مع كل المحفّزات التي يتمتع بها الاقتصاد التركي الصاعد الذي يحتل اليوم المرتبة السابعة عشرة في العالم، والطامح إلى أن يكون من بين العشرة الأوائل في العام 2020، تبقى أمامه عقبة رئيسية تكبح جماحه وتحد من طموحاته الفتية: الطاقة.
فهذا البلد الكبير المتميز جغرافياً بموقع إستراتيجي محوري، محكوم عليه بالمقابل بشحّ مصادر الطاقة فيه على أنواعها. ومع نمو الاقتصاد نمواً متسارعاً، نما بشكل موازٍ وكبير سوق الطاقة بمختلف قطاعاتها. فعلى امتداد العقد المنصرم احتلت تركيا المركز الثاني عالمياً ـ بعد الصين ـ في وتيرة ازدياد الطلب على الغاز والكهرباء. وفي تقرير لـ"وكالة الطاقة الدولية" توقعت أن تسجل تركيا في المديين المتوسط والبعيد النمو الأسرع في الطلب على الطاقة بين جميع دول الوكالة.
هذا الواقع أرغم تركيا على الاعتماد بشكل حيوي على مصادر الطاقة الخارجية لا سيما النفط والغاز. فهي اليوم تستورد حوالي 75 في المئة من احتياجاتها من مصادر الطاقة المتنوعة، وتدفع فيها فاتورة باهظة جداً تقدر بأكثر من 60 مليار دولار سنوياً أي أكثر من ربع فاتورة وارداتها الإجمالية. من هنا نشأت معضلة كبرى أمام القيادة السياسية التركية برزت أهميتها في السنوات العشر الأخيرة واحتلت بعداً جوهرياً في الأمن القومي التركي، وهي أمن الطاقة (Energy security).
لا تزال نقطة الضعف هذه تقلق صناع القرار في أنقرة الذين ما فتئوا يحاولون صياغة خطة قومية تدرء أخطار الخاصرة الرخوة وتوفر شبكة أمان للاقتصاد الوطني. بالطبع تقف تعقيدات المنطقة السياسية والجغرافية والتاريخية عقبة أمام بلورة هذه الخطة بشكل واضح ومفصّل، غير أن ملامحها تتبدى في الأبعاد التالية:
* تنويع تركيا من مصادر طاقتها الخارجية، وكذلك تنويع خطوط نقل هذه الطاقة.
* تحويل تركيا إلى "مركز عالمي للطاقة" وتقاطع لخطوطها، تماماً مثلما أضحت اسطنبول مركزاً لتقاطع الخطوط الجوية العالمية.
* زيادة الاعتماد على مصادر الطاقة المتجددة المنتجة في الداخل (من الهواء والماء والطاقة الشمسية)، وتضمين النووي في سلّة مصادر الطاقة الداخلية. وترشيد استخدام الطاقة واعتماد التكنولوجيا الحديثة في سوقي الإنتاج والاستهلاك.
في إطار هذه الخطة تتحرك السياسة الاقتصادية التركية. صحيح أن تركيا ما زالت تعتمد على روسيا بشكل أساسي في استيرادها الطاقة وخاصة الغاز الطبيعي. لكنها تستورد أيضاً ـ وإن بنسب أقل ـ من دول أخرى مثل إيران والعراق وأربيل وأذربيجان وقطر والجزائر وغيرها. المهم في هذا الموضوع هو محاولة إسرائيل مؤخراً الدخول كطرف أساسي في خطة تركيا القومية لأمن الطاقة فيها.
فقد توفرت معلومات تفيد بأن الإدارة الأميركية تحث تركيا على "شراكة طاقة" مع قبرص وإسرائيل بحيث يواجه هذا "الحلف الاقتصادي الثلاثي" القبضة الروسية القوية على سوق الطاقة في هذه المنطقة، ويحد من الطموح الإيراني ذي الإمكانات الكبيرة.
ووفقاً للمعلومات ذاتها، فقد توجه إلى اسطنبول في شباط الماضي وفد مشترك من شركة "Nobel Energy" الأميركية ومجموعة "Delek Consortium" الإسرائيلية لمناقشة إمكانية عقد صفقة مع تركيا حول إنشاء خط أنابيب لنقل الغاز الطبيعي الإسرائيلي إلى أوروبا عبر قبرص وتركيا. وأفادت التقارير أن الوفد الإسرائيلي ناقش مع الشركات التركية (Zorlu, Enka, Turcas وçalik) هذا المشروع بخطوطه العريضة.
تلحظ الخطوط العامة لهذا المشروع بناء خط أنابيب تحت سطح البحر بطول 450 كيلومتراً بحيث يمتد من حقل لفيتان البحري الإسرائيلي (الواقع على بعد 130 كيلومتراً غربي حيفا) وحتى مرفأ جيهان التركي. تبلغ سعة الخط 16 مليار متر مكعب، ويجري تشغيله من منصة انتاج وتخزين وتفريغ عائمة، قبل أن يتوجه شمالاً ـ شرقاً على امتداد الساحل القبرصي وبعمق ألفي متر، وذلك لاستحالة مروره طبعاً على الساحل اللبناني والسوري ـ الممر الأمثل لهذا الأنبوب. تقترح إسرائيل أن تشمل الشبكة خمسة أنابيب لنقل الغاز الطبيعي والنفط والمياه والكهرباء والألياف البصرية.
