☰
✕

قائمة الموقع

من نقد الهيمنة الإعلامية إلى بناء السردية المقاوِمة

2026-11-03T22:00:00+02:00
عمرو علّان*

   ليس جديدًا على العاملين في الإعلام والسياسة أن الخبر لا يُكتب في فراغ، وأن اختيار العنوان والمصدر والمصطلح قد يكون جزءًا من الصراع الذي يزعم الخبر وصفه. لكن إدراك هذه الحقيقة، على أهميتها، لا يجيب وحده عن السؤال الذي يواجه الخطاب المقاوم اليوم. فما الذي نفعله بعد أن نفكك رواية الخصم ونكشف ما أخفته من وقائع وسياقات؟ هل يكفي أن نصحح ما يرويه عنا، أم أن المطلوب امتلاك القدرة على رواية تجربتنا، وفهم خصمنا، وتفسير العالم من موقعنا نحن؟

   قد تنجح قوة مقاومة في توسيع حضورها الإعلامي، وتكسب منابر جديدة، وترد على معظم ما يصدر ضدها، ثم تكتشف أنها ما زالت تتحرك داخل جدول أعمال وضعه غيرها. فالخصم يختار السؤال وتوقيت طرحه، ويحدد ما يستحق النقاش، بينما ينشغل الطرف الآخر بإثبات براءته من التهمة الأخيرة. هنا لا تعود المشكلة في قوة الحجة وحدها، بل في موقع من ينتجها. إن الرد على رواية مهيمنة ضرورة في مواضع كثيرة، لكنه لا يغني عن بناء معرفة مستقلة تملك أسئلتها ومفاهيمها، وتستطيع أن تستمر حين ينصرف الخبر العاجل إلى قضية أخرى.

   لهذا لا يتناول هذا المقال السردية المقاوِمة بوصفها نصًا موحدًا يردده الجميع، ولا بوصفها دعاية مضادة تتقن أدوات خصمها. المقصود قدرة المجتمع المقاوم على فهم تجربته في سياقها التاريخي والسياسي، وعلى تقديم نفسه فاعلًا له ذاكرة وحقوق ومصالح وخيارات، لا مجرد موضوع تصفه القوى التي تعمل على إخضاعه. وهذه القدرة لا تُبنى بالشعار وحده، بل بتحليل يتقصى الواقع وموازين القوى، والتزام يدرك ما الذي يدافع عنه، وأمانة تجعل صدق القول جزءًا من قوة الخطاب ومشروعيته.

   حين تفرض الهيمنة السؤال قبل الجواب

لا تعمل الهيمنة الإعلامية بالكذب المباشر وحده، وربما لم يكن الكذب أكثر وسائلها فاعلية. قد تنقل المؤسسة وقائع صحيحة، وتعرض صورًا صادقة، وتستضيف أصواتًا متعارضة، لكنها ترتب هذه العناصر داخل إطار يجعل النتيجة السياسية الأقرب إلى مصالح القوة المهيمنة تبدو نتيجة طبيعية للوقائع نفسها. والسؤال هنا لا يتعلق فقط بما قيل، بل بما تقرر أن يكون بداية الحكاية، وما دُفع إلى الهامش، وبمن مُنح سلطة تفسير الحدث قبل غيره.

   شرح إدوارد سعيد، في نقده للاستشراق، كيف ترتبط المعرفة بسلطة تمثيل الآخر وتعريفه. ولم يكن الأمر عنده مجرد صور نمطية سيئة، بل قدرة مؤسسات راسخة على إنتاج معرفة عن شعوب ومجتمعات تُعرض للعالم وكأنها أصدق من معرفة تلك المجتمعات بنفسها. وفي الإعلام المعاصر نجد امتدادات لهذه العلاقة، وإن اختلفت الأدوات والظروف. فالقدرة على تسمية الفاعل، وتحديد ما يُعد تهديدًا أو دفاعًا، قد تسبق النقاش في الفعل نفسه وتحدد مجراه.

