أثيرت في مصر في الأسبوع الماضي مسألة وجود منتجات زراعية مسرطنة مصدرها "إسرائيل"، وتوالت ردود فعل المناهضين للتطبيع الزراعي مع الكيان الصهيوني، معترضين استمرار هذا التطبيع بعد خلع حسني مبارك، غير أن هذا "الاكتشاف" لا يمثل سوى جزء ضئيل من التغيير البنيوي الهدام الذي أحدثه التغلغل "الإسرائيلي" في كل مفاصل القطاع الزراعي المصري خلال العقود الثلاثة الماضية.
لقد استهدف الكيان الصهيوني طوال فترة علاقاته الزراعية مع مصر، ضرب الأمن الغذائي للشعب المصري، وسلب أراضي الفلاحين وتهجيرهم، وقطع أشواطاً على هذا الطريق من خلال المتعاونين معه على المستوى الحكومي والأهلي على السواء، وقد تجاوبت الحكومات المصرية مع كل "البعثات العلمية الإسرائيلية"، واتبعت توصياتها تحت عنوان "تبادل الخبرات ونقل التقنيات الحديثة وتطبيقها في القطاع الزراعي".
وبعد ثلاثة عقود من التطبيع و"التعاون المشترك"، كانت النتيجة تلويث التربة الزراعية بالأسمدة الكيماوية، وإتلاف المحاصيل التقليدية العريقة، وتعطيل جهاز المناعة لدى أشجار النخيل، وعرقلة الاكتفاء الذاتي من الحبوب واللحوم، واحتكار مصادر المياه، وتدمير شبكات الري لصالح تقنية الرّي بالنقطة، وإنشاء ما تسمى "المزارع الحديثة" لإثراء نخبة فاسدة من المستثمرين، الذين ترعى نشاطهم المختبرات المشبوهة وشركات التصدير "الإسرائيلية".
قبل عامين، نشرت جريدة التحرير المصرية على صفحات الانترنت تقريراً هامّاً، وضمنته وثائق سرية تؤكد تورط عدد كبير من المسؤولين في وزارة الزراعة في علاقات خاصة مع العدو "الإسرائيلي"، وتم رصد رحلاتهم المتكررة إلى تل أبيب بحجة المشاركة في المؤتمرات العلمية، إضافة إلى تحركات غيرهم من المتعاونين، من بسطاء الناس غير الخبراء، الذين سهل الموساد "الإسرائيلي" تنصيبهم في مواقع حساسة في الوزارة، أو تمويلهم للقيام بمشاريع ذات علاقة، تصب جميعها في خدمة المخطط الصهيوني لضرب الزراعة المصرية.
يكشف التقرير أن جهاز الموساد هو الذي يدير العلاقات الزراعية مع مصر، وقد زرع رجاله في كل اتفاقية، وأهمهم المدعو صامويل بوهوريلس، الذي عين رئيساً للجنة المصرية –"الإسرائيلية" المشتركة، ويقوم الموساد بتجنيد المتعاونين من الموظفين والعاملين في الوزارة، بغض النظر عن أهمية مراكزهم ووظائفهم، إذ "يُمنح" بعضهم وكالات حصرية لاستيراد الأسمدة الكيماوية من "إسرائيل"، والنتيجة أن المبيدات المسرطنة تملأ الأسواق المصرية، لمجرد الطمع بتحقيق المداخيل الخيالية.
لقد انبهر الرسميون وبعض المثقفين المصريين بما أنتجته العلاقات المصرية – "الإسرائيلية"، كما تظهر مقالة نشرتها صحيفة الأهرام في تموز 2012، عن المزرعة النموذجية التي تستثمر مساحة لا تزيد على 500 فدان، بينما تصدر إلى أوروبا منتجات بقيمة 90 مليون دولار سنوياً، واعتبرها كاتب المقال أنها تجيب "على السؤال الصعب.. كيف تصبح الزراعة صناعة"؟ ويتساءل: "متى تتحول الزراعة بالفعل في بر مصر بأكمله إلى صناعة كما فعلها العالم"؟ ويكيل المديح للمشروع الذي ترعاه "إسرائيل" وعملاؤها بقوله: "وهكذا يكون البيزنس.."!
يتناسى الكاتب أن المانجو والعنب والفلفل اللوان والفراولة والورود وأشجار النخيل الزينة، لا تخدم الأمن الغذائي للشعب المصري، كما أن أرباح هذه المنتجات الخبيثة والمعدلة جينياً تذهب لإثراء الطغمة المتعاونة مع العدو الذي لا يمكن أن يضمر لمصر سوى الشر والخراب.
إن المنتجات المسرطنة لا تقتصر على مصر وحدها، بل تغزو أسواق العالم برمته عن طريق شركات كبرى، تحتكر إنتاج البذار، وتخضع لإرادة الدوائر الصهيونية العالمية، وما اكتشاف الطماطم المسرطنة في أسواق مصر بالخبر المفاجئ، ولن يكون بمقدور وزير الزراعة أن يوقف انتشارها بمجرد نفي الخبر، أو إجراء تحقيق بصحته، وتحليل المنتجات المشبوهة.
لن تحل المعضلة بمجرد مقاومة التطبيع الزراعي، أو مقاطعة البضائع "الإسرائيلية"، بل تتطلب مراجعة كاملة للسياسات الزراعية التي ضربت الأمن الغذائي والاكتفاء الذاتي، وعلى القوى الجادة لاستعادة العافية لمصر أن تطرح البرامج العملية التي تخرج البلاد من أزماتها، وتمحو آثار التغلغل الصهيوني، ولا بد أن تكون البداية بإعادة توزيع الأراضي الزراعية التي صادرها المتنفّذون بالطرق الملتوية، وإنعاش الدورة الزراعية التي تضمن للمواطنين أمنهم الاجتماعي، وعيشهم الكريم.
المصدر: الثبات