هآرتس- بقلم: يحزقيل درور
وزير الخارجية الأمريكي جون كيري جدير بالثناء على مساعيه لتقدم السلام الإسرائيلي – الفلسطيني. ولكن اختبار النتيجة يثبت بأنه ارتكب عدة أخطاء جسيمة.
الخطأ الأول هو الثقة الزائدة بالدبلوماسية الشخصية. فمسيرة السلام الإسرائيلية – الفلسطينية عالقة منذ زمن طويل. وكان يفترض بكيري أن يفهم بأنه لا أمل في أن يؤدي جهد من نوع "المزيد من ذات الشيء"، حتى وإن كان نشطا، من الدبلوماسية الشخصية إلى إخراج
المفاوضات من الوحل. لا يدور الحديث هنا عن غرور من جانب كيري، على نمط "أنا سأنجح حيثما فشل الآخرون"، بل عن خطأ منتشر في عصرنا – الإيمان بأن التدخل الشخصي لأصحاب المناصب العليا يمكنه أن يغير أوضاعاً من الجمود السياسي. عندما تكون مصالح حقيقية وقيم مركزية على جدول الأعمال، فإن المحادثات الطويلة، وحتى "الضغط المعتدل" لن تحقق شيئا.
خطأ أكثر جسامة بأضعاف هو التمسك بـ "مفهوم" ثبت أنه غير صحيح. فالفكر السائد يرى العلاقات بين إسرائيل والفلسطينيين بأنها تقف بقدر كبير بحد ذاتها، ويفترض بأنه يمكن مواجهة هذا النزاع بشكل منفصل عن النزاع العربي – الإسرائيلي بعمومه. فالفشل الدائم للمفاوضات بين إسرائيل والفلسطينيين وخيبات الأمل من اتفاقات اوسلو ومن الإنسحاب من غزة تثبت بأن ليس الأمر هكذا. فالتعمق بالمسألة يبين بأن الأقانيم التي يقف عليها المفهوم الدارج متهالكة، وأن المخاطر الكامنة فيه لا تقل عن المخاطر التي كانت في المفهوم الذي أدى الى اخفاقات حرب يوم الغفران. فهو يتجاهل كون الفلسطينيين لا يمكنهم أن يقدموا لإسرائيل ذخائر متساوية القيمة للإنسحابات المطلوبة منها، وكذا ضمن أمور أخرى، الإنسحاب من غزة، رغم أنه جزءاً لا يتجزأ من الموضوع.
واضح أنه لا يمكن الوصول إلى اتفاق ذي مغزى دون انسحاب إسرائيلي الى حدود 67، إلى هذا الحد أو ذاك، وتسوية خاصة بالنسبة للقدس. ولكن تقديرا سياسيا واقعيا يؤدي إلى الاستنتاج بأن ليس لدى الفلسطينيين ذخائر تبرر تنازلات إسرائيلية بعيدة المدى. فالروايات التاريخية المتضاربة، والمفاهيم المختلفة عن "العدالة" والقيم المتناقضة لا توفر أساسا لاتفاق في غياب مقابل حقيقي. ينبغي الأخذ بالحسبان، ضمن أمور أخرى، بأن الفلسطينيين لا يشكلون خطرا استراتيجيا على إسرائيل؛ واتفاق سلام معهم بحد ذاته، في بحر من عدم الاستقرار، ليس قابلاً للحياة؛ والتلميحات بأن الإتفاق الإسرائيلي مع الفلسطينيين سيؤدي إلى سلام إقليمي شامل ليست مصداقة.
فمثلا، لنفترض أن اعترف الفلسطينيون بإسرائيل كدولة الشعب اليهودي. فلمثل هذا الإعلان وزن تاريخي للريشة مقارنة بعمق النزاع العربي – الإسلامي – اليهودي – الإسرائيلي.
وبالمقابل، فإن سفارات إسرائيلية في الرياض وفي طهران تصل إلى الكتلة الحرجة اللازمة لإنهاء النزاع بعمومه على مراحل. ومع أن التفكير ضيق الأفق سيرى في وجود سفارات كهذه رؤيا غير واقعية، فإنها بالتأكيد مثابة الممكن في إطار اتفاق شرق أوسطي شامل.
وعليه فقد كان ينبغي للولايات المتحدة أن تفكر بشكل إبداعي وألا تتمسك بالمفاهيم الدارجة عن النزاع، قبل أن تبعث إلى هنا بوزير خارجيتها. كان ينبغي بصفته مندوبا خاصاً أن يعين إلى جانبه رجلاً مع "رأس مفتوح" ليس أسير الفكر القديم بسبب سنوات طويلة من العمل بموجبه (وهو الحال أيضا بالنسبة للإسرائيليين الذين يعنون بالمفاوضات). فمواجهة متطلبات النزاع تحتاج أكثر من مجرد فكر جديد أساسه السير المباشر نحو اتفاق شرق أوسطي شامل، لا تكون الدولة الفلسطينية سوى عنصرا واحدا فيه. مطلوب أيضا استخدام قوة كبيرة. كان ينبغي للرئيس الأمريكي أن يقرر إذا كان هو شخصياً، وخلفه كل قوة أمريكا، مستعدا لأن يتفانى في سبيل التقدم على مراحل لسلام عربي إسرائيلي شامل – في ظل عرض خطة شاملة، تتضمن كميا كبيرة من "العصي والجزر" – أو إعطاء أولوية لمواضيع أخرى، كالوضع الجغرافي – الإستراتيجي في آسيا. أما ترك وزير الخارجية وحده، وعلى كاهله كل عبء النزاع الفلسطيني الإسرائيلي، فإنه وصفة للفشل.
إن العلاقات الخاصة مع الولايات المتحدة حيوية لأمن إسرائيل. ولهذا فإن علينا أن نكون قلقين جدا من نواقص التفكير الإستراتيجي الشامل لديها، مثلما وجد الأمر تعبيره، ضمن أمور أخرى، في مهامة كيري. والأحاديث في إسرائيل عن "إيجاد بديل" للولايات المتحدة بسبب الخوف من هبوط تأثيرها وتآكل تأييدها في إسرائيل، ليست سوى وهم خطير. فالسبيل الوحيد للتعويض عن أخطائها هو مبادرة سلام إقليمية إسرائيلية مصداقة، بالتنسيق مع القوة العظمى الأمريكية، تستند إلى تفكير سياسي إبداعي فائق. ولكن في هذه الأثناء لا ذكر لمثل هذا التفكير.
إن للوضع البشع الذي تعيشه المسيرة السلمية آثارا خطيرة على نحو خاص، في ضوء سياقات التغيير الشاملة التي يجتازها العالم اليوم. وتنطوي هذه السياقات على مخاطر جسيمة، إلى جانب فرص ذهبية، لإسرائيل وكذا للشعب اليهودي بعمومه. ولكن هذا الموضوع يحتاج إلى بحث منفصل.