   ويضيف هيرمان وتشومسكي بُعدًا آخر إلى هذه الصورة حين يربطان اختيارات المؤسسات الإعلامية بالمُلكية والتمويل ومصادر المعلومات والضغوط التي تحكم العمل الصحفي. لا يعني ذلك أن الصحفيين يتلقون أوامر يومية بتزييف الحقيقة. المشكلة أعقد من هذا التبسيط. فقد يعمل الصحفي وفق ما يعدّه قواعد مهنية سليمة، لكن اختيار الخبراء والمصادر الرسمية، وحدود المقبول في المؤسسة، تجعل بعض الأسئلة بديهية وأسئلة أخرى ثقيلة الكلفة أو قليلة الحضور. عندئذ يصبح انحياز المنظومة أعمق من نية الفرد، وتبدو رواية القوة كأنها نقطة الانطلاق المحايدة.

   ويمكن فهم أثر ذلك من خلال ما يسميه روبرت إنتمان "التأطير". فحين يُعرض الصراع من زاوية أمن القوة المسيطرة، تصبح مقاومة تلك القوة هي المشكلة التي تستدعي التفسير والعلاج. أما السؤال عن أصل السيطرة وحق المجتمع الخاضع لها في التحرر، فيتحول إلى خلفية تاريخية يمكن الإشارة إليها أو الاستغناء عنها. في هذا الإطار، لا يلزم أن تكون كل معلومة في خطاب ما كاذبة حتى تكون الصورة التي ينتجها مضللة.

   ولنا في فلسطين مثال واضح. عندما تبدأ الحكاية من فعل المقاومة، ثم يُستدعى تاريخ الاحتلال والحصار والاستيطان في آخر التقرير أو لا يُستدعى أصلًا، يكون ترتيب الوقائع قد وزّع المسؤولية قبل أن يصرّح بأي حكم. ويُعامل أمن كيان الاحتلال بوصفه حقًا مفروغًا منه، بينما يظل على الفلسطيني أن يفسر مقاومته ويثبت حقه في الأرض والحياة. وليس المقصود أن التجارب التحررية الأخرى تطابق التجربة الفلسطينية، بل إن آلية نزع السياق، وتحويل مقاومة الهيمنة إلى منشأ الاضطراب، تتكرر بأشكال مختلفة حيث تملك القوة المسيطرة وسائل أوسع لتعريف الصراع.

   مع ذلك، ليس الإعلام الغربي كتلة واحدة، ولا الإعلام العربي نقيضه بالضرورة. بين المؤسسات والصحفيين اختلافات حقيقية، وبعض أصدق الشهادات على جرائم الهيمنة صدرت من داخل مجتمعاتها ومؤسساتها. وفي المقابل، قد يستخدم إعلام عربي اللغة نفسها التي ننتقدها في الإعلام الغربي. العبرة ليست بجنسية المنبر أو اللغة التي يتحدث بها، بل بالإطار الذي ينظم فهمه للواقع، وبالسلطة التي يمنحها للمصادر، وبموقع الحق والسياق في الرواية التي يقدمها.

   استقلال المعرفة

   من السهل أن يصبح تفنيد الخطاب المعادي عملًا لا ينتهي. يظهر اتهام فنرد عليه، ويتكرر مصطلح فنكشف انحيازه، وتُنشر رواية مجتزأة فنستعيد ما حُذف منها. هذا عمل لازم، لكنه يظل محكومًا بإيقاع الخصم إذا أصبح الوظيفة الأساسية للإعلام المقاوم. والأسوأ أن يتحول نجاحنا في الرد إلى مقياس وحيد لفاعليتنا، فنقيس ما أنجزناه بعدد الاتهامات التي أسقطناها، لا بما أضفناه إلى فهم مجتمعنا للصراع الذي يخوضه.

