(1935-2003)؛ ثمانية وستون عاماً ؛ كانت سنوات الحياة التي عاشها المفكر والناقد والموسيقي والسياسي والباحث الأكاديمي إدوارد سعيد، الذي ظلّ حتى مماته يبحث عن علاقة التناغم بين ذاته العربية وذاته الأميركية. فيقول في تقديمه لمذكراته في كتاب "خارج المكان" الذي بين أيدينا: "وكلما أوغلت في ذلك الجهد ازددت اقتناعاً بأني إنما أسعى إلى تحقيق فكرة طوباوية. ذلك أنه لم يعد في حياتنا المعاصرة دعم كبير للفكرة القائلة بأنّ الانتماء العربيّ لا يزال يقتضي، بحكم العادة والتقاليد، إقامة علاقة متنافرة مع الغرب.". من هذه الفكرة بدأ سعيد كتابة مذكراته من خارج المكان؛ فكانت قصة استثنائية عن المنفى، وسردّ لارتحالات عديدة؛ وأقرب إلى احتفال بماض لن يستعاد. حيث ظهرت من خلال صفحات الكتاب؛ شخصية العربيّ التي أدت ثقافته الغربية إلى توكيد أصوله العربية بعد أن تلقى تشخيصاً طبياً مبرماً؛ أقنعه بضرورة أن يخلّف سجلاً عن المكان الذي ولد وأمضى طفولته فيه.
ربما يسأل القارىء ؛ هل المرض والقلق والوهن والعلاج كانت وراء هذه اللغة في تصوير جغرافيا الارتحال التي مرًّ بها إدوارد سعيد في هذا الكتاب (!!)؛ أم هي معاناة المغادرة والوصول والوداع والمنفى والشوق والحنين والانتماء للوطن الأم (!). إنها – في نظري – كانت الموهبة والعبقرية المتجددة والمركبة عند إدوارد سعيد؛ التي جسدّت لديه قوة الجذب بصراحته المتناهية ( بإمكانك القفز بين الفصول الإحدى عشر من الكتاب لتتعرف على صراحة السرد عند سعيد بشكل أكبر)، بل يبلغ درجات عالية من الصراحة بقدر ما هو؛ في الان ذاته؛ حميم ومرح من خلال العودة معنا إلى الفصل الخامس؛ عندما تم تسجيله في "مدرسة الأطفال الأميركيين بالقاهرة" وحكايات اللباس والطعام التي كانت تشعره بالفوارق بينه وبين زملائه من الأطفال الأميركيين، وحديثه بصراحة عن التمايز الشديد في التراتب الاجتماعي بينه وبين اقرانه في المدرسة؛ وحكاية معلمة اللغة العربية، واستفزازاتها له ليعلن عن عربيته المسكونة داخله. و الزيارة إلى مصنع السكر؛ وتأنيب مُدرّسة الصف له لعدم اكتراثه بالزيارة. ورؤيته لزميلته وهي في ثياب السباحة. ومن ثمّ كيف أجبر نفسه على الخروج من شخصية الكائن "المعطوب، الفزع، الضعيف الثقة بالنفس"، وتعلمه الموسيقى مبتدءاً بالبيانو .
