/منوعات/ عرض الخبر

إعجاز القرآن في العلوم الجغرافية / الدكتور محمد مختارعرفات

2013/09/21 الساعة 11:29 ص

للدكتور محمد مختارعرفات / قراءة: إبراهيم الباش
الإعجاز القرآني كان ولا يزال جديراً بأن يثير في التفكير الإسلامي مباحث على جانب عظيم من الأهمية، يتصدّى لها العلماء للكشف عن وجوه التحدّي القرآني وكان التحدي القرآني بادئ الأمر لغوياً تحدّى العرب في أخصّ ما عرفوا به من فصاحةٍ وبيان، فقد أعجز فصحاء العرب فاستكانوا أمام إعجازه  وأعلنوا عجزهم عن تقليده أو الإتيان بآية من مثله فهو يعلو ولا يعلى وما هو بقول البشر، وهذا ما أعلنه الوليد بن المغيرة عندما وقف دهشاً أمام إعجازه اللغوي.
بيد أن القرآن الكريم ليس كتاب لغةٍ فحسب بل كتاب تشريع ومنهج حياة ولا تنقضي عجائبه العلمية، لذا لم يقف العلماء جيلاً بعد جيل عند حدّ الإعجاز القرآني اللغوي أو التشريعي، بل اتجهوا إلى الإعجاز العلمي الذي جعل آلاف العلماء يدينون بهذا الدين الحق، عندما أيقنوا أن الحقائق العلمية اليقينية توافق ما في القرآن، ولعل من أهم مناحي الإعجاز العلمي، الإعجاز الجغرافي الذي لفت القرآن الإنسان إليه عن طريق الأدلة الجغرافية الطبيعية والكونية، فالآيات القرآنية خاطبت عقول الناس ونفوسهم وفطرتهم ودعتهم إلى التفكر والتدبر والتبصّر في آيات الكون المنتشرة وآيات الخلق والمخلوقات المتعددة ليكون ذلك سبيلاً إلى الوحدانية.
(وفي الأرض آيات للموقنين وفي أنفسكم أفلا تبصرون).
(سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبيّن لهم أنه الحق).
وتبقى الحقائق العلمية القطعية المعتمدة على الملاحظة والتجربة والبرهان والاستنتاج  متوافقة مع الحقائق القرآنية قطعية الدلالة، قطعية الثبوت، لأنها من لدن الخالق العظيم،
أما النظريات والفرضيات والتفسيرات والتعليلات العلمية فتبقى ضمن حدود المستويات العلمية التي بلغها الإنسان لتفسير أكبر قدر ممكن من الظواهر الكونية أو الحيوية أو الإنسانية، وهي عرضة للتغيرات والإضافات والتعديلات، فهذا القسم لا يحمل عليه النص القرآني بحالٍ لأنه لم يرق إلى درجة العلوم القطعية فلا يحمل على القرآن إلا ما كان قطعياً يقينياً ثبت بالملاحظة والبرهان كما أسلفنا.
والكتاب الذي بين أيدينا (إعجاز القرآن في العلوم الجغرافية) لمؤلفه محمد مختار عرفات في طبعته الثانية في دار اقرأ ،هو كتاب مهمٌ في باب الإعجاز العلمي في القرآن، حيث تناول جانباً هاماً من جوانب الإعجاز العلمي ألا وهو الإعجاز الجغرافي.
بدأ المؤلف كتابه بتمهيد ومقدّمة شاملة عن موضوع الكتاب، وجعل كتابه في ثلاثة أبواب يشتمل كل بابٍ على أقسام متنوّعة.
يتناول الباب الأول: الجغرافيا الطبيعية ومن أقسامها الجغرافيا الفلكية ودورها في ترسيخ الإيمان، وساق المؤلف قصة سيدنا إبراهيم مع الكواكب حتى وصل إلى الوحدانية وهذا التدرّج الإيماني يوكّد تدرّج العقول البشرية في إدراك الكون مروراً بالانحرافات والأساطير والتدرّج في المعارف الفلكية لغاية الوصول إلى الحقائق اليقينية التي لها صدىً في القرآن الكريم ومن ذلك:
إقرار العلم أن المجموعات النجمية كالمجموعة الشمسية كانت غمامة غازية كبيرة متوهجة ذات جزئيات انفصلت إلى أجزاء تدور بنظام دقيق، وقد سبق القرآن هذا العلم بآيتين الأولى (أولم ير الذين كفروا أن السماوات والأرض كانتا رتقاً ففتقناهما) الأنبياء (الآية 30).
