/منوعات/ عرض الخبر

معاناة الغزّيين مع الأمن الغذائي

2014/04/18 الساعة 10:55 ص

 مراجعة: د. عفيف رزق
[ الكتاب : السيطرة على الغذاء، السيطرة على الشعب
[ الكاتب : رامي زريق وآن غوف
[ الناشر : مؤسسة الدراسات الفلسطينية بيروت 2014

يقول هنري كيسنجر، وزير الخارجية الاميركية الاسبق : «سيطر على النفط، تُسيطر على الدول ؛ سيطر على الغذاء تُسيطر على الشعوب...» ينطبق هذا الكلام، تماما، على السياسة الاسرائيلية المتبعة في قطاع غزة فإسرائيل استخدمت الغذاء كإستراتيجيا من أجل السيطرة على الفلسطينيين منذ سنة 1948، وقد تطور هذا النهج حتى أصبح يُعمل به علنا بعد الحصار الذي فُرض على القطاع سنة 2006، أي بعد فوز منظمة حماس مباشرة في الانتخابات الاشتراعية. في تقرير نشرته منظمة الأغذية والزراعة (الفاو)، وبرنامج الأغذية العالمي عام 2011 عن نتائج هذه السياسة الاسرائيلية تبين أن أكثر من نصف الأسر في غزة كان يُعاني، سنة 2010 إنعدام الأمن الغذائي، أي عدم القدرة على الوصول الى غذاء كاف وآمن ومُغذ يُلبي الحاجات من أجل «عيش حياة نشيطة وصحية». اما الفصل الثاني من الكتاب فيخصصه الكاتبان للتحليل النظري لمفاهيم عامة تتعلق بالأمن الغذائي، كما تستخدمه المؤسسات والمنظمات الدولية وقد تطور هذا المفهوم والاستحققات المتعلقة به والحق في الغذاء وغير ذلك. تعتمد (الفاو) تعريف الامن الغذائي كما يلي: تمتع الاشخاص جميعهم في كل الأوقات بالحصول على الغذاء الذي يُلبي حاجاتهم...، يأخذ بهذا التعريف كثير من المؤسسات الدولية كالصندوق الدولي للتنمية الزراعية، والبنك الدولي، والمعهد الدولي لأبحاث السياسات الغذائية. يشرح هذا الأخير أبعاد هذا التعريف بالقول: يتحقق الأمن الغذائي في ظل التجارة الحرة، والتكثيف الزراعي، واستخدام التكنولوجيا الحديثة والاستثمار المتزايد في شركات القطاع الخاص، والتقيد بمعايير الجودة الدولية...، لكن، يرى الكاتبان، ان إحدى مشاكل هذه المقاربة للأمن الغذائي تكمن في افتراض تحرك الاسواق بإنصاف، لكن الادلة التاريخية تُثبت ان هذه الاسواق غالبَ ما تسير في الاتجاه المعاكس مما يُسبب زيادات كبيرة في الاسعار يدفع بالفقراء في الدول التي تعتمد على الواردات الغذائية الى حافة انعدام الأمن الغذائي وبالتالي الجوع... يستعرض الكتاب الخطاب التقليدي لمفهوم الامن الغذائي الذي يقوم على فصل الغذاء عن السياسة والارض. يرى أتباع هذا الخطاب ان الامن يتحقق عن طريق التزود بالغذاء بصرف النظر عن مصادره؛ الا ان حذف السياسة والارض من النقاش بشأن الموارد الطبيعية والقرارات الاقتصادية، يقول الكاتبان، يُعتبر إنكارا لعلاقات القوة العالمية التي تؤدي دورا في مقاربات الامن الغذائي. اما إنعكاسات هذه المفاهيم وتطبيقها بشكل سيئ، قد تؤدي، في كثير من الأحيان، الى نزوح جماعي للمزارعين الصغار عن الاراضي الزراعية الى المدن، هذا من جهة، ومن جهة أخرى، استحالة نجاح منافسة المزارعين الصغار في الاماكن الفقيرة للشركات الزراعية المتعددة الجنسيات وخصوصا اذا ما كانت هذه تحصل على إعانات من الحكومات فيتحول المزارعون الى عمال مأجورين ومستهلكين للمواد المستوردة الرخيصة. الى جانب ذلك، هناك الاستحقاقات، أي الحقوق السياسية والاقتصادية التي تُحدد قدرة مجتمع الوصول الى الغذاء. واذا كان مهما تأمين الغذاء، فالمهم ايضا هو كيفية الوصول اليه. لقد أظهرت الدراسات التي أجريت في هذا الإطار ان الذين يُعانون إنعدام الأمن الغذائي هم في معظم الاحيان الأكثر تهميشا على الصعيد السياسي وهؤلاء لا يستطيعون الوصول الى كثير من الاستحقاقات الاخرى كالمياه النظيفة، الاراضي المخصصة للزراعة، الحرمان من نظام الرعاية الصحية الفعالة وغير ذلك .
لكن ما هو واقع الحال بالنسبة لغزة التي ما زالت ترزح تحت نير الإستيطان الاسرائيلي منذ عقود؟
لقد أصبح قطاع غزة استراتيجيا»ومكانيا» تجسيدا للشعار الصهيوني القائل: «العدد الأكبر من العرب في المساحة الأقل من الأراضي». يبلغ تعداد سكان القطاع حوالى 1، 6 مليون نسمة؛ اما المساحة المخصصة لهؤلاء فهي لا تتجاوز الـ365 كيلومترا مربعا؛ وتُعتبر من أكثر الاماكن اكتظاظا» في الكرة الارضية؛ والحصار المفروض على هذه المساحة لا مثيل له في أي مكان آخر. يستعرض الكتاب من رزمة الاستحقاقات، أي الحقوق السياسية والاقتصادية التي تُحدد قدرة أي مجتمع الوصول الى الغذاء، سنناقش اثنين هما الارض والمياه، لجهة مدى تأثرهما بالسياسة التي تتبعها اسرائيل في هذه المنطقة ونتائج هذه السياسة وانعكاساتهاعلى السكان؟.