أمام هذا المشروع عوائق كثيرة، فتكلفته أولاً عالية جداً بحيث تقدر بحوالي 2,25 مليار دولار. هذه التكلفة، بالإضافة إلى تكلفة الإنتاج المرتفعة، حسب التوقعات، تضعان المشروع في منافسة حرجة مع مشاريع عملاقة أخرى في المنطقة مثل "Medgaz" و"South Stream" و"Blue Stream". ومع هذا يبقى خط الأنابيب أقل تكلفة على إسرائيل من بناء محطة تسييل وتوزيع على شواطيها أو في مياهها، ويجنبها مخاطر الشحن بناقلات النفط ومساراتها المحفوفة بالمخاطر. وتشاركها قبرص في هذه الرؤية للأسباب ذاتها، وتهدف إلى شبك خطوطها مع هذا الخط إلى تركيا ـ إذا ما أنشئ ـ لتصدير غازها من هناك. ومن المعلوم أن تركيا تمتلك بنية تحتية متينة ومحطات تسييل وتخزين وتكرير وتوزيع، مع خبرة جيدة في إدارة هذه القطاعات. كما تمتلك اليوم شبكة عملاقة من خطوط نقل الطاقة داخلياً ومع العراق وإيران وروسيا وأربيل وأذربيجان ورومانيا واليونان وإيطاليا.
على أن العوائق ليست محصورة بالأبعاد اللوجستية أو المالية فقط؛ فلعل العوائق السياسية أشد، أعصى. هناك أولاً مناخ قوي من عدم الثقة بين أطراف الحلف الثلاثة. لم يكن الشعور العام الشعبي التركي تجاه دولة إسرائيل يوماً "بالودود"، بل على العكس يمكن وصفه "بالكاره والمعادي" حتى في ذروة التنسيق السياسي والأمني بين الدولتين، وحتى في أيام الأتاتوركية والعلمانية المتشددة. وبالطبع لم يتحسن هذا الشعور مع وصول الإسلاميين إلى الحكم، بل إن ما كان يقال همساً بات يعلن جهاراً. وحادثة مافي مرمرة ـ بالمناسبة ـ لم تكن أحد أسباب تنامي هذا الشعور المعادي، بل كانت ترجمة له: من قبل الأتراك حكومة وشعباً الذين "غالوا" في حمل الراية الفلسطينية وحشدوا لمافي مرمرة كرمز لتحدي الدولة العبرية، ومن قبل إسرائيل التي تطرفت في ردها وأفرطت في استخدام القوة ضد الناشطين الأتراك وقتلت تسعة منهم.
ولعل هذا ما يفسّر ـ بنظر المراقبين ـ لواذ أنقرة بالصمت (اللافت) حيال اجتماعات اسطنبول ومشروع خط الأنابيب المقترح. فالقيادة التركية تعلم أن أي تقارب مع إسرائيل ليس بالورقة الرابحة شعبياً، وبالذات اليوم في حمأة الاستحقاقات الانتخابية، وخصوصاً أن تسوية نهائية لملف قافلة الحرية لم يتم التوصل إليها بعد.
أما مناخ "العدائية" التاريخي بين تركيا وقبرص (اليونانية) فهو ليس بحاجة لدليل وعمره اليوم 40 عاماً، ونيقوسيا تشترط اعتراف أنقرة بها وحل مسألة "قبرص التركية" قبل موافقتها على مرور الخط في منطقتها. ثم هناك إشارات مفادها انه حتى مناخ التفاهم بين إسرائيل وقبرص ليس بالثبات الذي تحاول تل أبيب إشاعته، فنيقوسيا تشكك بأن هذا الود الإسرائيلي المبالغ فيه سببه علاقة تل أبيب المتوفرة مع أنقرة، وأن الدولة العبرية لن تتردد في تبريد العلاقة معها إذا كان هذا أحد شروط تركيا لعودة المياه إلى مجاريها.
ثم يأتي اعتراض لبنان القوي على ترسيم إسرائيل لحدود منطقتها الاقتصادية الخالصة معه ومع قبرص، وكذلك الاعتراضان السوري والتركي، ليضيف إلى عقبات المشروع في بيئة مشحونة سياسياً في شرق البحر الأبيض المتوسط.
الولايات المتحدة تريد نواة "ناتو اقتصادي" يقف على حدود روسيا ويوازن سلاح الطاقة الخطير الذي تملكه. وإسرائيل تدرك عطش تركيا للطاقة وتسعى لاستغلال نقطة الضعف هذه بأن تشبك مصالحها الاقتصادية بأمن تركيا القومي. أما تركيا نفسها فتريد أن توازن بين استكمال خطط تحولها إلى مركز عالمي للطاقة وبين بناء تحالفاتها وفقاً لأمنها الإستراتيجي ومن دون أي ضغط من حليف أو جار أو مدعٍ للصداقة.
المصدر: السفير
