قائمة الموقع

أبو عرب "توتة الدار" ويقين العودة

2014-04-07T06:56:01+03:00

ترك فينا صوتاً عذباً، وقصيدة ولحناً، وتراثاً أصيلاً، وغادرنا جسداً، لكنه بقي روحاً تحوم فوق ربى فلسطين وكل مخيمات الشتات.
إنه الشاعر والمنشد الفلسطيني إبراهيم محمد صالح "أبو عرب" (1931 - 2014)، حكايته تكاد تختصر فلسطين، لأنه كان يحمل همّها، ويجول به في أصقاع الدنيا، فهي بالنسبة إليه البداية والنهاية، وهي الصوت والشعر ونبض الحياة والانتصار.
ولد "أبو عرب"، في قرية الشجرة في الجليل الواقعة في منتصف الطريق بين مدينتي الناصرة وطبرية في فلسطين سنة 1931. شهد في طفولته انطلاقة الثورة الفلسطينية الكبرى عام 1936 ضد الاحتلال البريطاني والاستيطان الصهيوني، التي كرّس لها جدّه أشعاره كافة حيث استخدمها للإشادة بالثورة ولتشجيع مجاهديها، ولتحريض الشعب ضد المحتل البريطاني.
في عام النكبة 1948، وبعد تهجير سكان قرية "الشجرة" لجأ إلى قرية "كفركنا"، وبعد تسليم الناصرة والمنطقة المحيطة بها، نزح إلى بلدة "عرابة البطوف" ومكث فيها مدة شهرين، توجّه بعدها إلى لبنان، ثم إلى سورية وتونس ومخيمات الشتات في العالم.
استشهد ولده أثناء التصدي لاجتياح العدو الصهيوني للبنان عام 1982، وقد رثاه:
 أنا استشهدت يا رفاقي احملوني
على خشاب الباروده أسندوني
 إذا ما فيكم لأهلي تشيلوني
 أمانه تحققوا بنفسي مناها
 وعلى قبلة وطنا مددوني
وخلو الوالدة تزيد رضاها..
في العام 1959 عمل أبو عرب في إذاعة "صوت العرب"، وكان يُقدّم الأغاني الوطنية في "صوت فلسطين"، ومنذ ذلك الحين والناس ينادونه بـ "أبو عرب". وفي العام 1967 رزق بمولود أسماه "عرب"، بعد "محمد" و"معن"، ورزق بعده بـ "مثنى" و"مهند".
في عام 1966 أطلق أبو عرب أولى أغنياته، احتفاء بانطلاقة الثورة الفلسطينية والمد الجماهيري المؤيد لها وانضمام الشباب الفلسطيني إلى صفوف الفدائيين، والتي يتخيّل فيها الشهيد سعيد الحوتري وهو يُودّع أهله قبل تنفيذه عملية في تل أبيب، يقول فيها:
يا أختي دموع عينك كفكفيها
 كفاك نفس خيك تجرحيها
 أنا ماشي يا أختي ودعيني
 امسحي بارودتي يللا هاتيها
 ..أمانه فوق راسك علقيها
 أمانة تكفكفي العبرة السخينة
بعد رجوعكم للوطن
 جيبوا الصورة..
 وفوق قبري وأغرزيها
أعاد توزيع عدد من أغاني التراث الفلسطيني بعد تغيير مفرداتها، لتتلاءم مع الواقع الجديد، مثل أغنية: "يا ظريف الطول"، وهي من أغاني الأعراس التي حولها لأنشودة، تتغنى بالفدائي الفلسطيني وعملياته الجريئة، فيقول:
يا ظريف الطول ويا رفيق السلاح
اروي أرضك دم جسمك والجراح
ما بنكل وما بنمل من الكفاح
 ما بنموت إلا وقوف بعزنا..
ومن ثم تلتها أغنية "شيلوا شهيد الوطن"، وجاء في مطلعها:
شيلوا شهيد الوطن
 شيلوا شهيد الوطن
 جوا اللحد خبوه
فدائي يحمي الوطن يا عيني والله ما له أهل يبكوه..
 أصبح أبو عرب مسؤولاً عن برنامج الغناء الشعبي في إذاعة "صوت فلسطين"، وأسّس عام 1980 فرقته الأولى التي عرفت باسم "فرقة فلسطين للتراث الشعبي". تألفت الفرقة من 14 عازفا. سجّلت الفرقة في الإذاعة أكثر من 16 شريطاً تحتوي على أكثر من 140 أغنية استمرت حتى عام 1982، وبلغ المجموع العام لأغنياته أكثر من 300 أغنية منذ سبعينيات القرن المنصرم حتى وفاته.
ظلّ أبو عرب محافظاً على يقينه بالعودة إلى الديار، فيقول: "كنّا على ثقة تامة بأننا سنعود إلى البيت في الشجرة خلال فترة قصيرة.. البيت كان مغلقاً والمفتاح معنا.. كنّا نتسلّل ليلاً إلى البيت لإحضار بعض الأغراض اللازمة.. بعد انطلاقة الثورة تجدّد الأمل بالعودة. وهنا أؤكد أن الأمل بالعودة راسخ في ضمائرنا وقلوبنا.. إذا لم أعد أنا سيعود ابني، وإذا لم يعد ابني سيعود ابن ابني"..
كثيرة هي المحطات النضالية مع أبو عرب؛ فهل ننسى الاجتياح الصهيوني للبنان.. وصمود المقاومة في بيروت؟! كيف ننسى "بكائيته" عن نجله الشهيد، ومواويل الحزن الأبدي؟! وكيف ننسى مواويل العتابا والميجانا الراسخة.. كيف يمكن للذاكرة المحفورة بأسماء الشهداء، والجرحى، والأسرى، أن تنساهم في "يوم العيد"، وهو الذي يُذكرنا ويقضُّ مضاجعنا بهم؟! هل ننسى غناءه لفلسطين والقدس، وموقفه الرافض للتنازل عن الأرض؟! وهل ننسى غناءه للشهيد د. فتحي الشقاقي، وأبو علي مصطفى، ويحيى عياش والشهداء؟!!
فمع أبو عرب لن نهجر البحر.. ولن تُغادر النوارس شواطئ حيفا.. فهي مسكونة بهاجس العودة إلى البيّارة، والحقل، وموّال الميجانا والعتابا، ودبكة الرجال في ساحات "يعبد"، وأعراسنا الفلسطينية في "جنين" و"الناصرة" و"بيت لحم".. وفي القدس عند تًعانُق الأرض بوحي السماء، ليكون العهد:
 "راجع ع بلادي.. راجع ع بلادي.. ع الأرض الخضرة راجع ع بلادي"..

 

المصدر: نشرة الجهاد
 

اخبار ذات صلة