إحسان عطايا**
قبل واحد وثلاثين عاماً، وتحديداً في 26 تشرين الأول 1995، كان رئيس حكومة العدو ووزير حربها الأسبق إسحاق رابين يشرف على مجموعة «الموساد» التي كلفت بتنفيذ عملية اغتيال مؤسس حركة الجهاد الإسلامي في فلسطين، وأمينها العام الأول، الدكتور فتحي الشقاقي في جزيرة مالطا، في أثناء عودته من زيارة إلى ليبيا قام بها لإجراء وساطة، بحضور قادة من فصائل المقاومة الفلسطينية (هدفت الوساطة إلى معالجة مشكلة اللاجئين الفلسطينيين الذين تم البدء بإبعادهم من أماكن إقامتهم في ليبيا إلى الحدود المصرية، بقرار من الزعيم الليبي الأسبق معمر القذافي احتجاجاً على اتفاقية أوسلو).
الملاحقة والاعتقال
لقد قام العدو وأجهزته الأمنية بمراقبة الشقاقي ومتابعة تحركاته، منذ الأيام الأولى التي بدأ فيها نشاطه الفكري والجهادي والتنظيمي في فلسطين، وشدد المراقبة أكثر بعد عودته من مصر، حيث درس الطب، ليعمل طبيباً في القدس وغزة.
في ذلك الوقت، كانت قد تبلورت لديه رؤية فكرية واضحة حول مشروع مقاوم يدمج فيه بين المفهوم الإسلامي والعمل الوطني، فقرر الانطلاق بهذا المشروع مع ثلة من إخوانه، والمباشرة في العمل لبناء إطار تنظيمي فاعل ومؤثر، في خطوة إبداعية تجمع بين الإسلام وفلسطين عبر الجهاد.
ومع توسع دائرة تأثير نشاطه المثمر، ازدادت المخاوف لدى قادة العدو من قدرة الشقاقي على الوصول إلى عقول مختلف شرائح الشعب الفلسطيني وقلوبهم، وإحداث زلزال أمني يغير واقع الاحتلال في المستقبل، ما أدى إلى اعتقاله مرات عديدة، وإصدار أحكام مختلفة بحقه. غير أنه بعقله الراجح وفكره الثاقب اغتنم الأسر وحوله إلى فرصة استفاد منها في نشر أفكاره والدعوة إلى مشروعه، وحوّل السجن من مكان لتقييد حريته إلى مكان حيوي لنشاطه التنظيمي.
من معركة الشجاعية إلى انتفاضة الحجارة
برزت حركة الجهاد الإسلامي في فلسطين بقيادة أمينها العام المؤسس الدكتور فتحي الشقاقي منذ مطلع الثمانينيات، حيث تنامى نشاطها، وازدادت شعبيتها، وتطورت عملياتها العسكرية ضد جنود الاحتلال، ولا سيما بعد عملية «الهروب الكبير» من سجن غزة المركزي، لستة من أبطالها بقيادة مصباح الصوري في 17/5/1987، والذين أصبحوا مطاردين لاحقاً، وخاضوا لأشهر عديدة مواجهات ومعارك ضارية مع جيش العدو في شوارع غزة وأزقتها، وكبّدوه خسائر في صفوفه من الضباط والجنود بين قتلى وجرحى.
لقد وجه هؤلاء البواسل ضربات أمنية وعسكرية موجعة لكيان الاحتلال، قبل أن يستشهدوا خلال اشتباكات ومواجهات بطولية متفرقة، أبرزها معركة الشجاعية في 6/10/1987، والتي اعتبرت محطة مفصلية في تاريخ حركة الجهاد الإسلامي، حيث مهدت الطريق أمام انتفاضة الحجارة في 8/12/1987، وقدمت دليلاً عمليّاً قويّاً على هشاشة المنظومة الأمنية الصهيونية، وشحنة معنوية هائلة للشعب الفلسطيني في غزة، فشكلت رافعة لانطلاقة الشارع الفلسطيني الغاضب رفضاً للاحتلال واعتداءاته المتواصلة.
قرار الإبعاد
وجد قادة العدو أنفسهم أمام ظاهرة لا سابق لها منذ احتلالهم فلسطين عام 1948، فقرروا إبعاد الشقاقي، بسبب تأثيره الكبير على الشباب والمثقفين داخل السجون وخارجها، وتفاعل الجماهير المتنامي مع أفكاره ومشروعه، ولدوره البارز في إشعال الانتفاضة الأولى (انتفاضة الحجارة). واعتبروا أن هذا الإجراء هو الحل الأنسب لتقويض حركته والتخلص من نشاطه، ونفذوا قرار الإبعاد عبر الحدود اللبنانية في 1/8/1988، قبل انتهاء مدة أحكامه في سجون الاحتلال. وكان من أبرز المبعدين معه من قيادات الحركة آنذاك، أمينها العام الحالي ورفيق دربه زياد النخالة.