   الاستقلال المعرفي يبدأ من رفض هذا الاختزال. فالمجتمع الذي يقاوم احتلالًا أو هيمنة يحتاج إلى أن يعرف خصمه، لكن حاجته لا تقف عند كشف تضليله. يحتاج إلى فهم بنية قوته، ومصالحه وتناقضاته، وما يتغير في حساباته وقدرته على الفعل. ويحتاج بالقدر نفسه إلى معرفة أوضاعه هو، وموارد قوته ونقاط ضعفه، والتحولات التي تمر بها بيئته الاجتماعية والسياسية. من دون ذلك تتحول السردية إلى مرآة معكوسة لخطاب الخصم، وتبقى المقاومة حاضرة في الأخبار أكثر مما هي حاضرة في معرفة متماسكة بذاتها وبالعالم.

   وهنا ينبغي الحذر من فهم الاستقلال على أنه الانغلاق داخل قاموس خاص لا نقبل أن نختبره. ليست كل أداة معرفية نشأت في الغرب أداة هيمنة، كما أن المفهوم لا يصير صالحًا لمجرد أنه جاء من داخل بيئتنا. نستطيع أن نتعلم من المناهج والتجارب المختلفة، شرط ألا نجعلها مرجعية تعفينا من التفكير. المسألة هي: من يملك السؤال، ومن يختبر صلاحية الجواب، وبأي معرفة بالواقع؟ فالتحرر من هيمنة المفاهيم لا يكون باستبدالها بمفاهيم محصنة من النقد، بل باستعادة القدرة على الفحص والاختيار والتطوير.

   والسردية المستقلة ليست صورة ثابتة تظل على حالها مهما تغيرت ظروف الصراع. إنها تفسير متصل لمسار تاريخي تتبدل فيه موازين القوى، وتتطور فيه أشكال الفعل، وتظهر إمكانات لم تكن متاحة من قبل. وحين نقرأ المقاومة على هذا النحو، نرى مجتمعًا ينظم قدرته ويتعلم من تجربته ويختار بين بدائل حقيقية، لا بطولة معلقة خارج الزمن. عندئذ يصبح بناء الوعي عملًا متجددًا في فهم الصراع، لا مجرد تكرار لعبارات صحيحة فقدت، من كثرة تردادها، قدرتها على تفسير ما يستجد.

المثقف والإعلامي بين الانتماء واستقلال الحكم

   لا يقف المثقف أو الإعلامي خارج المجتمع المقاوم ليصدر أحكامًا عليه من برج عاجي، ولا يُطلب منه أن يتنصل من انتمائه كي يكتسب صفة الموضوعية. من يعيش قضايا أمته ويعرف تاريخها وآلامها وتطلعاتها يملك موقعًا معرفيًّا لا ينبغي الاستخفاف به. ومن داخل هذا الانتماء نفسه تنشأ مسؤوليته عن صحة ما يقول. فعدالة الغاية لا تقوم مقام الدليل في تفسير حدث أو تقدير مآل، كما أن دقة التقدير لا تنفي الالتزام. الانتماء يمنح المعرفة وجهتها، والبحث الأمين يمنح الموقف بصيرته.

   هذه إحدى الدلالات المهمة في تصور إدوارد سعيد للمثقف الذي يقول الحقيقة للسلطة، ويرفض أن تُختزل المعرفة في وظيفة تؤديها المؤسسة أو خدمة يشتريها الجمهور. غير أن السلطة التي ينبغي التحرر من ضغوطها لا تقتصر على الحاكم أو الجهة المعادية. قد يكون مصدر الضغط مؤسسة يعمل فيها الكاتب، أو تنظيمًا يقترب من موقفه، أو جمهورًا يخشى خسارة ثقته، أو رغبة شخصية في البقاء صاحب القول الذي لا يخطئ. وتظهر قيمة استقلال الحكم في هذه المواضع تحديدًا، حين يستطيع المثقف أن يحافظ على التزامه بالقضية من دون أن يسلّم لأحد حق تقرير ما يجوز له أن يعرفه أو يقوله.