والآية الثانية من سورة فصلت (11) (ثم استوى إلى السماء وهي دخان).
والبحوث العلمية الأحدث تبيّن أن نجوم السماء كانت دخاناً وعدل العلماء عن كلمة (سديم) إلى كلمة دخان.
أردف الكاتب هذا كلّه بالكلام عن اتساع الكون وحدوده ، وما قرره أينشتاين عام 1931 في نظريته عن اتساع الكون، وهذه حقيقة قررها القرآن الكريم (والسماء بنيناها بأيدٍ وإنّا لموسعون) الذاريات الآية (47).
ثم تناول الكاتب النجوم في القرآن الكريم، فقد ذكرت النجوم في القرآن ثلاث عشرة مرة ويقف الكاتب عند إعجاز القرآن في قوله تعالى: (فلا أقسم بمواقع النجوم، وإنه لقسم لو تعلمون عظيم)(الواقعة 75-76 ) فقد أثبتت الآيات القرآنية أن النجوم كلها تتحرك ضمن مدارات ومواقع وأفلاك محددة بنظام عجيب استحق أن يكون موضوع القسم العظيم، ثم إن القسم بالمواقع دليل على أننا لا نرى النجم بل نرى ضوءه، أما النجم ربما يكون قد قضى نحبه من أمدٍ بعيد، ولا تزال أشعة ضوئه في طريقها إلينا، ولم نعلم بنهايته بعد.
ثم تعرّض الباحث لإعجاز القرآن في موضوعات السماوات السبع والسماء وساق المؤلف عدداً من الموضوعات التي تشكل إعجازاً علمياً في السماء ومنها:
-    توافق القرآن مع قوانين الجاذبية للعالم كيبلر 1574-1630.
-    توافق القرآن مع نظرية نيوتن 1869 حيث قال بمبدأ الفعل وردود الفعل وبأن كل شيء يجري في العالم كما لو كانت الأجسام تتجاذب بصورة متناسبة مع كتلتها.
ولدى العودة إلى القرآن الكريم نجد عدة آيات تبيّن روابط الجاذبية والدفع وكأنها أعمدة بل هي أعمدة، ولكنها غير مرئية لرفع السماء والإمساك بمحتوياتها ومن هذه الآيات:
(الله الذي رفع السموات بغير عمدٍ ترونها) الرعد 2
(إن الله يمسك السموات والأرض أن تزولا) فاطر 41.
ولا يمكن التحّدث عن إعجاز القرآن في السماء دون التعرّض للشمس والقمر.
ففي موضوع الشمس والقمر يؤكد المؤلف لأوّل مرّة في تاريخ البشرية ومنذ 1400 قرناً ميّز القرآن الكريم بآياته بين الشمس كنجم ملتهب وسراج وهّاج يعطي ضوءاً وحرارة من ذاته، وبين القمر كتابع أرضي يتلقى ويستمدّ نوره من ضوء الشمس.
(وجعل القمر فيهن نوراً، وجعل الشمس سراجاً) نوح (6).
(وجعلنا سراجاً وهّاجاً) النبأ (13).
ولفت المؤلف إلى ناحية هامّة في الشمس ، هي أن علماء الفلك أخذوا يحددون حديثاً أن للشمس ومعها مجموعتها مستقر تنتهي إليه، وحدد العلماء تماماً إحداثياتها:
(والشمس تجري لمستقر لها، ذلك تقدير العزيز العليم) (يس 38).
وتناول الباحث في القسم الثاني من الباب الأوّل الغلاف الجوي وطبقاته والضغط الجوي والارتفاع والرياح في القرآن الكريم، وخلص إلى أن الرياح أنواعاً أربعة حسب علاقتها بالسحب والغيوم، فمنها ما يثير وجه المسطحات المائية ومنها ما يحمل السحاب بعد حدوثه، ومنها لسوق السحاب والجري بها برفق ولين ومنها لتقسيم الغيوم المطيرة وتوزيعها على مناطق الأرض، وفي سورة الذاريات يقسم الخالق تعالى بأنواع الرياح كما عرفها العلم الحديث مؤخراً.
(والذاريات ذرواً، فالحاملات وقرا، فالجاريات يسرا، فالمقسمات أمراً)الآيات1-2-3-4 الذاريات.
وفي القسم الثالث من الباب الأول تناول المؤلف الغلاف المائي وقد ساق عدداً من الآيات تدل على إعجاز القرآن بما توصّل إليه العلم بشأن الماء.
