لن يكون الثاني عشر من آذار / مارس (الماضي) كغيره من أيام قطاع غزة، والكتائب الفلسطينية المقاومة. لكونه أعاد رسم خارطة الصراع بعدما أصابها من تشوهات، وتوجيه البوصلة نحو العدو الرئيسي الذي يجب أن توجه إليه كل البنادق، وكل الصواريخ، وكل الجهود على الصعد والمستويات كافة...
ففي هذا اليوم أطلقت "سرايا القدس" الجناح العسكري لحركة الجهاد الإسلامي في فلسطين، وغيرها من القوى المقاومة، عملية "كسر الصمت"، وقامت بتوجيه عشرات الصواريخ والقذائف على مدن ومغتصبات جنوبي الكيان الصهيوني، بشكل مفاجيء أدخل الرعب في قلوب المستوطنين، وأربك قادة العدو، الذين تباينت ردود فعلهم بين دعوة رئيس وزراء العدو بنيامين نتنياهو بردّ قوي على صواريخ حركة الجهاد، وتصريحات وزير الخارجية أفيغدور ليبرمان المؤيدة لإعادة احتلال القطاع، من أجل نزع قدرة الكتائب المسلحة على إطلاق الصواريخ باتجاه التجمعات "الإسرائيلية". فيما استبعد عدد كبير من المحللين السياسيين فكرة نشوب حرب "إسرائيلية" جديدة على قطاع غزة لأسباب عدة أهمها، على حد قولهم: "عدم مشاركة حركة "حماس" والفصائل الكبيرة في المواجهات، وإطلاق الصواريخ، وعدم وجود بديل عن تفاهمات القاهرة، وأن جميع الأطراف راغبة في الحفاظ على هذه التفاهمات رغم عدم رضاها".
جاءت هذه العملية النوعية المفاجئة رداً على تمادي انتهاكات العدو الصهيوني لاتفاق التهدئة الذي تمَّ التوقيع عليه في القاهرة عام 2012، بعد معركة "السماء الزرقاء" التي أدخلت زهاء مليون ونصف مليون صهيوني إلى الملاجيء وأنابيب الصرف الصحي... ورداً على اعتداءاته المتكررة على الغزيين المحاصرين في البر والبحر، وعمليات الإغتيال الممنهجة التي تطال المقاومين وآخرهم أبطال "سرايا القدس"، وممارساته العدوانية المستمرة ضد أبناء الضفة الغربية المحتلة، وسياسات الإستيطان ومخططات التهويد والصهينة التي تطال الأراضي المحتلة عام 67 بما فيها المقدسات الإسلامية والمسيحية.
رسائل في كل اتجاه
عملية "كسر الصمت" فاجأت الأعداء وقادتهم من سياسيين وعسكريين وأمنيين، الذين هالهم التطور النوعي والكمّي واللوجستي، العسكري والأمني، والثقة العالية التي تتمتع بها "سرايا القدس" وشقيقاتها الكتائب المقاومة، ودقة التصويب والإستهدافات. ما أدى لحالة قلق لدى قادة العدو الذين يتهيّبون التوغل في العمل العسكري، مخافة الإنزلاق إلى حرب غير محسوبة مع القوى المقاومة، قد تأتي بنتائج غير محسوبة، في ظرف دولي وإقليمي وعربي هو الأدق والأكثر تعقيداً بالنسبة إلى الكيان الغاصب، وحلفه الأميركي – الغربي - "العربي" المهزوم في أكثر من جبهة وميدان... كما أدى انهمار الصواريخ والقذائف إلى إدخال سياسات العدو الدفاعية إلى غرفة العناية المركزة من جديد، بعدما فشلت "القبة الحديدية" الممولة من الإدارة الأميركية في مواجهة الصواريخ الغزية...
وجهت عملية "كسر الصمت" رسائل في كل اتجاه، حملت مضامين ومعانٍ جهادية كادت تضيع في زحمة التطورات الدراماتيكية التي تعيشها المنطقة منذ نحو ثلاث سنوات، وتتوارى خلف مشاهد القتل والتدمير التي تعم العديد من الدول العربية القريبة من ميدان المواجهة الرئيسي والبعيدة عنه، وأبرز هذه المعاني هي التالية:
أولاً: كسرت العملية المعادلة التي حاول العدو فرضها على قطاع غزة، وأكدت بشكل ميداني أن الصمت الذي ساد قطاع غزة خلال الفترة التي تلت عملية "السماء الزرقاء" ليس ضعفاً... وأن اتفاق التهدئة الذي رعته جمهورية مصر العربية في العام 2012 لم يكن وثيقة استسلام المقاومة أمام العدو، كما قال أمين عام حركة الجهاد الإسلامي في فلسطين، د. رمضان عبدالله شلح.