   وقد تختلف داخل المجتمع المقاوم تقديرات صادقة لميزان القوة، أو لأولويات العمل، أو لكلفة خيار بعينه. وليس في هذا الاختلاف ما يوجب الشك في أصل الانتماء، فقد تتعدد القراءات مع وحدة الغاية واختلاف المعطيات وزوايا النظر. وحين تتاح لهذه القراءات مساحة جادة للنقاش، تتسع قدرة المشروع على إدراك بدائله وتقدير ما يواجهه. فاستقلال الحكم ليس انسحابًا من الالتزام، بل إسهام في جعله أقدر على فهم شروط الفعل.

   والجمهور المعني بالمقاومة ليس مادة خامًا يستجيب كلما ارتفعت نبرة الخطاب. إنه جمهور يملك تجربة وذاكرة وحسًا سياسيًّا، وقد يدفع بعض أفراده كلفة الصراع في حياتهم وأرزاقهم وأمنهم. احترامه يقتضي مخاطبة عقله ووجدانه معًا، وإمداده بما يعينه على الفهم والثبات، من غير وصاية على حكمه أو استسهال التأثير فيه. فالكلمة التي تستنهض الإرادة لا تتنازل بذلك عن واجب الصدق، كما أن التحليل الذي يعرض الاحتمالات لا يتخلى عن مسؤوليته تجاه المجتمع الذي يخاطبه.

   الأمانة ليست حيادًا بين الحق والهيمنة

   في فلسفة طه عبد الرحمن الائتمانية مدخل مهم لفهم هذا الموقع. فالإنسان في علاقته بالعالم ليس مالكًا مطلق التصرف، وإنما مستأمن على ما وُضع في عهدته. وعندما ننقل هذا المعنى إلى عمل الكاتب والإعلامي، فإننا لا ننسب إلى عبد الرحمن نظرية جاهزة في الإعلام، بل نستفيد من أصله الأخلاقي لطرح سؤال محدد: ماذا يعني أن يملك شخص القدرة على تفسير تجربة عامة، والتأثير في وعي الناس، من دون أن يكون مالكًا للحقيقة أو لتجربة أصحابها؟

   الجواب يتجاوز الدعوة إلى النزاهة الشخصية. فالأمانة هنا مسؤولية عن صيانة المعرفة من التحريف، وعن رعاية قدرة الناس على الفهم والحكم. الصيانة تمنعنا من اختلاق الوقائع، وإخفاء الدليل المخالف، وانتزاع الشهادة من سياقها حتى تقول ما نريده نحن. والرعاية تلزمنا بألا نكتفي بتجنب الخطأ، بل أن نبني معرفة قابلة للاستخدام والتصحيح، تحفظ ذاكرة المجتمع وتوسع قدرته على الاختيار. وبهذا تصبح الأمانة قيدًا على سلطة الكاتب، لا شهادة تمنحه سلطة أعلى على جمهوره.

   ولهذا السبب لا تعني الأمانة الوقوف على مسافة واحدة بين قوة احتلال وشعب يقاومها. الحياد المصطنع قد يطمس اختلال القوة، ويساوي بين من أنشأ علاقة القهر ومن يسعى إلى التحرر منها. لكن الانحياز للحق لا يغير طبيعة الواقعة ولا يجيز تزييفها. ومتى ثبت الظلم، كانت الحقيقة نفسها أساسًا كافيًا لبيان طبيعته وكشف الآليات التي تحميه. بهذا المعنى تصون الأمانة الموقف من أن يخضع صدقه لحساب المنفعة العاجلة.

   التحليل والتعبئة، اختلاف الوظيفة لا تناقض الغاية

   وتتضح قيمة هذا المعنى في الصلة بين التحليل والتعبئة. فاختلاف الوظيفتين لا يعني تعارضهما، ولا أن إحداهما أقرب إلى العقل والأخرى إلى العاطفة. في التجارب التحررية الطويلة، لا تكفي معرفة موازين القوة وحدها لبناء إرادة الفعل، مثلما لا تغني قوة الالتزام عن فهم العالم الذي تعمل فيه المقاومة. وحين تتساند الوظيفتان، تستند التعبئة إلى وعي، ويجد التحليل في غاية التحرر ما يحدد أسئلته من غير أن يملي نتائجه.