... "غير أن الدافع الرئيسيّ لكتابة هذه المذكرات؛ هو طبعاً حاجتي إلى أن أجسّر المسافة، في الزمان والمكان، بين حياتي اليوم وحياتي بالأمس. أرغب فقط في تسجيل ذلك بما هو واقع بدهيّ دون أن أعالجه أو أناقشه"؛ بهذه العبارات الشفافة عبّر إدوارد سعيد عن مكنوناته في كتابته ل(خارج المكان)، مستذكراً تجاربه وأحاسيسه منذ ولادته في مدينة القدس الفلسطينية عام 1935م ، ومن ثم عودة والديه إلى القاهرة بسبب عمل الوالد، ثم قضاء أوقات أطول في القدس ويافا في الأربعينيات(قبل نكبة 1948)؛ وقصة عودة العائلة من القاهرة إلى بيتهم في القدس عند نشوب معركة "العلمين"؛ طلباً للاطمئنان، وتنقلهم ما بين بيتهم في القدس وبيتهم الريفي في رام الله؛ ثم السفر إلى ضهور الشوير في لبنان في اوائل الخمسينيات. ويركز سعيد على تعلق والده واعمامه بالقدس؛ وتكثيف نشاطهم التجاري – تجارة القرطاسية والكتب والهدايا- في المدينة المقدسة، أرض الأباء والأجداد، والذهاب كلما سنحت الفرصة لزيارة البيت (بيت العائلة الكبير) في القدس، والتمتع والاستمتاع بالإقامة هناك. ومن خلال وصف هذه التنقلات والرحلات العادية والقسّرية؛ يظل إدوارد سعيد يشدد على نشأته المقدسية الفلسطينية؛ رغم حمل والده للجنسية الأميركية. وكثيراً ما تستشف من سرد سعيد؛ كيف أن والدته كانت متعلقة بالقدس حيث بيت زوجها، وبمدينة الناصرة مكان ولادتها والعيش بفلسطين وطنها، وكانت تعبر عن غيابها كثيراً عن بيتها المقدسي بالغضب والنفور من العيش في القاهرة بمصر أو ضهر شوير بلبنان، لكن عمل وديع (والد إدوارد وزوجها) هو السبب في التنقل والارتحال. و المذكرات التي بين أيدينا ، تفيد، أن والدة إدوارد استحصلت على الجنسية اللبنانية للسفر والتنقل بعد سقوط فلسطين وسقوط الجنسية الفلسطينية عنها، وبقيت على ذلك حتى وفاتها عام 1990. ولم تحاول اكتساب الجنسية الأميركية كباقي افراد العائلة.
وفي الفصل السادس من الكتاب؛ يؤكد إدوارد سعيد على هوية العائلة المقدسية،الفلسطينية، وكذلك الروح الوطنية عند افراد العائلة؛ عندما يتذكّر "الجدّة المستغربة التي نعى بها ابنا عمّي المقدسيان الأكبران، يوسف وجورج، يوم الأول من تشرين الثاني 1947م؛ وهو عيد ميلادي الثاني عشر، عشية ذكرى وعد بلفور. فقد وصفاه ب"اليوم الأشدّ إظلاماً في تاريخنا" (مقدمة الفصل ص 145).
فرغم سنه الصغيرة؛ أدرك إدوارد سعيد "معالم الأزمة الزاحفة" وما يحيق بهم من أمور غامضة؛ وتعقيدات الصراع مع الصهاينة والبريطانيين. وكيف كان ينظر إلى مدينته (المدينة المقدسة)؛ وهي مقسمة إلى مناطق متعددة يسيطر عليها الجيش البريطاني وحواجز الشرطة التي كان لزاماً على السيارات والمشاة وراكبي الدراجات المرور عبرها. وفي السياق ذاته (ص 146)؛ يعبّر كيف أنّبته عمته (نبيهة) لأنه ذهب إلى دار السينما اليهودية، قائلة له:"لماذا لا تبقى مع العرب". تعبيراً عن خوفها عليه من الاختلاط باليهود في مناطق التوتر بالقدس. وفي (ص149) يصف سعيد كيف تم تهجير أسرة عمته نبيهة من القدس مطلع ربيع 1948؛ وكيف "هجر [ابن عمته الأكبر] بيت الطالبية عند سقوط الحّي بأكمله بيد الهاغاناة [الصهيونية] . فانتقل للسكن في شقة صغيرة في البقعة الفوقى. وهو حي مجاور من احياء القدس الغربية. ثم ما لبث أن غادر موطىء القدم الأخيرة هذا في اذار/مارس دونما عودة هو أيضّاً. ومنذ أيامي الأولى في القدس إلى اخر يوم فيها؛ أذكر بوضوح أن الطالبية والقطمون والبقعة الفوقى والتحتا كانت مأهولة بالفلسطينيين دون سواهم، وينتمي معظمهم إلى عائلات نعرفها و لا يزال لأسمائها وقع أليف في أذني- سلامة، دجّاني، عوّاد، خضر، بدور، جّمال، برامكي، شمّاس، طنّوس- وقد أمسوا جميعهم لاجئين". ويكمل سعيد قائلاً:"فعندما اسمع الان إشارات إلى القدس الغربية؛ فإنّها تعني دومّاً بالنسبة إليّ الأحياء العربية لمرابع طفولتي. و لا يزال يصعب عليّ أن اتقبل حقيقة أنّ أحياء المدينة المقدسية ، حيث ولدت، وعشت، وشعرت بأني بين أهلي، قد احتلها مهاجرون بولونيون وألمان وأميركيون غزوا المدينة وحوّلوها رمزاً أوحد لسيادتهم؛ حيث لا مكان للحياة الفلسطينية الأصيلة في المدينة. فقد اضحت غربي المدينة المقدسة يهودية بالكامل؛ فيما طُرد منها مواطنوها الأصليون نهائياً في أواسط العام 1948.".
من خلال تصفحنا مذكرات إدوارد سعيد؛ الذي كان قبل وفاته (ايلول 2003)؛ بروفسور شرف في اللغة الانحليزية والأدب المقارن في جامعة كولومبيا في نيويورك، والذي ألف اكثر من سبعة عشر كتاباً مهماً؛ كان من ابرزها :الاستشراق ، صور المثقف، الثقافة والامبريالية و المذكرات التي بين ايدينا "خارج المكان"، ومئات من المقالات التي نشرت في دوريات عدة، نكتشف دائماً أننا أمام باحث أكاديمي عالمي؛ استطاع بوعيه المبكر ( وخاصة من خلال سرده المفصّل لذكرياته في هذا الكتاب)؛ إلى إحداث ثورة في الدراسات الشرق أوسطية، وخاصة فيما يتعلق بتسليط الضوء على القضية الفلسطينية، مطالباً العالم بالاعتراف بالحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، وموجهاً مطالبته بالتحديد للرأي العام الأميركي والمسؤولين أن يقرأوا الوثائق الفلسطينية التي ينطلق منها الموقف الفلسطيني. وما هذه المذكرات إلا نافذة تطل على عمق وجذور القضية ومأساتها من خلال التذكر والصراحة والبساطة في تناول الأمور، مع تركيزه على كشف زيف الغرب الرأسمالي وأدواته في المنطقة؛ مما أثار جدلاً واسعاً في الأوساط الثقافية والسياسية والاجتماعية في العالم ككل، وفي الولايات المتحدة الأميركية وربيبتها الكيان الصهيوني خاصة. وكان سعيد الأكثر جرأة في نقد الواقع من خلال مذكراته ، معتمداً على فطنته ومواهبه المتعددة ، وقدرته غير العادية على الصمود والتحدي والعناد؛ والاعتداد بتحليله للأمور السائدة من خلال المعايشة اليومية والاطلاع المكثف على مساراتها؛ مما جعله يصل إلى نوع مبتكر من المعرفة يخرج من المفهوم التقليدي لهذا العلم أو ذاك. فبرز إدوارد سعيد في خارج المكان راو مدهش لطفولة مفكر كبير ومثقف عصر؛ ولفلسطيني ملتزم بوطنيته ومقاوم للاحتلال، ولسيرة وطن اغتصب مع سبق الاصرار والتزوير، ولحياة عربية – لها طعم ومذاق مشترك- ما بين فلسطين ومصر ولبنان امتزج فيها الفرد مع الجماعة؛ واستعصى على الفرد إلا أن يكون هو... هو إدوارد سعيد.