أما الباب الثاني من الكتاب فقد خصصه الباحث للجغرافيا الحيوية، فتعرّض لأصل الحياة وساق محاولات الفشل البشري لتخليق حيٍ من لا حي وفشل كل محاولة لإيجاد الحياة من العدم، ويسوق الباحث القول الفصل المعجز عن أصل الماء لكل حياة من الآيات (وجعلنا من الماء كل شيء حي) (الأنبياء 30).
وفنّد الباحث رأي من يقول بفرضية المصادفة، وتعرّض لنظرية الازدواج والتناسل الإنساني والمستويات الثلاثة في تخليق الجنين: مستوى التقدير ومستوى طور العلقة، ومستوى تخليق السمع والبصر والجلد والعظام واللحم بعد اثنين وأربعين يوماً.
(يا أيها الناس إن كنتم في ريب من البعث فإنّا خلقناكم من ترابٍ ثم من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة مخلقة وغير مخلّقة لنبيّن لكم ونقرّ في الأرحام ما نشاء إلى أجل مسمّى) (الحج 5).
وفي القسم الثاني من الباب ناقش الباحث ما توصّل إليه العلم بشأن الجماعات الحيوانية فقدّم اكتشافات حديثة لها صداها في القرآن الكريم في عالم النحل والنمل والعنكبوت والذباب وهجرة الطيور والأسماك.
أما الباب الثالث من الكتاب فقد خصّه الباحث للجغرافيا التاريخية فيرى أن إعجازات الجغرافيا التاريخية في نصوص القرآن الكريم تأتي من تلك القصص القرآنية من حيث إنها حقائق تاريخية جغرافية، وأن المشركين لم يكونوا على علم بها، أو كونها حقائق أثبتتها الوقائع المستقبلية.
وفي سياق هذا القصص القرآني يتناول الباحث مثلاً سورة الروم حيث حددت الآيات المكان والزمان وربطت فرحة المؤمنين بنصر الروم (أهل الكتاب) على الفرس (المجوس) بفرحة أخرى للمؤمنين بانتصارهم على المشركين يوم بدر وكان هذا من موضوعات الجغرافيا التاريخية.
ثم تحدّث الباحث عن تناول القرآن لمملكة سبأ وملوك مصر القديمة والطوفان وإعجاز الآيات في قصّة موسى ومنها نجاة فرعون ببدنه وكيف أن مومياءه ما زالت شاهدةً على إعجاز القرآن  (فاليوم ننجيك ببدنك لتكون لمن خلفك آية) يونس (92).
وأنهى الباحث هذا الباب بآيات لها إعجازها التاريخي في بشارة النبي بفتح مكة ونشر هذا الدين (لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق لتدخلنّ المسجد الحرام إن شاء الله آمنين محلقين رؤوسكم ومقصّرين لا تخافون، فعلم ما لم تعلموا، فجعل من دون ذلك فتحاً قريباً) (الفتح 27).
وبعد: إن إعجاز القرآن بحر خضمٌ ليس له نهاية، وما دخل باحثٌ في هذا العلم وادعى أنه خرج بكل شيء، ولم يبق لغيره أشياء وكتاب (إعجاز القرآن في العلوم الجغرافية) الذي وقفنا عليه وصفاً وتمحيصاً كتابٌ من أهم ما ألف في هذا الباب، وكان منهج الباحث فيه واضحاً اتسم بالموضوعية والمنهجية مستوفياً أنواع الجغرافيا في الإعجاز القرآني من طبيعية وفلكية وحيوية وتاريخية، منوّعاً في مصادره ومراجعه.
وقد ذهب بعض العلماء إلى جعل مسمّى الجغرافيا التاريخية من باب الإعجاز الغيبي في القرآن الكريم، وهو ضربٌ من ضروب إعجاز القرآن الكريم، في حين جعله باحثنا قسماً مستقلاً للجغرافيا.
والمدقق في ثنايا هذا السفر النفيس يدرك أنه لو اتّشح باستشهادات لعلماء معاصرين مهتمين بهذا الشأن لكان البحث أغنى وأوفى وأكثر مواكبة للمستجدات الأخيرة في هذا المجال.
وحسب الباحث أنه اجتهد وقدّم لنا شذراتٍ نفيسة من الإعجاز العلمي الجغرافي الذي يقود لا محالة إلى معرفة الله وطاعته.
(قل هل يستوي الأعمى والبصير أم هل تستوي الظلمات والنور).

رابط مختصرhttps://alqudsnews.net/p/43239