   التحليل يسعى إلى معرفة ما يجري، وتفسير موازين القوى، وفهم الخيارات وتقدير الاحتمالات. وهو مطالب بأن يميز بين ما ثبت بالدليل وما بقي موضع ترجيح، وأن يراجع نتائجه عندما تتغير الوقائع. أما التعبئة فتخاطب الإرادة والوجدان، وتمنح الناس أسبابًا للثبات وتحمل الكلفة، وتصل الفعل بمعناه الأخلاقي والسياسي. وقد يقوم الخطاب الواحد بالوظيفتين معًا. فالشرح الدقيق لأسباب الصراع يمكن أن يعمق الالتزام، والدعوة إلى الصمود قد تتضمن فهمًا واقعيًّا لطبيعة الخطر. وليس في حضور العاطفة ما يسقط الصدق، كما أن هدوء النبرة لا يمنح الكلام حصانة من التضليل.

   وحين نميز الوظيفتين، لا نقيم بينهما فاصلًا جامدًا، بل نميز بين سؤال ما تسمح به الشروط وسؤال ما يستحق الدفاع عنه. فتحليل موازين القوى يقدر الخيارات والاحتمالات في ضوء المعطيات، فيما تبرز التعبئة معنى الحق الذي يدعو الناس إلى الثبات والعمل، ولو كانت الطريق إليه شاقة. إذ لا يلغي إدراك كلفة الفعل قيمته، ولا تعفي قيمة الغاية من حسن تقدير وسائل بلوغها. بهذه الصلة يصبح التحليل عونًا على الفعل، وتصبح التعبئة قدرة على تحمل المسؤولية، لا مجرد استجابة عاطفية.

   ومن هنا تأتي أهمية التمييز بين إمكان النصر وترجيحه وضمانه. فالإمكان يتصل بما تسمح به الشروط، والترجيح بما تسنده الأدلة من تقدير لاحتمال دون غيره، أما الضمان فيفترض يقينًا لا تتيحه عادة صراعات تتغير فيها الموازين والقرارات والمعلومات. وليس هذا التمييز بحثًا عن لغة أقل تأثيرًا، بل ضبط لمواضع اليقين والاحتمال. فالأمل قد يستند إلى عدالة القضية وإلى ما يمتلكه المجتمع من إرادة وقدرة على الفعل، من دون أن يتحول إلى ادعاء بمعرفة المستقبل. وتظل المراجعة جزءًا من حيوية التحليل حين تتغير المعطيات، لا تراجعًا عن مشروعية الغاية.

   وهنا يظهر الحد الفاصل بين التعبئة الصادقة والدعاية التضليلية. فالدعاية قد تقوم على كذب صريح، وقد تنتقي وقائع صحيحة وتنزعها من سياقها حتى توحي بصورة غير صحيحة. أما التعبئة الصادقة، فتنطلق من أن الحقيقة ليست عائقًا أمام استنهاض الإرادة. تستطيع أن تخاطب العاطفة، وأن تستخدم البلاغة والرمز والذاكرة، وأن تبرز وجوه القوة والثبات، من غير أن تستبدل المعرفة بالإيهام. فالمعيار ليس حرارة الكلام أو برودته، بل الأمانة في صلة ما يقال بما نعرفه وبما نرجوه وبما نلتزم بالدفاع عنه.

   وليس الصدق قيدًا يضعف التعبئة، بل قد يكون مصدر قوتها الأعمق. فالناس لا يحتاجون دائمًا إلى وعد بنتيجة قريبة حتى يجدوا ما يحملهم على الثبات. قد يكون إدراك معنى ما يدافعون عنه، ومعرفة طبيعة الصراع الذي يخوضونه، أشد أثرًا من أي طمأنة عابرة. وهنا لا تتحول التضحية إلى غاية مستقلة، ولا يصبح الاحتكام إلى الكلفة نوعًا من الخذلان. تقدير الوسائل والنتائج واجب، لكن لا يجوز أن نجعل ميزان القوة المادية وحده حكمًا نهائيًّا على قيمة الحرية والكرامة.