اولاً: الارض: على مدى مئات السنين، قبل الاحتلال الاسرائيلي، كان سكان هذه البقعة من الارض التي اصبحت تُعرف لاحقا بـ«قطاع غزة» يعتمدون على سهله الساحلي في الزراعة الحضرية، وعلى الارض الفاصلة المحيطة به في صحراء النقب للرعي. لكن هذا الوضع، ما لبث ان تغير بدءا من العام 1948، وذلك بعد بتره عن بقية فلسطين التاريخية « وبات يؤوي 250 الف فلسطيني اذ ألقت الزيادة الشديدة في أعداد السكان كنتيجة مباشرة لعمليات الطرد والتطهير « العرقي التي اخذت بتطبيقها السلطات الاسرائيلية المحتلة. بعد سنة 1967 أصيب القطاع بتدهور شديد عندما قررت اسرائيل توسيع مشروعها الاستيطاني باتجاه الضفة الغربية وقطاع غزة. وبما ان المستوطنات، حسب المفهوم الاسرائيلي هي، «زراعية ـ عسكرية في طبيعتها «فقد جمعت بين هدفين : مصادرة الاراضي الزراعية الفلسطينية وتعزيز الهيمنة العسكرية بالإضافة الى ذلك فرضت قيودا مشددة على الوصول الى الارض والغذاء وحتى مع اتفاقات اوسلو توسعت المستوطنات وباتت تحتل نحو 20 بالمئة من مساحة اراضي القطاع، و15 بالمئة كالمناطق الامنية والطرق الالتفافية وسواها من المناطق المغلقة ؛ وفي سنة 2005 عمدت اسرائيل الى « فك الارتباط « بقطاع غزة، اي أجلت المستوطنين جميعهم من القطاع، لكن ذلك لم يضع حدا لمصادرة الاراضي الفلسطينية، وفي حين وُصفت الخطوة بأنها عودة الاراضي الى ملاكها الاصليين الفلسطينيين، استمرت اسرائيل في اقتطاع مساحات متزايدة من الاراضي، حيث اصبحت المساحة المحظورة تقدر بحوالى الـ 24 بالمئة من مساحة غزة وذلك عام 2007 وبعد ان وسع الجيش الاسرائيلي، من جديد، عمق المنطقة الامنية الحدودية. وفي المحصلة النهائية، بات الفلسطينيون غير قادرين على الوصول الى 46 بالمئة من مجموع الاراضي الزراعية التي يملكونها في القطاع. كان من نتائج هذه السياسة التوسعية التي تسلكها اسرائيل شل قدرة الارض الانتاجية. ففي الفترة ما بين عام 1999و 2009 كانت الزراعة تؤمن وظائف لنحو 16 بالمئة من مجموع القوة العاملة في غزة، ونحو40 بالمئة من القوة العاملة غير النظامية، كذلك وفرت الزراعة فرصا اقتصادية للنساء اكثر من ميادين العمل الاخرى ؛ اما اليوم فاصبحت فرص كسب المعيشة في القطاع الزراعي شبه معدومة بسبب سياسات ضم الاراضي التي تنتهجها اسرائيل منذ وقت طويل. يضاف الى ذلك تدمير منهجي ومنظم للبنى التحتية وللموارد الزراعية يمارسها الجيش الاسرائيلي لدى توغله عندما يشاء داخل المدن والقرى الفلسطينية مما يسبب اضرارا كبيرة بالتربة السطحية ويرفع نسب التلوث والتصحر.