/منوعات/ عرض الخبر

هل حاورتَ نملة ذات مرة؟ قراءة في كتاب د. صبري الدمرداش

2014/04/05 الساعة 08:36 ص

من النظرة الأولى لكتاب أ د. صبري الدمرداش يجذبك عنوانه "حوار مع نملة مؤمنة"، وتبهرك طبعته الفاخرة، تتداعى الأسئلة في العقل تباعا فتتساءل قائلا: "حوارٌ مع نملة! أيّ حوارٍ هذا؟ هل يُداعب المؤلف خيالنا، أم أن هنالك حقيقة غامضة خلف هذا العنوان؟" لتبدأ؛ ومنذ اللحظة الأولى، سباقا مع الزمن كي تنهل ما استطعت من رحيق الكتاب وعبيره الأخاذ.
يقدم الكتاب شرحا تفصيليا وعلميا للنمل؛ ولكن بصيغة أدبية طغى عليها القالب الحواري المتخيل بين الكاتب والنملة. أسلوبٌ مختلف في طرح المادة العلمية؛ لكنه ناجح بالتأكيد. الكتاب يُحدِث طفرة نوعية في البحث العلمي الدقيق لنظام حياة النمل، ومقارنتها بحياة البشر، فأضاف الكتاب للمكتبة العربية العلمية سِفْرا يحوي كل ما يبتغيه الباحث عن حياة هذه الحشرة الصغيرة.
يتكون الكتاب من فصول عشرة، سرد الكاتب في مقدمته ذكرياته الخاصة مع البرنامج الذي كان يقدمه عن النمل في إذاعة دولة الكويت.
ثم تبع ذلك "رسالة من نملة"؛ وهي رسالة إلى أُمّة البشر تقول فيه النملة: أقرؤوني قراءة العارفين، وتفكروا فيّ تفكر العابدين، واسمعوا ما أقول بلسان مبين، فإني آية من آيات رب العالمين.في الفصل الأول وتحت عنوان "في رحاب آية"، عرض الكاتب فيه تفسيرا بديعا للآية 28 من سورة الأنعام، حيث قال الله في كتابه العزيز: {وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَىْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ}.
فالحيوانات أمم لها أسلوبُ حياةٍ، ولغةُ تواصلٍ كما البشر، وسيحشرها الله أيضا يوم القيامة ويقتص لبعضها من بعض؛ فيقول: "والملاحظ أنه لا يوجد في الآية الكريمة استثناء، مما يؤكد حشر الدواب جميعا، ويؤكد هذا قوله تعالى: {وإذا الوحوش حشرت} (التكوير:5).
ثم يبدأ المؤلف في الفصل الثاني عرضا لسبع وقفات إعجازية في اثنتين من الآيات من سورة النمل {حَتَّىٰ إِذَا أَتَوْا عَلَىٰ وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (18) فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِنْ قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَىٰ وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ (19)}.
• الوقفة الأولى: من هي النملة التي قالت؟ فيقول "هل تكلمت النملة؟ نعم إن النملة قد تكلمت بالفعل، والله تعالى قادر على ذلك. وعندما سُئل الأمام أبا حنيفة عن نملة سيدنا سليمان: أكانت ذكرا أم أنثى؟ قال: إن النملة التي تكلمت هي أنثى، والأنثي الوحيدة في مملكة النمل هي الملكة واستدل على ذلك من كلمة "قالت" حيث وردت تاء التأنيث؛ لأنه لو كان المتحدث ذكرا لقال: قال نملة. وكلمة نملة تقع على المؤنث والمذكر، فمفرد النمل الذكر نملة ومفرد النمل الأنثى نملة، مثلها في ذلك مثل الحمامة والشاة.
• الوقفة الثانية: التحليل اللغوي لمقولة النملة: ويصف فيها الإعجاز اللغوي في الآية الكريمة بشكل لا يمكن إجتزاءه هنا ضمن هذا المقال، والتي يقول فيها المؤلف: "الله أكبر! ما كل هذه البلاغة!.. إن في مقولة النملة عشرة من ألوان البديع، وهو علم تحسين الكلام، ولو أتينا بأبلغ البلغاء.. ليصيغ المعنى الوارد.. لما استطاع، ولفاقته النملة في بلاغتها".
• الوقفة الثالثة: النمل قوم عقلاء.
• الوقفة الرابعة: موقف سيدنا سليمان من مقولة النملة.
