تتواصل المباحثات الإيرانية مع الوسيط القطري في الدوحة، وسط تعتيم إعلامي وحالة من الترقّب والحذر. وإذا كانت الأنباء الواردة من هناك توحي بأن المباحثات تسير قدماً، فإن تجربة التقلّبات في جولات التفاوض السابقة بین طهران واشنطن، أثبتت أنه «لا اتفاق على شيء، حتى يُتفق على كلّ شيء». بدا الأسبوع المنصرم الأكثر زخماً على الصعيد الدبلوماسي مُقارنة بالأسابيع التي خلَت؛ إذ شهدت قنوات الاتصال والوساطة في خلاله نشاطاً غير مسبوق، بدءاً من طرح المبادرة القطرية، مروراً بزيارة كبار المسؤولين الأمنيين لـ«حلف مكة» إلى طهران، ووصولاً إلى الرسالة الخطّية لنائب الرئيس الأميركي، جي دي فانس، إلى أمين «المجلس الأعلى للأمن القومي» الإیراني، محسن رضائي. غير أن هذا النشاط قد لا يعكس انفراجاً قريباً، بقدر ما يؤشّر على تعاظم خطر مواجهة عسكرية واسعة النطاق بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة ثانية، تنصبّ المساعي الاستثنائية الجارية الآن على درء شبحها.
وشكّلت زيارة رئيس الوزراء القطري، محمد بن عبد الرحمن آل ثاني، إلى طهران، الجمعة، والتي امتدّت لنحو اثنتي عشرة ساعة من المباحثات المُكثّفة مع المسؤولين الإيرانيين، بالتزامن مع التواصل المباشر مع الجانب الأميركي، المحطّة الأبرز في إطار تلك المساعي. ومِن بَعدها، سُجّل، أول من أمس، توجّه وفد إيراني إلى الدوحة، حيث خاض نائب وزير الخارجية الإيراني، خلال اليومَين الماضيين، مباحثات مُضنية مع الطرف القطري، بينما ظلّ الأخير على اتصال دائم بالولايات المتحدة. وتهدف المبادرة القطرية، التي تشكّل الإطار التفاوضي الأساسي حالياً، إلى إيجاد قاسم مشترك يلبّي هواجس الطرفَين الإيراني والأميركي، عنوانه «تنفيذ الالتزامات المتبادلة، خطوة بخطوة، ضمن إطار زمني لا يتجاوز خمسة أيام». غير أن «وكالة الأنباء الرسمية الإيرانية» أفادت، أمس، بأنه رغم استمرار الحوار، إلا أن «الخلافات الجوهرية حول أولوية تنفيذ الالتزامات وتوقيت المفاوضات النووية» ما زالت تشكّل «العقبة الكأداء والأساسية» أمام ولادة أيّ اتفاق إيراني - أميركي.
وتُصِرّ طهران على وجوب أن تتبنّى واشنطن «الشروط السبعة» الإيرانية المُستنِدة إلى تفاهمات «إسلام آباد»، وفي مقدّمتها «وقف الحرب على جميع الجبهات»، و«رفع الحصار البحري»، و«إلغاء العقوبات النفطية»، و«الإفراج عن الأصول المُجمّدة»، و«الاعتراف بدور إيران في إدارة مضيق هرمز»، على أن تبادر إيران في إثر ذلك إلى فتح المضيق. وكان اقترح الجانب الإيراني سابقاً إطاراً زمنياً من «سبعة أيام» لتنفيذ هذا المسار، لكن وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، اعتبر، أمس، أن هذه العملية يمكن ضغطها وإنجازها خلال «يومَين» فقط. وأشار إلى أن المباحثات التي يجريها مساعده مع الوسطاء القطريين في الدوحة «تسير قدماً» وتتواصل بزخم، مستدركاً بالقول إنها «لم تبلغ بعد مرحلة النتيجة النهائية والقطعية». وفي ما يخصّ طبيعة التواصل مع الجانب الأميركي، نفى الوزير الإيراني قطعياً حصول أيّ لقاء مباشر، مؤكداً أنه «لم يجرِ أيّ لقاء مع الوفد الأميركي، وليس هناك أيّ ترتيب لعقده».