   ويتجلى هذا المعنى في الموقف الحسيني. فلم يستمد الموقف في كربلاء قوته من توقع غلبة عسكرية قريبة، بل من رفض أن يتحول السكوت إلى إقرار للظلم، ومن الإيمان بأن حفظ الدين والكرامة والحق غاية لا تستنفدها حصيلة المواجهة المادية. وكان إدراك اختلال موازين القوة جزءًا من وضوح الموقف، لا ما يسقط معناه. ولهذا ظلت في الوعي الإسلامي مثالًا على أن قوة التعبئة يمكن أن تنبع من صدق القضية والاستعداد لتحمل كلفتها، لا من الوعد بنتيجة دنيوية مضمونة. وليس المقصود تحويل كل مواجهة معاصرة إلى كربلاء أخرى، بل استحضار مرجعية تذكر بأن حساب القوة لا يغني عن الحكم الأخلاقي، كما لا يغني الحكم الأخلاقي عن حسن تقدير الوسائل.

   ومن هنا، يمكن فهم منزلة الصدق في الموروث الأخلاقي للمقاومة الإسلامية. فهذا الموروث، كما يضيئه المثال الحسيني، لا يجعل تعمد بث الآمال الموهومة وسيلة مشروعة لاستنهاض الناس، ولا يربط قيمة الثبات بضمان غلبة ميدانية قريبة. إنما يصل بين معرفة شروط المواجهة، وبين وضوح الغاية التي يجري الدفاع عنها. ولذلك فإن الواقعية ليست اسمًا آخر للانسحاب، كما أن التعبئة ليست اسمًا آخر لتجاوز الواقع. وهما، متى انتظمتا بالأمانة، وجهان متكاملان لقدرة المجتمع على الفهم والفعل.

   بناء السردية

   إذا كانت السردية المقاوِمة مطالبة بتفسير التجربة، فلا يمكن أن تبقى رهينة الخبر العاجل. فالخبر يخبرنا بما وقع في لحظة معينة، لكنه لا يكفي وحده لشرح كيف نشأت علاقات القوة، أو لماذا استطاع مجتمع الصمود، أو كيف تغيرت خياراته بمرور الزمن. ومهما اتسعت صور الدمار والضحايا، فإن المجتمع الذي لا يظهر إلا من خلال ما يقع عليه من أذى يبقى ناقص الحضور في الرواية. المقاومة ليست مجرد رد فعل على عدوان، بل فعل تقوم به جماعة لها تاريخ ومصالح وثقافة وتناقضات وقدرة على المبادرة.

   لهذا، فإن حفظ الذاكرة ليس عملًا عاطفيًّا ملحقًا بالسياسة. إنه جزء من معرفة المجتمع بنفسه، ومن قدرته على تفسير ما يدافع عنه وما يريد أن يصير إليه. وقد لفتت تحرير حمدي، في دراستها لتخيل فلسطين، إلى صلة الثقافة والذاكرة والمكان باستمرار الهوية الوطنية. وتفيدنا هذه الفكرة خارج المثال الفلسطيني أيضًا، لا بنقل رموزه إلى تجارب أخرى، بل بفهم أن كل مقاومة تحتاج إلى رواية تعيد للناس تاريخهم بوصفهم أصحاب فعل، لا مجرد ضحايا ينتظرون أن يتحدث أحد باسمهم.

