قائمة الموقع

وثيقة أمريكيّة من 1886 للقنصل في القدس: برتقال يافا فلسطينيّ

2014-04-12T09:49:41+03:00

من منا لم يسمع عن يافا وعن برتقال يافا. اسم هذه المدينة ارتبط بأحد أهم الصادرات الإسرائيلية، وهي برتقال يافا، الذي يتمتع بشهرة وبمزايا عديدة، تميزه عن بقية أنواع البرتقال: فقشرته السميكة يمكن أن تحفظ الثمرة جيداً مدة طويلة من الزمن. كما أنه كثير العصارة، وعصارته هذه زاهية بلونها البرتقالي المميز، وبطعمها الحلو السكري.
كان البرتقال يشحن في صناديق خشبية وينقل بالسفن كتحية معطرة لذيذة من يافا لجميع أنحاء العالم. ومع مرور الوقت أصبح الاسم علامة تجارية، وبهذا الاسم تعرف العالم على هذا البرتقال، حتى استغلته إسرائيل لغرض الدعاية لها ووضعته على لوحات الدعاية السياحية لها، وبذلك قام بدور ما في صناعة السياحة.
علاوة على ذلك، أضفت الدعاية الإسرائيلية على جامعي البرتقال من مزارع المستوطنات المزيد من الإعجاب على البلد الصغير الواقع على البحر المتوسط، مثل صورة الفتاة الجميلة الواقفة مع سلال جمع البرتقال. ولكن في الواقع ليست هذا المنتج إسرائيلي، فهو موجود قبل ذلك بفترة طويلة، فالمزارعون العرب يزرعونه على شواطئ فلسطين منذ مئات السنين.
وقد خصص المخرج الإسرائيلي إيال سيفان فيلمه الوثائقي (يافا- ميكانيكية البرتقال) عن برتقال يافا، وتمّ عرضه في دور السينما الألمانية. في سينما (كينو آيستسايت) البرلينية في كرويتسبيرغ قدّم سيفان فيلمه هذا بالقول إنّه يشكل له ثمرة عمله المتواصل الذي بدأ في ثمانينات القرن الماضي. وأضاف المخرج الإسرائيلي قائلاً: في ذلك الوقت صورت أفلامًا عن اللاجئين الفلسطينيين، وتناولت عملية توظيف الذاكرة.
وفي فيلمه الوثائقي الجديد يسعى الآن إلى تقديم تصور مضاداً لكتابة للتاريخ الرسمي لإسرائيل. جمع سيفان على مدار خمس سنوات من العمل الشاق والدؤوب الآلاف من الوثائق والمواد الأرشيفية والصور والأغاني.
وقضى أكثر من أربع سنوات في العمل بالأرشيفات لجمع المواد، في حين استغرق التصوير وتجميع المشاهد سنة ونصف السنة حتى انتهى من الفيلم. والنتيجة التي خرج بها المخرج الإسرائيلي كانت تحفة فنية بحق، غنية بالمعلومات وبالجوانب المسلية، مختصرة ومضحكة في الوقت نفسه.
 على سبيل المثال عرض سيفان أحد الأفلام الدعائية القديمة على المؤرخ الإسرائيلي أمنون راز كراكوتسكين، وهو أستاذ في جامعة بن غوريون في بئر السبع، وأعلن صوت أحدهم في الفيلم بشكل درامي معلقًا على مشاهد قديمة بالأسود والأبيض: هذه أرض إسرائيل باتت خرابًا بعد طرد منها اليهود، فسقطت فريسة للجدب والبور، حتى عاد المزارعون اليهود إليها مرة أخرى. ويعلق أستاذ التاريخ على ذلك ضاحكًا: اليهود لم يطردوا من أرضهم، هم الذين ذهبوا وتركوا بلادهم. أسطورة الطرد هذه هي أسطورة مسيحية، استغلها الصهاينة فيما بعد لتبرير العودة إلى فلسطين. ولم يتتبع سيفان في فيلمه الوثائقي أسباب بزوغ أسطورة برتقال يافا فقط، لكنه أظهر نهايتها أيضاً، إذ اقتلع الجيش الإسرائيلي في مطلع هذه الألفية بقطاع غزة آخر أشجار البرتقال في المنطقة، للحيلولة دون اتخاذها كغطاء من قبل المقاتلين الفلسطينيين. وأعرب سيفان عن حزنه: “بأن تدمير بساتين البرتقال في غزة يعني نهاية زراعة البرتقال في فلسطين".
وفي البساتين القليلة الباقية يزرع الجريب فروت واليوسفي بدلاً من البرتقال، ولم يعد يزرع البرتقال في الأراضي الموجودة بين البحر المتوسط ونهر الأردن. يعتبر البرتقال اليافاوي اليوم، في الأسواق الغربية، أكثر المنتجات الزراعية تمثيلاً لجودة النتاج الزراعي الإسرائيلي. والواقع أن الخبرة الفلسطينية هي التي طورت زراعة البرتقال إلى المستوى المعهود قبل بدء الاستعمار الصهيوني لفلسطين. ولعل أطرف شاهد على ذلك، أنه في العام 1886 أرسل القنصل الأمريكيّ في القدس هنري غيلمان، تقريرًا إلى مساعد وزير خارجيته المستر ج. د. بورتر، أشاد فيه بالجودة العالية لبرتقال يافا، وبطرائق التطعيم المبدعة التي كان يستخدمها المزارع الفلسطيني.
واقترح، في تقريره، أن يقتبس المزارعون الأميركيون في فلوريدا أساليب زراعة البرتقال الفلسطينية. هذا ولم يستطع اليهود أن يجاروا مستوى الإنتاج الفلسطيني إلاّ في أواخر الانتداب. وعلى الرغم من ذلك، فقد بقي الإنتاج الفلسطيني من الحمضيات متفوقاً، كماً ونوعاً. يُشار إلى أنّه بحسب المعطيات الإسرائيليّة الرسميّة، قامت الدولة العبريّة في العام الماضي بتصدير 580 ألف طن من الحمضيات إلى خارج البلاد، الأمر الذي أدخل إلى ميزانية الدولة العبريّة مئات الملايين من الدولارات.
وتزرع إسرائيل البرتقال في 182 ألف بستان في جميع أنحاء دولة الاحتلال، كما أنّ الشركة الحكوميّة المسؤولة عن التصدير هي شركة (مهدرين)، التي اشترت الشركة السابقة (أغراسكو).

 


المصدر: “رأي اليوم”- زهير أندراوس

 

اخبار ذات صلة