ثانياً: أكدت العملية تمسّك الشعب الفلسطيني وقواه المقاومة الجهادية بحقه في الرد على أيّ خرق صهيوني للتهدئة أو أي عدوان في المكان والزمان الذي يحدده قادة المقاومة والكتائب الجهادية، تحتفظ بجهوزيّتها التامة التي فاجأت العدو أثناء عملية "السماء الزرقاء" بما تمتلك من أسلحة نوعية، وصلت مفاعيلها إلى تل الربيع والقدس المحتلّتين... وسوف تفاجئه في كل رد وصد لعدوان بالأحدث من الأسلحة والتقنية والتكتيك.
ثالثاً: عزّزت عملية "كسر الصمت" وحدة القوى المقاومة، وأظهرت حجم ومدى التنسيق والتناغم بين كتائبها المسلحة، وقياداتها الميدانية، ناهيك عن وحدة الموقف التي عبّرت عنها تصريحات مسؤولي الفصائل والحركات والأحزاب الفلسطينية، كافة.
رابعاً: أعادت العملية تظهير وحدة الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 67 ووحدة الموقف في مواجهة السياسة العدوانية الصهيونية، ومخططات التهويد والصهينة التي تمارسها في طول البلاد وعرضها وفي القلب منها مدينة القدس ومقدّساتها الإسلامية والمسيحية وفي العدوان الصهيوني الدائم. متجاوزين حالة الإنقسام الجغرافي والسياسي الطارئة والمستمرة منذ العام 2007. وهذا ما أكدت عليه "سرايا القدس" التي أشارت في بياناتها وتصريحات قادتها إلى أن هذه العملية جاءت رداً على جرائم العدو في الضفة المحتلة وتماديه في مخططات التهويد والصهينة...
خامساً: بعثت هذه العملية برسالة إلى كل من يعنيهم الأمر، والذين يسعون ليل نهار لتصفية القضية الفلسطينية في المحافل الدولية، بأن عيون المجاهدين مفتوحة، ولن تغفل أو تنام. وأن اليد التي ستُوقّع صك الإستسلام لن تسلم من العقاب والحساب. وأن فلسطين كانت وستبقى بالنسبة إلى المجاهدين القابضين على جمر القضية نقطة البداية وخط النهاية؛ هي أرض الصراع الرئيسي ووجهة المجاهدين الدائمة؛ وهي عنوان وحدة العرب والمسلمين، وشعلة المقاومة فيها يجب أن تبقى بعيدة عن كل التجاذبات الداخلية والمحاور والسياسات الضّيّقة.
سادساً: لقد اخترقت هذه العملية المباركة، الصمت العربي الذي يلف القضية الفلسطينية من كل جانب، والذي حولها إلى آخر عناوين جداول الأعمال في الحكومات القُطرية والمؤتمرات العربية، وصيَّرها الخبر الأخير في وسائل الإعلام والفضائيات، التي تفتح هواءها لكل "شيء" إلا القضية الفلسطينية، ما خلا بعض المحطات التي تحفظ القضية وتصون قواها المقاومة.
سابعاً: وأخيراً فإن هذه العملية سوف يكون لها الأثر الطيب في إعادة مياه العلاقات مع الشقيقة مصر إلى مجاريها وسابق عهدها، وستساهم في تصويب الخلل الذي شاب العلاقات في هذه المرحلة الدقيقة من تاريخ مصر والقضية الفلسطينية ومجمل الصراع العربي الصهيوني!..
إن عملية "كسر الصمت" جاءت لتؤكد مجدداً أن قوى المقاومة في المنطقة يقظة لكل ما يحاك في الغرف السوداء، وعيونها مفتوحة على كل اختراق سياسي أو عسكري، وعلى كل المستويات والصعد، وأصابع مجاهديها على الزناد، وعلى استعداد دائم لمواجهة أي عدوان صهيوني يستهدف الشعب الفلسطيني ومجاهديه البواسل.
المصدر: نشرة الجهاد