الى جانب ذلك تُشير التقديرات الى ان الجيش الاسرائيلي اقتلع اكثر من 12 الف شجرة زيتون في غزة في الفترة بين عامي 2000 و2008.
ثانيا: المياه. تفرض اسرائيل عبر سياسة الاحتلال التي تطبقها، قيوداَ شديدة على الوصول الى المياه في غزة. الأمر الذي يؤدي الى انعكاسات سلبية على البيئة المائية التحتية، وعلى نوعية المياه ايضا. فنظام الصرف الصحي في حالة مزرية، وذلك بسبب الحصار الذي تفرضه السلطة الاسرائيلية منذ عام 2006 وتحجب عنه التمويل المخصص للتصليحات. ونتيجة ذلك ما حدث عام 2007 عندما غمرت المياه قرية أم النصر في شمال القطاع بإنهيار قنوات مياه الصرف الصحي... وفي العديد من المرات تعاني غزة من انخفاض حاد في كمية المياه العذبة المتوفرة للإستعمال اليومي ويُصاب المواطنون بأمراض متنوعة من استهلاك المياه الملوثة. وعندما دمرت الهجمات الجوية الاسرائيلية خلال « عملية الرصاص المصبوب «، أكبر مصنع لمعالجة مياه الصرف الصحي في غزة وتسبب ذلك بتسرب 100 الف متر مكعب من هذه المياه ومن رواسب المجارير الى المناطق والمزارع المجاورة، وتفاقم الوضع مع فرض الحكومة الاسرائيلية حظرا على كل المعدات اللازمة لتصليح ما خُرب...الى جانب ذلك هناك التقنين الكبير في المال المخصص من المساعدات لإصلاح شبكات الصرف الحي، ففي العام 1994 أنفق مبلغ خمسة ملايين دولار على المشاريع المائية، الا ان الرقم تراجع الى 1، 9 مليون دولار عام 2006. ويُقيم الكتاب مقارنة بين ما يُنفقه الاسرائيلي الواحد مع الفلسطيني الواحد لوجدنا ان معدل استهلاك المياه لدى الاول يصل تقريبا الى 300 ليتر يوميا للشخص الاسرائيلي الواحد في حين ان المواطن الفلسطيني لا يحصل الا على 20 ليترا يوميا... والسؤال الذي يُطرح، في هذا الإطار هو : هل هناك مشاريع للري في القطاع ؟ والجواب البديهي سيكون : اذا كان المواطن في غزة لا يستطيع الوصول الى اراضيه الصالحة للزراعة، واذا كان وضع المياه، كما ذكرنا أعلاه، والجواب هو لا!..

 

رابط مختصرhttps://alqudsnews.net/p/57785

اقرأ أيضا