   والأرشيف هنا أكثر من مخزن للصور والوثائق. قيمته أنه يسمح بالعودة إلى ما قيل وما حدث، ومقارنة التقديرات بنتائجها، واستعادة شهادات أصحاب التجربة من دون اختزالها في مادة يستعملها الباحث أو الإعلامي كما يشاء. وقد يختلف تفسير الشاهد عما يخلص إليه المحلل، وليس المطلوب إلغاء أحدهما لصالح الآخر. الأمانة تقتضي احترام معرفة من عاش الحدث، مع إبقاء الرواية العامة قابلة للفحص والنقاش. فمن حق المجتمع أن يروي تجربته، كما أن من حقه أن يسائل الرواية التي تُصاغ باسمه.

   ولا يكتمل هذا الجهد بمهارات أفراد مهما بلغت كفاءتهم. يحتاج بناء المعرفة إلى مؤسسات تحفظ المواد، وتتيح للباحث أن يعمل خارج إيقاع الاستجابة اليومية، وتراجع الأخطاء، وتفسح المجال لاختلاف التقديرات. وتحتاج السردية إلى ترجمة واعية تنقل معناها إلى جمهور لا يشاركها الخلفية نفسها، من غير أن تستبدل مفردات التحرر بقاموس يجعل القضية مجرد اضطراب ينبغي إدارته. ويظل التمويل ومُلكية المنابر وشروط الوصول إلى الجمهور مسائل لا يجوز تجاهلها، لأن استقلال القول يضعف إذا بقيت أدوات إنتاجه وتداوله مرهونة بمن يملك القدرة على تعطيله.

   ولا يعني بناء سردية جامعة فرض صوت واحد على مجتمع متعدد. وحدة الغاية لا تلغي اختلاف الخبرات والمواقع والتقديرات، بل تمنحها أفقًا مشتركًا للنقاش. وكلما استندت السردية إلى معرفة قابلة للفحص والتطوير، استطاعت استيعاب ما يستجد من وقائع وأسئلة، من غير أن تفقد مركزها الأخلاقي والسياسي. قوتها في قدرتها على جمع الذاكرة بالتحليل، والحق بالدليل، والالتزام بحرية السؤال. وعندما تنجح في ذلك، لا تعود مجرد خطاب يقارع رواية الخصم، بل تصبح جزءًا من قدرة المجتمع على أن يفهم نفسه، ويتعلم من تجربته، ويختار طريقه بوعي.

   خاتمة

   لا ينتهي نقد الهيمنة الإعلامية حين نثبت أن خبرًا حجب فاعله، أو أن منبرًا اختار إطارًا يخدم القوة المسيطرة. هذه بداية ضرورية لفهم ما يجري، لكنها لا تكفي لبناء سردية مقاومة. فالمعركة على المعنى لا تُحسم بمن يجيد الاعتراض على الرواية السائدة وحده، وإنما أيضًا بمن يستطيع إنتاج معرفة لا تفقد اتجاهها كلما تغير عنوان الخبر.

   ومن هنا، تتصل ثلاث مسؤوليات لا يجوز فصلها: أن نفهم الواقع وموازين القوة بما تسمح به الوقائع وأدوات التحليل؛ وأن نحفظ للالتزام والتعبئة دورهما في استنهاض الإرادة وتوضيح ما يستحق الدفاع عنه؛ وأن نتعامل مع المعرفة ووعي المجتمع بوصفهما أمانة نصونها من التحريف ونرعاها بما يزيد القدرة على الفهم والفعل. عندئذ لا يعود الصدق عائقًا أمام التعبئة، ولا يصبح ثبات الموقف بديلًا عن معرفة شروط تحقيق غايته.

   السردية التي تستحق أن تُبنى هي تلك التي لا تستجدي من الخصم اعترافًا بحقها في الكلام، ولا تجعل غايتها أن تقدم نسخة معكوسة من روايته. إنها معرفة تنحاز إلى التحرر، وتملك الشجاعة في تسمية الظلم، والدقة في قراءة القوة، والقدرة على مخاطبة الوجدان من غير أن تفارق الحقيقة. وبقدر ما يتحقق ذلك، تنتقل المقاومة من الاكتفاء بالدفاع عن صورتها إلى امتلاك شروط رواية تاريخها وصناعة مستقبلها.

اخبار ذات صلة