سنوات عجاف مرت من عمر هذا الاحتلال الغاصب، الذي ما انفك عن ممارسة أنواع شتى من القتل والتدمير والانتهاكات بحق الفلسطينيين، ولم تخجل سلطاته والناطقين باسمها من تبرير جرائم القتل لأقل الأسباب، الأمر الذي يشير إلى مدى الاستخفاف الصهيوني ليس فقط بالقوانين والمواثيق الدولية، بل بحياة الصحفيين الفلسطينيين، منتهكة بذلك ليس فقط حرية التعبير بل أهم حق للإنسان وهو "الحق في الحياة”.
إن ما شهده العام الماضي، وخصوصاً أثناء حرب الأيام الثمانية، التي شنتها آلة الحرب الصهيونية في قطاع غزة، من استهداف لمكاتب صحفية في القطاع، واغتيال لمراسلي فضائيات وصحافيين وشهود على الجريمة الصهيونية النكراء، يفتضح تواطؤاً كونياً ضد الحقيقة خصوصاً في لحظات أزوفها، حيث لا مجال لحجب الشمس بغربال، حتى لو ضاقت ثقوبه، ولا سيما وأن أبطالها رجال أحرار تلفحوا بالموت ضد الموت، وبالخطر ضد خطر أشد، توضأوا بحبرهم النظيف، وساروا في طريق شاقة ومتعبة ليجهروا بالحقيقة، وأن يؤذنوا على قمم الجبال، بأن جاوز الظالمون المدى...
الصحفيون في مرمى القصف!!
واستهدفت "إسرائيل" أيضا مكاتب ومؤسسات صحافية، من خلال قصفها برجي الشروق و الشوا و حصري بمدينة غزة، والذي يضم العديد من المكاتب الصحفية بينها مكتب فضائية القدس، وقناة الجزيرة، والتلفزيون الجزائري ووكالة معا، وقناة روسيا اليوم، واذاعة القدس، وكالة فلسطين اليوم، والعديد من المكاتب، الإعلامية وغير الإعلامية.
وقد أسفر القصف الذي تكرر مرتين متتاليتين، عن إصابة خمسة من الصحافيين وهم: درويش بلبل وإبراهيم لبد ومحمد الأخرس وحازم الداعور وحسين المدهون وخضر الزهار، وقد بترت ساق الأخير نتيجة القصف، إضافة إلى إلحاق أضرار مادية فادحة وتضرر معدات وأجهزة تستخدم في العمل الصحفي، خاصة في مكاتب فضائية القدس والجزيرة.
محمد الشاهد الشهيد!!
ففي حادثة اغتيال الصحفي محمد أبو عيشة كما يرويها والده و مقربون منه، فإن الطريقة التي استهدف فيها الشهيد تثبت بأن الاحتلال الاسرائيلي لم يتوقف عن محاولاته لسرقة الحقيقة و اخفائها، و قتل كل من يحاول فضحها.
وفي روايته لعملية الاغتيال التي رآها بأم عينه يقول والد الشهيد: "كنت خارجاً من المسجد القريب من بيتنا في منطقة دير البلح، و كان الشهيد محمد يسير مشياً على الأقدام مع أحد اصدقاءه، طرحوا علي السلام، و رددتها عليهم بالمثل، و عاجلني أن اطلب منه العودة الى المنزل ولكن الأجل كان أسرع مني، فباغتته الطائرات الحربية بالقصف المباشر دون سابق انذار".
وتابع يقول: كنت أول من وصل الى الشهيد بعد اصابته، حيث وصلت اليه وهو ملقى على الأرض، فبدأت القنه الشهادتين، و قد من الله علي بالصبر حينها، وانا اردد معه الشهادتين، و قالها بكل هدوء وبنفس راضية و مطمئنة".
لماذا يقتل محمد؟
من ناحيته قال مدير العلاقات العامة في اذاعة القدس التعليمية، محمود العوضية :" إن الاحتلال عمل على مدار ايام و ساعات الحرب على اخراس الصحافة ، وحجب الحقيقية عن العالم، ولذلك كان يستهدف الصحفيين ومكاتبهم، فقتل من قتل و جرح من جرح، اعتقاداً منه أنه بذلك يستطيع أن يخفي جرائمه ضد شعبنا" .
أردف قائلاً: "أن استشهاد محمد أبو عيشة، أبو عماد، كما لقب نفسه تيمناً بشقيقه الشهيد عماد، الذي سبقه في قافلة الشهداء، ترك أثراً كبيراً في نفوس زملائه في الاذاعة، الا أننا نؤكد بأننا سنبقى على دربه و كما عهدنا، وسنكمل مشواره في نقل الحقيقة من المنبر الذي أسسه، و لن تثنينا عن ذلك الاغتيالات و لا عمليات القصف، و سنحافظ على الأمانة التي تركها الشهيد في أعناقنا".
قدمنا اعلاماً وطنياً و مسؤول!
من جانبه قال مدير مكتب قناة القدس الفضائية في غزة، عماد الافرنجي، بأن ذكرى الحرب تمر علينا بكثير من الألم، لفقدان زملاء لنا في المهنة، و كذلك بالعزيمة و الاصرار، على مواصلة المشوار، مشيراً الى أن غزة مرت بحربين متتاليتين، و كان الصحفيون يزدادون قوة و صلابة في كل مرة.
وأضاف الافرنجي "إن الصحفيين الفلسطينيين يدركون جيداً أنهم يخوضون معركة الكلمة و الصورة لتثبيت الرواية الفلسطينية و دحض الرواية الاسرائيلية، كذلك يدركون أن لهم تأثير من خلال الكلمة و الصورة مع ثورة المعلومات فائقة السرعة، منذ اللحظة الاولى للعدوان".
وأوضح أن استهداف الصحفيين كان بمثابة رسائل ارهاب و عنف و تخويف، و أن الاحتلال ظن بأنه سيكون هناك تراجعاً في الاداء من قبل الصحفيين، الا أن النتيجة كانت العكس، بل كانت مزيدا من العطاء و التضحيات، و كانوا في خط الدفاع الاول، حتى قدموا اعلاماً مسؤولاً، وطنياً و مهنىاً، و على درجة عالية من الدقة، شهد لها العالم كله بما في ذلك اعلام الاحتلال.
وانتقد الافرنجي حالة الصمت التي كانت و لا تزال في المؤسسات القانونية العربية و الدولية، موضحاً أنه في حين أن الصحفي الفلسطيني يتحول في لحظة فارقة، الى جندي يلاحق الحقيقة، يحتاج الى دروع و امكانات، كان يفترض أن توفر له، الا أنه بدلا من ذلك كان يتلقى قذائف و صواريخ الاحتلال خلال العدوان.
وأكد أن صمت المؤسسات الدولية و العربية، كان بمثابة ضوءاً أخضر للاحتلال ليتغول على الصحفيين الفلسطينيين، محذراً من أنه ان لم تتم ملاحقة مجرمي الحرب الاسرائيليين و محاكمتهم، فانه سيكون هناك جولة قادمة من الاستهداف و القتل للصحفيين.
صور من عمليات استهداف الصحفيين خلال حرب "السماء الزرقاء"