكبة وبحق اللاجئين الفلسطينيين بالعودة إلى وطنهم، ستعيد الصهيونية هويتها الأخلاقية الأصلية، التي فقدتها في لظى القرن العشرين اللعين.

 

رابط مختصرhttps://alqudsnews.net/p/59204

اقرأ أيضا