تحوّلت شوارع الضفة الغربية المحتلة، من جنين شمالاً إلى الخليل جنوباً، إلى ساحة مفتوحة للدعاية الدموية خلال الانتخابات الإسرائيلية، وذلك في سباقٍ محموم على استقطاب أصوات مئات الآلاف من المستوطنين الذين باتوا رقماً وازناً في صناديق الاقتراع. وجاء شعار «إمّا فلسطين أو يمين»، الذي رفعه اليمين الإسرائيلي في هذا الاستحقاق، ليعبّر بوضوح عن رؤيته حيال القضية الفلسطينية، وتحديداً مستقبل الضفة الغربية، القائمة على جعل إقامة دولة فلسطينية أمراً مستحيلاً، ومواصلة قضم أراضي الضفة وعزلها عن القدس الشرقية، وإطلاق العنان للمشروع الاستيطاني بلا أيّ قيود.
ويستند اليمين الإسرائيلي في هذه الرؤية إلى غطاء ديني توراتي يَعُدّ الضفة جزءاً لا يتجزّأ مما يسمّيه «أرض إسرائيل الكاملة»، ويرى في ضمّها وحسم الصراع عليها «واجباً». وكان تُرجم هذا التوجّه صراحةً في الاتفاق الائتلافي الذي قامت عليه حكومة بنيامين نتنياهو المنتهية ولايتها؛ إذ نصّ على أن «للشعب اليهودي حقاً حصرياً لا جدال فيه في أنحاء أرض إسرائيل كافة». كما ألزم الاتفاقُ الحكومة بتطوير الاستيطان في كل ما تسمّيه «أرض إسرائيل»، وإحكام القبضة على القدس عبر تعزيز الوجود اليهودي فيها، وتعزيز دعم الهجرة الاستيطانية وعملية استيعاب مستوطنين جدد، فضلاً عن إيلاء «التراث اليهودي» اهتماماً أكبر، في إشارة ضمنية إلى الضفة.
ولم يتأخر اليمين الإسرائيلي في ترجمة رؤيته تلك على الأرض، وتحديداً عبر سنّ حزمة من القوانين التي تعزّز الاستيطان في الضفة وتدفع نحو تقنين «السيادة» الإسرائيلية عليها. فمع بداية ولاية «الكنيست» السابق، قُدّم 31 مشروع قانون في هذا الاتجاه، في وقت تصاعدت فيه وتيرة مصادرة الأراضي الفلسطينية لمصلحة بناء المستوطنات أو القواعد العسكرية، لتبلغ مساحة المناطق المُصادَرة آلاف الدونمات، ولا سيّما في منطقة الأغوار وشمال الضفة الغربية.
وتَرافق ذلك مع موافقة الحكومة على بناء 41,709 وحدات استيطانية خلال السنتين والنصف الماضية، بزيادة نسبتها 40%، وهو رقم يفوق ما أُقرّ خلال السنوات الستّ التي سبقت تشكيلها. وفي خلال المعركة الانتخابية الأخيرة، صوّب قادة اليمين المتطرّف، دعايتهم نحو مستوطني الضفة، مغذّين مخاوف هؤلاء من وصول معسكر غادي آيزنكوت إلى الحكم، وملوّحين بأن ذلك قد يعني إخلاءهم من هناك وإعادتهم إلى داخل الأراضي المحتلة عام 1948.
يلتقي الجميع عند رفض أيّة سيادة فلسطينية
في المقابل، فإن الرؤية الاستراتيجية لأحزاب المعارضة لا تختلف، في جوهرها، عن رؤية اليمين، ولا سيما في ما يتعلّق برفض السماح بإقامة دولة فلسطينية، أو الدخول في مسارات سياسية يمكن أن تفضي إلى تسوية قابلة للتنفيذ.
وعلى الرغم من أن حزب «الديمقراطيون» بقيادة يائير غولان، المحسوب على «اليسار الإسرائيلي»، يرفع شعار «الانفصال المسؤول عن الفلسطينيين»، ويعارض ضمّ الضفة، ويدعو إلى وقف المسار الذي يكرّس السيطرة الدائمة عليها، فإن «حلّ الدولتين» لم يعد يتصدّر برنامجه كما كان حال هذا التيار سابقاً. ويطالب الحزب بوقف التوسّع الاستيطاني الذي يقوّض إمكانية قيام كيان فلسطيني قابل للحياة، وبتعزيز التنسيق الأمني مع السلطة الفلسطينية، بالتوازي مع «إصلاح» الأخيرة مؤسسيّاً وسياسيّاً، لكنه يتمسّك في المقابل بحرية العمل العسكري الإسرائيلي «عند الضرورة»، وبضمانات تمنع نشوء «تهديدات جديدة».
أمّا حزب «يَشار» الذي يقوده غادي آيزنكوت، فمقاربته تبدو أمنية واستراتيجية بالدرجة الأولى؛ فهو لا يؤيّد «حلّ الدولتين» ولا يقدّم تصوّراً سياسياً مُفصّلاً لإنهاء الصراع، بل يشدّد أولاً على تجنّب أي خيار قد يعرّض أمن إسرائيل للخطر، مع الحذر الدائم من ضمّ ملايين الفلسطينيين وما يستتبعه ذلك من تداعيات ديموغرافية وسياسية.
في المقابل، يتبنّى حزب «معاً» بقيادة نفتالي بينت توجّهاً يمينياً صهيونياً صريحاً، يقوم على رفض الانسحاب من الأراضي التي يعتبرها ذات أهمية استراتيجية، وهو ما ينطبق على الضفة الغربية. وبدلاً من المفاوضات، يفضّل هذا التيار توسيع الحكم الذاتي المدني للفلسطينيين وتحسين ظروفهم المعيشية، وفق مفهوم «تقليص الصراع» الذي يَعِد بتسهيلات في العمل والحركة والخدمات، من دون أي سيادة سياسية. ويتجلّى ذلك في موقف بينت من منطقة «E1» بين القدس ومستوطنة «معاليه أدوميم»، إذ يؤيّد البناء الاستيطاني فيها بوصفه رافعة للتواصل الجغرافي الإسرائيلي، علماً أن التوسّع هناك يهدّد بقطع التواصل الفلسطيني بين شمال الضفة وجنوبها.
بدوره، يذهب حزب «إسرائيل بيتنا» بقيادة أفيغدور ليبرمان أبعد في رفض المسار الذي أطلقته اتفاقيات «أوسلو»، داعياً إلى إلغاء هذه الأخيرة وتفكيك السلطة الفلسطينية، بذريعة أنها فشلت في تحقيق الأمن أو إنتاج تسوية مستقرّة. وفي هذا السياق، كان دعا ليبرمان إلى البحث عن ترتيبات إقليمية بديلة لإدارة المناطق الفلسطينية، طارحاً تصوّراً لإعادة توزيع المسؤوليات السياسية والمدنية والأمنية بين إسرائيل والأردن وأطراف عربية ودولية أخرى، مع فصل الضفة عن قطاع غزة في ترتيبات الحكم. وفي الضفة تحديداً، يدعو الحزب إلى فرض السيادة الإسرائيلية على المنطقة «ج»، ونقل إدارة الشؤون اليومية والنظام العام في المنطقتين «أ» و«ب» إلى صيغة تعاون أو كونفدرالية مع الأردن (على أن تبقى المسؤولية الأمنية فيهما لإسرائيل).