• الوقفة الخامسة: لم سُمّيت سورة النمل بهذا الاسم؟ فيقول لسببين أساسيين: لأن النمل من الحشرات التي تحيا حياة اجتماعية، ولأن الله جل وعلا يلفت انتباهنا إلى تلك الأمة لندرسها بعمق ونطّلع على ما فيها من أسرار عظمة الله وقدرته.
• الوقفة السادسة: قراءة في مذكرات نملة.
• الوقفة السابعة: هل هناك حيوان آخر تكلم في القرآن الكريم؟ لينقلنا الكاتب بأسلوب ممتع مع قصة سيدنا سليمان والهدهد وملكة سبأ "بلقيس" من خلال ما ذكره الله تعالى في سورة النمل:
{وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ (20) لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَاباً شَدِيداً أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ (21) فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ (22) إِنِّي وَجَدتُّ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ (23)}.
ليَخلُص الكاتب من هذه الوقفات إلى أن النمل قوم عقلاء ويتكلمون، وأنها من الحشرات التي تحيا حياة إجتماعية جيدة التنظيم.
وفي الفصل الثالث "جولة في نملة" يعرض المؤلف الجوانب التشريحية والعلمية للنمل والحشرات، ثم يختم هذا الفصل بمناجاة مع الله سبحانه وتعالى قائلا: إلهنا؛ نحن نؤمن بقدرتك ونطمع في عفوك ورحمتك، أنت خلقتنا، وتَعْلَم ضعفنا، فارفق بنا، واجبر كسرنا.
وفي فصل "النمل أُمّةٌ مثلنا" تبادل المؤلف مع ملكة النمل حوارا متخيلاً شيقا لم يخلُ من المناكفات والمشاكسات، أوضح فيها أوجه الاختلاف والتشابه بين أمتي البشر والنمل، ومنها على سبيل العرض وليس الحصر؛ دفن الموتى، والزراعة لدى النمل، وكذلك هل يحلب النمل كما يحلب البشر مواشيهم؟ وهل يتسوق النمل؟ وهل لديه حياء؟!! فصل أبدع فيه الكاتب بلا أية مبالغة، وساق أفكاره بطريقة ممتعة وشيقة وقدم لنا فيه العلم المحض بقالب يصعب على القارئ أن يتفاداه. ثم انتقل بنا لفصل "لم خلق الله النمل؟" وفيه أوجزت النملة أسبابا ثلاثة لخلقها، وهي: لتسبيح الله سبحانه وتعالى، والنمل آكل ومأكول، ومنافع أخرى مثل تلقيح الأزهار وانتثار البذور.
وقد أفرد الكاتب فصلا خاصا للنمل في الأدب العربي أسماه "النمل في عيون اللغة" وفيه أورد بعض الأمثال وأبيات الشعر التي قيلت في النمل، ومنها:
تُضايق كأس الشاي عندي نملةٌ لها ولعٌ بالحلو يجذبها قسرا
وأخجل من طردي لها إذ أخالها تقول أما أوحيت قبلُ لكَ الشِّعرا
تقبلتها لي في الحياة شريكة لها السُّكَرُ المحبوب أنثره نثرا
وفي الختام كتب المؤلف : " هكذا انتهى الحوار، ودار فيه ما دار، عرفنا منه الأخبار، وكثيرا من الأسرار، عن أمة حسبناها بكماء، فإذا هي أبلغ البلغاء. أمةٌ فيها الأدوار وُزّعت، والمهام حُددت، والعدل قائم، والنظام صارم.. فيها الذكور قِلّة، وهُموا مساكين أذلة، والشغالات منهن المنظفات والمربيات. وكما أننا نزرع فكذلكم يزرعون، عش الغراب الذي يأكلون.. وإن كان لنا مواشٍ فلهم قطعان من حشرات، تسمى "مَنُّ المزروعات"، تسوقها اليرقات، إلى ما اختارت من نباتات، بها مادة سُكّرية، هي الندوة العسلية، فتأكل منها وترتع، وتمتص حتى تشبع.. وكما نبني نحن بيوتا وقصورا، فللنمل كذلك مساكنا ودورا".
كتابٌ شيقٌ . لا أتردد أبدا في قراءته مرة أخرى للاستفادة والاستزادة، ومن شأنه أن يفيد ويمتع كل قارئ مهتم بالبحث في حياة النمل ونمط معيشته.  

رابط مختصرhttps://alqudsnews.net/p/56959

اقرأ أيضا