مسيرة «الجهاد الإسلامي» في الخارج
وكما هي عادة المفكر المقاوم الدكتور فتحي الشقاقي، فقد حول مجدداً الإبعاد إلى فرصة ذهبية لتوسيع دائرة نشاطه خارج فلسطين المحتلة، حيث تنقّل بين بيروت ودمشق وعواصم عربية وإسلامية أخرى، وسعى إلى تطوير قدرات الحركة العسكرية والسياسية والتنظيمية. وقد التقى بالعديد من الشخصيات الدينية والوطنية الفاعلة، والمثقفين والسياسيين، وقيادات قوى المقاومة، لشرح رؤيته الفكرية ومنهج الحركة في فلسطين وفلسفة نشأتها. وشارك في ندوات سياسية وفكرية، عرض فيها تصوره حول فلسطين على اعتبارها القضية المركزية للأمة، ودور الشعوب العربية والإسلامية في تحريرها، إلى جانب الشعب الفلسطيني الذي يشكل رأس الحربة في مشروع المقاومة.
وبعد جولات وزيارات قام بها الشقاقي في لبنان، وحرصاً منه على اغتنام الفرصة المتاحة أمامه والاستفادة من الطاقات الفلسطينية في الخارج، وإيماناً منه بأن الشعب الفلسطيني واحد في جميع أماكن وجوده، حرص الشقاقي على توسيع بنيان الحركة في فلسطين خارج نطاق الجغرافية الفلسطينية، ليكون لها امتداد طبيعي داخل المخيمات والتجمعات الفلسطينية في لبنان، وذلك لأهمية دور الفلسطيني المقاوم والمثقف في المشاركة الفاعلة لتحرير أرضه ومقدساته أينما كان.
وهكذا بدأت مسيرة «الجهاد الإسلامي» في الخارج، انسجاماً مع القرار الذي اتخذه مؤسسها وأمينها العام الأول. وقد كان لي شرف عظيم أن أكون، مع المهندس سليم حمادة رحمه الله تعالى، ضمن المجموعة الأولى النواة المكونة من أربعة إخوة، حيث اجتمعنا لساعات طويلة ليالي وأياماً بالدكتور الشقاقي، واستمعنا إلى طرحه وشرحه وإجاباته المسهبة على تساؤلاتنا الكثيرة حول رؤية الحركة ومشروعها ومنهجها ومبادئها وبرنامجها وطبيعة علاقاتها... قبل أن ننطلق للعمل المنظم، وبناء جسم جديد للحركة في الخارج شكل مع الجسم القائم في الداخل بنياناً متماسكاً وفاعلاً.
من قيادة العمليات الاستشهادية إلى الشهادة
وخلال مدة لم تتجاوز سنتين ونصف السنة تقريباً من عمل حركة الجهاد الإسلامي في الخارج، انطلقت مجموعات مقاتلة تابعة لجناحها العسكري، بالتنسيق مع المقاومة الإسلامية في لبنان، لتنفيذ عمليات عسكرية ضد قوات الاحتلال، عبر الجنوب اللبناني. في حين أن العمليات البطولية لمجاهدي الحركة التي كانت تستهدف جنود الاحتلال في داخل فلسطين لم تتوقف أيضاً، بل ارتفع مستواها، وتطور أداؤها من ناحية الأسلوب والنوعية والنتيجة، ما أربك قادة العدو وقضّ مضجعهم.
ومع تصاعد وتيرة العمليات الاستشهادية النوعية للجناح العسكري في الحركة ضد قوات الاحتلال، والتي كانت أبرزها عملية بيت ليد المزدوجة في 22/1/1995، حيث حصدت اثنين وعشرين قتيلاً من جنود العدو وضباطه، وستة وستين مصاباً بجروح متفاوتة، أصدرت قيادة العدو العسكرية والأمنية، برئاسة رابين و«الموساد»، قرار اغتيال الشقاقي في الخارج، لاعتباره العقل المدبر والمحرك الرئيس لتنفيذ هذه العمليات.