وفي الوقت الذي جرى فيه الحديث عن أن إيران تعكف على إعداد ردّ على رسالة فانس التي طالب فيها بمفاوضات مباشرة، وإدراج الملف النووي في جدول أعمال هذه المفاوضات، تشير المعطيات الراهنة إلى أن الجانب الإيراني آثر التريّث في إرسال الردّ في انتظار جلاء نتائج محادثات الدوحة. وفي هذا السياق، أشارت أوساط مُقرّبة من «المجلس الأعلى للأمن القومي»، أمس، إلى أنه «إذا جاء الردّ الأميركي إيجابياً ومؤيّداً للمطالب الإيرانية السبعة، فمن المُرجّح أن تردّ طهران على رسالة فانس. أمّا في حال كان الردّ سلبياً، فمن المُرجّح أن تُترك الرسالة بلا رَدّ». وكان أكّد رضائي، مساء أول من أمس، في حديث تلفزيوني، أنه اطّلع على رسالة فانس ولم يردّ عليها بعد، واصفاً «نبرة» الرسالة بأنها «مختلفة» عن المخاطبات الأميركية السابقة، ومعتبراً إياها «إشارة إيجابية». غير أنه أكّد في الوقت ذاته أن طهران لم تقُم بأيّ تعديل على إطارها التفاوضي السابق، بمعنى أنها لا تزال تتمسّك بشرط تحقيق المطالب السبعة بوصفها مدخلاً إلزامياً للولوج في أيّ مرحلة جديدة من المفاوضات، وترفض رفضاً قاطعاً الخوض في الملف النووي قبل استكمال هذه الشروط. في المقابل، يبقى الملف المذكور، ولا سيما مسألة استئناف عمليات التفتيش ووضع مخزون إيران من اليورانيوم المُخصّب، الذي يُقدّر بأكثر من 400 كيلوغرام - وهو مخزون كافٍ نظرياً لإنتاج عشر قنابل ذرية -، النقطة المركزية والمطلب الأساسي بالنسبة إلى الجانب الأميركي في هذه المرحلة الأولى. وعليه، وفي حال عدم تنازل الطرفَين عن مطالبهما، فإن مصير المبادرة القطرية سيكون الفشل الذريع، والانجرار بالتالي إلى المواجهة العسكرية التي يستعدّ لها كلاهما.
وفي وقت أعلن فيه الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، في أحدث تصريحاته، أنه في صدد اتخاذ قراره بشأن توجيه ضربة إلى إيران، ردّت طهران برفع سقف الاستنفار العسكري. ففي أعقاب «الأمر» الصادر، أول من أمس، عن المرشد الإيراني، آية الله مجتبی خامنئي، إلى القادة العسكريين بالردّ «الفوري» و«من دون أيّ قيود جغرافية» على أيّ تهديد محتمل، قال وزير الدفاع الإيراني، مهرداد أخلاقي، أمس، إن القدرات القتالية للقوات المسلحة يجري رفعها بما يتلاءم مع تنفيذ هذا التوجيه. وفي السياق ذاته، حذّر المتحدّث باسم الجيش الإيراني، محمد أكرمي نيا، من أنه في حال اندلاع حرب جديدة، فإن «نطاق المواجهة لن يقتصر على منطقة غرب آسيا فحسب». وفي إشارة إلى تعزيز الجاهزية العملياتية وتحديث بنك الأهداف، أكّد أكرمي نيا أن أيّ حرب مُحتملة مقبلة قد تكون «أطول أمداً بأضعاف مضاعفة» مُقارنة بالحرب السابقة
المصدر: الأخبار اللبنانية