تعتبر قضية اللاجئين الفلسطينيين جوهر ولب المشكلة التي ولدتها عمليات التهجير الواسعة للتجمعات المدنية والقروية التي نفذتها العصابات الصهيونية والجيش الذي انبثق عنها بعد نشأة الكيان "الإسرائيلي" عام 1948 وهي مأساة متواصلة لـ 805 ألف لاجئ بات عددهم الآن يقترب من سبعة ملايين وقد حاول هذا الكيان على مدى العقود الماضية إنهاء هذه القضية بإلغاء حق العودة حيث طرحت عشرات من خطط التوطين وكان لصمود الشعب الفلسطيني في الوطن والشتات وتشبثه بالعودة سببا رئيسيا في إفشال تلك الخطط ونقل ثقافة العودة من جيل إلى جيل, وفي المفاوضات الحالية بين السلطة الفلسطينية و"إسرائيل" بإشراف أمريكي طرحت قضية اللاجئين الفلسطينيين على طاولة البحث لتتجدد المحاولة "الإسرائيلية" لإلغاء حق العودة بإسناد أمريكي تمثل في تبني نفس المقترحات التي أثيرت في مفاوضات كامب ديفيد صيف عام ألفين ومفاوضات طابا التي تلتها ومضمونها الالتفاف على العودة من خلال التوطين والتعويض.
ترفض "إسرائيل" تحمل أية مسئولية عن تهجير اللاجئين الفلسطينيين لان ذلك يعني محاسبتها قانونيا باعتبار ما قامت به جريمة حرب ورفع الظلم الواقع على اللاجئين بعودتهم اللاجئين إلى الأماكن التي طردوا منها وتزعم "إسرائيل" أنها لا تتحمل المسئولية عن هذه المشكلة لان الفلسطينيين تركوا بيوتهم بناء على دعوة من الجيوش العربية حتى تستطيع دحر العصابات الصهيونية وهو ما لم يثبت عليه دليل وقد أكد المؤرخون الصهاينة الجدد بناء على بحثهم في ارشف السري للجيش والحكومة "الإسرائيلية" التي كشف عنها بعد مضي خمسين عاما أن الطرد تم بناء على أوامر مباشر من دافيد بن غوريون ونفذ قبل وبعد قيام دولة "إسرائيل" وأثبتت الإحصائيات أن 90% من المهجرين بقوا في منازلهم وجرى طردهم جراء اجرءات عسكرية مباشرة قامت بها العصابات الصهيونية وجيش الاحتلال من خلال المذابح التي ارتكبوها والإخلاء بالقوة.
جريمة الحرب "الإسرائيلية" التي ارتكبت عن سبق إصرار وتخطيط تعمل الولايات المتحدة عبر وزير خارجيتها جون كيري على التعمية عليها وتبييض صفحة "إسرائيل" فمضمون ما طرحه كيري ينفي أي مسئولية "إسرائيلية" عن هذه الجريمة بل يتعدى الأمر أكثر من ذلك من خلال إدامة وتأبيد الظلم التاريخي الواقع على ملايين اللاجئين الفلسطينيين عبر طرح التوطين والتعويض فوفق مصادر فلسطينية مطلعة فإن رؤية كيري للحل تتمثل في تخيير اللاجئين بين أربعة حلول بالانتقال إلى كندا والعيش فيها، أو البقاء حيثما يتواجدون، لاسيما في الأردن"، الذي يستضيف أكثر من 42 % من إجمالي ستة ملايين لاجئ مسجلين لدى وكالة الغوث الدولية "الأونروا".
وثالثا العيش في الدولة الفلسطينية المستقبلية، ويمكن هنا فهم زيارات كيري المتعددة إلى الأردن بالدور الذي سيلعبه الأردن في مسألة التوطين والتعويض حيث العدد الأكبر من اللاجئين يقيمون فيها وهو يحاول ممارسة ضغوط على الأردن للقبول بالتوطين والتعويض ويغري الأردن بالاستفادة من أموال التعويض الخاصة بلاجئ الأردن حيث يطرح رقم 55 مليار دولار مقابل إقامة اللاجئين الفلسطينيين في الأردن، وتتبدى هنا محاولة أمريكية "إسرائيلية" لإثارة خلاف أردني فلسطيني حول تمثيل اللاجئين الفلسطينيين ما بين منظمة التحرير والحكومة الأردنية.
أما الخيار الرابع فيتمثل في عودة محدودة لبعض اللاجئين إلى أراضي 48 إلا أن "إسرائيل" ترفض القبول بحق العودة حتى للاجئ فلسطيني واحد تحت مسمى حق العودة وتطرح فقط القبول بالعودة لعدد محدود على أرضية إنسانية بحتة ضمن إطار ما يسمى لمّ شمل العائلات، ولمدة زمنية تمتد حتى 15 سنة قادمة وفي هذا السياق فإن العدد المطروح لن يتجاوز العشرة آلاف تختارهم "إسرائيل" وفق معايير أمنية وعمرية وجغرافية وهي تربط موافقتها على لم الشمل بإقامة صندوق يمول اللاجئين لتوطينهم حيثما يتواجدون أي قبول الفلسطينيين بالتوطين بالإضافة إلى شرط آخر يتمثل بالاعتراف الفلسطيني بها كدولة يهودية.
أكثر من ذلك فإن "إسرائيل" تريد التحكم في عدد اللاجئين الذين سيعودون إلى الدولة الفلسطينية المستقبلية حيث ترى أن العودة المكثفة لهم ستشكل خطرا عليها وفي هذا الصدد يقول وزير الخارجية "الإسرائيلي" افيغدور ليبرمان "أن اللاجئين الذين سيجتاحون الدولة الفلسطينية سيشكلون ضغطا كبيرا على "إسرائيل" لذلك لن اقبل أي اتفاق يتحدث عن حق العودة حتى وان تعلق الأمر بفلسطيني واحد ووحيد وإذا فعلنا ذلك فإننا سندخل إلى "إسرائيل" كافة الضغوط التي تحدثت عنها وأنا لا انوي دعم مثل هذا الاتفاق "، ومن هنا فإن "إسرائيل" طرحت الموافقة على عودة محدودة للاجئين إلى الدولة الفلسطينية بما يتناسب مع قدراتها الاقتصادية والجغرافية في محادثات طابا نهاية عام ألفين.
رغم الموقف الفلسطيني المعلن من رفضه القبول بالتوطين كما يكرر رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس إلا أن تصريحاته التي تقبل بحل عادل لقضية اللاجئين وفق القرار 194 كما نصت عليه مبادرة السلام العربية، وقوله انه "لن يكون هناك اتفاق من دون حل مشكلة اللاجئين"، موضحاً أن اللاجئ هو صاحب الشأن وهو يختار أين يريد أن يذهب؟ هل يستمر في البلد المضيف المقيم به أم يأتي إلى الدولة الفلسطينية أم يعود إلى بيته في حيفا"، يحمل في جانب منه قبولا ببعض الخيارات التي يطرحها كيري للتوطين، ومن هنا يجب التأكيد على حق العودة مع التعويض عن معاناة التشرد واستخدام "إسرائيل" لممتلكات أراضي اللاجئين الذي هجروا من أرضهم، وهذا واجب الجميع من قوى وفصائل ولجان شعبية تمثل اللاجئين من المفترض أن تثير حراكا يؤكد التمسك بحق العودة ورفض التوطين.
المصدر: الاستقلال