وبناء على ذلك، تم رصد تحركاته، وتحديد مكان الاغتيال وزمانه، وقامت وحدة الاغتيالات «كيدون» التابعة لـ«الموساد»، في 26/10/1995، بإطلاق عدة رصاصات أصابت رأسه مباشرة، بينما كان يسير في أحد شوارع جزيرة مالطا، حيث استشهد عن عمر يناهز أربعة وأربعين عاماً.
الفشل الذريع والصعود المدوي
هكذا تنقل العدو بإجراءاته التي استهدفت الشقاقي، من الملاحقة الفكرية والاعتقال المتكرر، مروراً بالسجن ثم الإبعاد، وصولاً إلى الاغتيال الغادر في الخارج، في محاولات فاشلة للقضاء على مشروعه الذي أسسه، وتوجيه ضربة قاضية لحركة الجهاد الإسلامي.
ولكن كما قالها الشقاقي في حفل تأبين أمين عام حزب الله الأسبق الشهيد السيد عباس الموسوي: «إن حزباً يستشهد أمينه العام لا يمكن أن ينكسر أبداً»، رددها أمين عام حزب الله السيد حسن نصر الله في تشييع الشهيد فتحي الشقاقي: «إن حركة يستشهد أمينها العام لا يمكن أن تنكسر أبداً».
فببركة شهادته ودمائه الطاهرة، انتقلت «الجهاد» و«سرايا القدس» إلى أطوار من القوة والاقتدار لم يتوقعها العدو، وخاضت معارك ضارية كبدت فيها جيش العدو خسائر مادية ومعنوية جسيمة، وتوالى على قيادتها من صان الأمانة وحفظها، وتحمل المسؤولية بإخلاص وتفانٍ، وها هي اليوم بصعودها المدوي في صدارة المشهد السياسي والمواجهات العسكرية تسير بذكرها الركبان.
ولا ننسى أن نذكر أن مقتل رابين، في 4/11/1995، كان على يد يهودي قام بإطلاق النار عليه من مسافة قريبة جدّاً، فقط بعد تسعة أيام من استشهاد الشقاقي.
استحضار المنهج وتصويب البوصلة
إن استحضار شخصية الدكتور الشقاقي العبقرية، في ذكرى استشهاده، ليس لمجرد المرور العابر على محطات سيرته الغنية بالمواقف الفكرية والسياسية والجهادية، بل هو استحضار متجدد لأسئلة مصيرية طرحها في صلب رؤيته ومشروعه الفكري والجهادي.
لقد انطلقت أسئلته من «مركزية فلسطين» واعتبارها قضية العرب والمسلمين الأولى، وامتدت لتصل إلى طبيعة علاقتها بمحيطها العربي والإسلامي، ولم تنتهِ بمجرد استشهاده، بل ازدادت أهميتها على وقع التغيرات والتحولات الراهنة، والأحداث العاصفة التي حلّت بمنطقتنا، لتكتسب أبعاداً أشد عمقاً وإلحاحاً، تجعل العودة إلى تجربته وفكره مدخلاً أساسيّاً لفهم طبيعة الصراع مع العدو الصهيوني، والتحديات التي تواجه أمتنا.
ومن يرصد خطاباته وكلماته وكتاباته يشعر وكأن الشقاقي يعيش بيننا ويتحدث الآن، وذلك لما قدمه من رؤية مستنيرة، حول قضية فلسطين وارتباطها الوثيق بكل ما يجري في منطقتنا، فهي قطب الرحى ومحور الأحداث. ولهذا استشرف في انتصار الثورة الإسلامية الإيرانية عام 1979، الآثار الواضحة في التحولات التي ستطرأ على المنطقة، وعلى مستقبل القضية الفلسطينية.
ومن أبرز ما أكد عليه الشقاقي في طرحه، ما يلي:
- اعتبر العدو الصهيوني خطراً استراتيجيّاً يهدد الأمة كلها، وليس فلسطين وحدها.
- حذر من محاولات دمج الاحتلال في المنطقة، على حساب حقوق الشعب الفلسطيني وشعوب الأمة العربية والإسلامية.
- رأى أن فلسطين هي الناظم لوعي الأمة ونهضتها، ولا يمكن عزلها عن محيطها العربي والإسلامي.
- ربط المشروع الإسلامي المعاصر بالقضية الفلسطينية، واعتبر أن تحرير فلسطين هو البوابة الحقيقية لتعافي الأمة وتحقيق وحدتها.
--------------------
*(المصدر: جريدة الأخبار اللبنانية)
** عضو المكتب السياسي لحركة الجهاد الإسلامي في فلسطين
