[ الكتاب: الانتفاضات العربية على ضوء فلسفة التاريخ
[ الكاتب: هاشم صالح
[ الناشر: دار الساقي، بيروت 2013
[مراجعة: حوّاس محمود
ثورات الربيع العربي أثارت وتثير العديد من الأسئلة والمناقشات لدى النخبة العربية، ولدى وسط فكري واسع النطاق على الصعيد العالمي، وهي تحتاج فعلا للنقاش والتعمق في أسبابها وعواملها المسببة، وكذلك العوامل المعرقلة لها، في ضوء ما يستجد من ممانعات ومعرقلات داخلية وخارجية، وهذا ما نجده لدى باحث عربي له باع في الدراسات الفلسفية والتاريخية ألا وهو الأستاذ هاشم صالح في كتابه الجديد« موضوع هذه المراجعة.
المؤلف يقوم بقراءة ظاهرة الربيع العربي التي انطلقت من بداية عام 2011 ضد الأنظمة البوليسية في العالم العربي من خلال منظور فلسفي بعيد المدى، ويبدي تساؤله: لماذا تبدو الانتفاضات العربية أقرب إلى الثورات الدينية منها إلى الثورات العلمانية الحديثة، ويتابع التساؤل: ألا يعني ذلك أن ثوراتنا لم يسبقها تنوير ديني حقيقي فسقطت بسهولة في أحضان الأصوليين، وهل كان بإمكان الثورة الفرنسية أن تدشن عالم الحداثة والحرية لولا أن فلاسفة التنوير كانوا قد سبقوها ومهدوا لها الطريق عن طريق التفكيك الناجح لمقولات الأصولية المسيحية؟ وأيضا أليس هذا الأمر الأساسي الذي ينقص وبشكل موجع كل انتفاضات الربيع العربي.
يركز المؤلف على عدم قدرة الشباب العربي على قطف ثمار تحركهم الاحتجاجي العارم وإسقاطهم رموز الدكتاتورية العربية في غير دولة عربية، وإنما الذي قطف الثمار هم التنظيمات الإخوانية السلفية، ويبدي تساؤلا مشروعا نجد ملامحه الآن هو: هل تحول الربيع العربي إلى خريف أصولي كما يقول بعضهم؟ كيف يمكن تفسير كل ذلك على ضوء فلسفة التاريخ.
محور الكتاب الأساسي يدور حول رؤية المؤلف إلى الانتفاضات العربية من منظور هيغلي وإسقاطه على الحالة العربية، والذي يشير إلى أن عمليات التحول ستستغرق عشرات السنين بانتظار اختمار ونضج حالات التخلص من التأثر الشعبي بالتيارات الإسلامية المتشددة، ويقارن ذلك بتخلص الغرب من هيمنة الكنيسة ونجاح عملية فصل الدين عن الدولة، وان الوعي الشعبي العربي قد اخذ انطباعا خاطئا عن العلمانية فلا تعني العلمانية الإلحاد كما هو الانطباع السائد وإنما فصل الدين عن الدولة، وعدم إشراك الدين في العمليات السياسية.
ويشير المؤلف إلى أن الحركات الايديولوجية في الخمسينيات والستينيات كالبعث والناصرية والماركسية قد أوهمتنا بإمكانية حل الرواسب التاريخية عن طريق القفز عليها، وعدم مواجهتها وجها لوجه لكيلا تستيقظ وتنفجر وتحرق الأخضر واليابس، هذه الحركات التي كانت تدعو إلى تجنب الحديث عن مشاكل العالم العربي كمشكلة الأقليات والموضوعات المذهبية والدينية وتركها وشأنها، على مبدأ المقولة المعروفة: »الفتنة نائمة.. لعن الله من أيقظها« ولكن المشكلة أنها هي التي لا تتركنا ! كلما تركناها لحقت بنا أكثر وأكثر.
ويصف المؤلف هذه المنهجية بالساذجة وحسنة النية، وأنها أثبتت فشلها وأدت إلى عكس ما أريد لها من نتيجة، فهاهي المشاكل العرقية والطائفية تنفجر بعنف في وجوهنا كالقنابل الموقوتة، بعد طول كبت واحتقان، كما أن هذه الأيديولوجيات التقدمية تنحسر عن الساحة وكأنها لم تكن، وباتت تتبخر ويحل محلها الأيديولوجيات الطائفية والشعبوية بسرعة مدهشة، وهذا ما أثار استغراب المثقفين العرب لهذا النكوص التاريخي بالعودة إلى مفاهيم ما قبل الدولة الوطنية كالعرق والدين والمذهب والعشيرة.
ويحدد المؤلف انسدادين رئيسيين في العالم العربي هما الانسداد الخارجي يتلخص بفشل الدول العربية في تحرير الأراضي الفلسطينية لا حربا ولا سلما، وفشل في التنمية والحريات، علما أنها إحتجت، في سبيل تعطيل مستلزمات التنمية والحرية في الداخل بقضية فلسطين والتحديات الخارجية، دون تحقيق أي نجاح ملموس في أي من الجانبين الداخلي والخارجي.
أما الانسداد الآخر فهو داخلي بعدم القدرة على حسم المسألة التراثية، أي بلورة تأويل جديد ومستنير لكل تراثنا العربي والإسلامي، يكون على مسافة بعيدة جدا من تأويل التيارات الاسلاموية المتشددة، والتأويل العقلاني هو وحده القادر على مصالحتنا مع الحداثة الكونية.