نشرة الجهاد
انتهت في التاسع والعشرين من نيسان الماضي، فترة التسعة أشهر التي حددها وزير الخارجية الأميركية جون كيري للمفاوضات بين حكومة العدو الصهيوني و"سلطة" الحكم الإداري الذاتي المحدود، بدون أن يتمكن من جسر الهوة بين الطرفين المتفاوضين، أو التوصل إلى "اتفاق إطار"، كما كان يتوقع.
ورغم المساعي التي بذلها المندوب الأميركي مارتن أنديك في الأسابيع القليلة الماضية، والتي تمحورت حول ضرورة تمديد المفاوضات حتى نهاية العام الجاري على أقل تقدير، بقيت الفجوة واسعة بين المتفاوضين، خاصة بشأن إشهار "السلطة" اعترافها بيهودية الكيان، من جهة، وتمسك حكومة العدو بالتوسع الإستيطاني، وبسلة إجراءات أمنية تشرعن بقاء القبضة العسكرية الصهيونية في الأراضي المحتلة عام 67، من جهة اخرى. فالعدو أكد خلال جولات "الحوار" المكوكية، على ضرورة بقاء قواته في وادي الأردن؛ وبناء محطات إنذار مبكر على قمم التلال والمرتفعات الإستراتيجية في الضفة؛ ووضع ترتيبات خاصة بالطرق الجوية المؤدية لمطار "بن غوريون"؛ والوصول إلى الطرق والممرات الرئيسية في شرق وغرب الضفة الغربية والسيطرة عليها؛ وإدارة ومراقبة المجال الجوي والطيف الكهرومغناطيسي في الأراضي المحتلة؛ ناهيك عن تمسكه باستمرار سياسة التوسع والتمدد "الإستيطاني"، إضافة إلى تفاصيل أخرى متعلقة بنزع سلاح "الدولة الفلسطينية" المزعومة!..
في ضوء ما أشيع عن "فشل" هذه المفاوضات، و"تعثر" مهمة جون كيري، أوقفت حكومة العدو الإفراج عن الدفعة الأخيرة من الأسرى الفلسطينيين ما قبل "أوسلو" 1993، بمن فيهم أسرى الداخل الفلسطيني عام 48، وهدَّدت باتخاذ إجراءات وعقوبات إقتصادية ضد "السلطة"... في حين وقَّع محمود عباس على طلبات الإنضمام إلى 15 هيئة دولية، ووجه وفداً من "منظمة التحرير" إلى غزة لإنجاز المصالحة بين حركتي "فتح" و"حماس"، والتي تكللت (يوم الأربعاء 23/4/2014) بموافقة الطرفين على ضرورة السير باتجاه ترجمة بنود اتفاق القاهرة وإعلان الدوحة. والإتفاق على تشكيل حكومة "كفائات وطنية" خلال خمسة أسابيع تكون مهمتها التحضير لإجراء انتخابات عامة "رئاسية" و"تشريعية" و"مجلس وطني" خلال ستة أشهر على الأقل، وتعالج كل القضايا الخلافية المتعلقة بملفات: الحريات العامة والأمن والتوظيف والإعتقال السياسي والإعلام.
وقد رأى بعض السياسيين والإعلاميين في هذه الخطوة "انتصاراً" للسلطة الفلسطينية في رام الله التي تمر بأزمة سياسية كبيرة، من شأنه أن يعيد لمحمود عباس السيطرة على قطاع غزة، ولحماس المحاصرة في القطاع أن تخرج من عزلتها المتزايدة، بعد الحصار المطبق وتدمير الأنفاق، الذي حرم الغزيين من الكثير من عوامل صمودهم واستمرارهم على قيد الحياة.
إن انشغال الفصائل والقوى والحركات الفلسطينية ووسائل الإعلام بمجريات المصالحة، لم يغيب ملف المفاوضات عن الواجهة، التي وصفها البعض بأنها فاشلة، وعبثية وعقيمة، وقال عنها البعض الآخر بأن حكومة العدو استخدمتها - في ظل تواطؤ الإدارة الأميركية – "كغطاء لمواصلة نشاطات إستيطانية غير مسبوقة، وفي مواصلة سياسة التهويد والتطهير العرقي التي تمارسها في مدينة ومحافظة القدس وفي مناطق الأغوار الفلسطينية"...
ولم تحجب أخبار "الإنجاز" الغزي التساؤلات الكثيرة عن أسرار هذه المفاوضات التي جرت بعيداً عن نظر وسمع الفلسطينيين، عامة، والمنظمات والحركات والقادة، خاصة، وطبيعة العُقد التي واجهتها، وأدت لفرملة عجلاتها، وحدَّت من طموح الراعي الأميركي، واستدعت تحركه المكوكي لتمديد المفاوضات حتى نهاية العام الجاري على أقل تقدير!..
فبماذا اصطدمت المفاوضات يا ترى؟
وحدهم مفاوضو "السلطة" إلى جانب تسيبي ليفني وإسحق مولخو، وجون كيري ومارتن أنديك، من يعلمون أسرار الطبخة التي يعدونها للقضية الفسطينية خلف الجدران، والتي يدرك الفلسطينيون بحسهم الوطني، وإدراكهم، وعمق تجاربهم المديدة، أنها تصب في مصلحة كيان العدو أولاً وأخيراً، وهو الذي يستثمرها من أجل التوسع والتمدد الإستيطاني، وزيادة أعداد المستوطنين، وتسريع مخططات التهويد والصهينة وتنفيذ سياسات التطهير... ودليلهم على ذلك اتفاق "أوسلو" الذي أتاح للعدو التوسع والتمدد السرطاني في كل اتجاه، ونجح في تحويل "السلطة" وأجهزتها الأمنية إلى حراس للمستوطنات، وتوفير الأمن للمستوطنين، وهو ما أكسب الإحتلال الصهيوني صفة "أرخص احتلال في التاريخ"!..
إن إجماع أهل "السلطة" على وصف المفاوضات بأنها: عبثية وفاشلة وعقيمة، يستدعي بالضرورة وقف هذه المهزلة – المأساة - والخروج من هذا النفق المظلم، الذي كان وما يزال وبالاً وخراباً على الشعب الفلسطيني وقضيته الوطنية.
فهل يشكل اتفاق المصالحة اليوم فرصة للخروج من المأزق؟ أم ان المفاوضات ستبقى الرهان الأول والأخير؟..
