/الصراع/ عرض الخبر

شرعية غسل الدماغ

2014/05/05 الساعة 06:40 ص

هآرتس- بقلم: نمرود ألوني

في حياة أبويّ لم يكن موعد مفرح أكثر من يوم الاستقلال. اسرائيليان طليعيان، يهوديان جديدان مع الظهر للمنفى والوجه للإنبعاث، قاتلا في سبيل سيادة إسرائيل كوطن قومي للشعب اليهودي. فرحهما هذا تسلل إلى عظامي كموضوع طبيعي – تراث الآباء، لغة الأم وفرحة البعث – ارتباط أولي يمتص تماماً كحليب الأم ومشاهد الصبا.
كرجل راشد تعلمت بأن ارتباطا أوليَاً مشابهاً لارتباطي ولكنه يختلف من الأقصى إلى الأقصى في مضامينه اجتازه أيضاً عرب إسرائيل، العرب الفلسطينيون. في بداية القرن العشرين كانوا هنا أغلبية ساحقة (7 أو 8 أضعاف الجمهور اليهودي) وحرب الاستقلال والإنبعاث خاصتنا كانت حرب الخراب والمصيبة – النكبة – خاصتهم. هذه هي الحقائق، ووعي كل ولد يهودي وفلسطيني، ينكوي بالارتباط الذي اجتازه في مطارح وجوده الأهلي وثقافته.
الغريب، أن لم نقل المخيف، هو إصرار المؤسسة الحاكمة الإسرائيلية على محو هذه الحقائق الإساسية وإقصاء الفلسطينيين عن واقع الحياة في بلادنا المشتركة. وقد بلغت الأمور حد أنه حتى في أوساط معظم الجمهور العلماني تجذر النهج الأصولي الذي عرضه مؤخرا النائب موتي يوغاف من "البيت اليهودي" (كاستفزاز لممثل الإتحاد الأوروبي) في أن "الرب تعالى إسمه أعطى بلاد إسرائيل لشعب إسرائيل". الفكرة السائدة في أوساط العديد من الإسرائيليين اليهود هي أن الفلسطينيين ليسوا سكاناً أصيلين، وأن هذه البلاد ليست وطنهم، وأنهم سكان مشروطين ومسموح لهم العيش هنا معنا بفضل موافقتنا السخية وتسامحنا المتنور. وليكن واضحا لكم بأن هذه الفترة لا توشك على التغير من حيث أن السياسة الرسمية هي أنه في موضوع بلاد إسرائيل توجد حقيقة واحدة – لا توجد روايات مختلفة، وفي جهاز التعليم محظور التعليم في أنه قد تكون رؤية أخرى.
عند السعي إلى ضرب مثال على مدى غسل الدماغ الصهيوني عندنا، والذي يوجد حقا "تحت أنفنا" (على حد قول اورويل)، نميل إلى الإشارة إلى نهج المستوطنين اليهود في عهد ما قبل الدولة، والذين هم "شعب بلا بلاد" ممن جاؤوا إلى "بلاد بلا شعب". ولكن هذا القول لاغٍ وملغي بانغلاق الحس الإقصائي الخاص به، مقابل أمور اختبرتها مؤخرا مع طلاب في صفي.
في أحد دروسي أشركتهم في التنوع المعرفي الذي اختبرته قبل بضع سنوات في ضوء القصة التوراتية عن الدخول القتالي لبني
إسرائيل إلى بلاد كنعان: من جهة فرحة التجسد في ضوء الاحتلال والاستيطان في بلاد المعياد، ومن الجهة الأخرى عدم التسليم بغرور القوة والتعالي لبني إسرائيل بمطالبتهم شعوب بلاد كنعان النهوض وإخلاء بلادهم في صالح الآخرين ممن وصلوا لتوهم. فهل يخيل لكم، كما تحديت تلاميذي، أن يكون أحد ما منكم أو من مواطني العالم في عصرنا يقبل "بوعد الهي" كمبرر لاستعمال أزعر كهذا؟ وها هو، قبل أن أنهي تساؤلي الأخلاقي، أجابني أحد الطلاب، وهو علماني صرف دون أن يرف له جفن: "ماذا يعني هذا، فهذه بلاد وعد بها إبراهيم رب إسرائيل – وهي بلاد الشعب اليهودي" (وبذات القطع يعتبر خروج مصر او ملوكية شلومو حقيقة أقوى بكثير من وجود مئات القرى العربية في إسرائيل في بداية القرن العشرين).
واليكم تنوع معرفي آخر: لو أننا سلمنا بغسل الدماغ كسبيل شرعي لكي الوعي، لقلنا حسنا. ولكن كإسرائيليين ويهود تمتلىء البلاد بالإنتقاد على غسل الدماغ المخيف الذي يجري لدى الآخرين. هكذا مثل غسل الدماغ الديني من النوع الذي أدى بالمسيحيين، الذين يدعون محبة الإنسان وبإسم سيدهم اليسوع، إلى مطاردة اليهود وإحراق الكفار؛ أو من النوع الذي أدى بمتزمتين مسلمين من أبناء عصرنا، زعما بإسم الجهاد، إلى قتل الآلاف ممن تختلف عقائدهم، والتنكيل بالنساء دفاعاً عن شرفهن. ماذا يمكن القول؟ أصولية، فظاعة.
وبالنسبة للآيديولوجيات العلمانية للقرن العشرين يشارك الجميع هنا بالنفور الجماعي من أعمال القتل والجرائم الجماعية بشكل عام وكارثة يهود أوروبا بشكل خاص. هذه كانت نتاج انفعالات هائلة للدعاية وغسل الدماغ شوهت وعي الجماهير إلى أن رأوا في غيرهم ليس كبشر مثلهم بل مخلوقات عليلة متدنية، في كل الأحوال لا يستحقون حقوقا كاملة، انسانية ومدنية.
ولما كانت هذه حقيقة إنسانية أساسية، نلاحظ بسهولة غسل الدماغ لدى الآخرين ولكننا نستصعب جدا ملاحظة غسل الدماغ لدينا، يجدر بكل شخص نزيه أن يتحدى نفسه للتحرر من هذا الإنغلاق الحسي، ويكتسب بقدر أكبر استقلالاً فكريَاً ونزاهة ثقافية.
وبشكل ملموس، يمكن للناس أن يكونوا صهاينة طيبين، وأن يدعوا بأنه توجد وفرة من الصلات الجغرافية والتراثية وما يكفي من الحجج الأخلاقية والقومية، لتبرير بناء دولة إسرائيل، كوطن قومي للشعب اليهودي. لا حاجة لحجج من النوع الأصولي وبالتأكيد للمبررات الشوهاء لرفض صلة الفلسطينيين ببلادهم والتمييز بحقهم في حدود الخط الأخضر، وتخليد الحكم العسكري عليهم في الضفة الغربية. وذلك لأن المبررات المغروسة في "المسلمات الجماعية" وفي إنغلاق الحس التام تجاه روايات الآخرين هي من المؤشرات الواضحة لمرض "أنا وبعدي الطوفان". لا يمكن بأي حال أن تكون لها أي صلة بالقيم الأساس لـ "الحقيقة، والقانون، والسلام".

 

رابط مختصرhttps://alqudsnews.net/p/58686

اقرأ أيضا