يحيى دبوق*
وسط استقطاب حادّ، ورهانات متعاكسة بخصوص المرحلة المقبلة التي تَقدُم على أنقاض حروب ومواجهات وصراعات داخلية وخارجية مستعصية، يتوجّه الناخبون "الإسرائيليون"، اليوم، إلى صناديق الاقتراع لانتخاب أعضاء «الكنيست» السادس والعشرين. وتحتدم المنافسة في هذه الانتخابات، التي تُعدّ الأولى التي تُجرى في موعدها القانوني منذ عام 1988، بين معسكر رئيس الحكومة، بنيامين نتنياهو، ومعسكر خصومه، فيما لا يبدو أن أيّاً من الطرفين يملك ضمانة الأغلبية البرلمانية المطلوبة (61 مقعداً من أصل 120). وعليه، تتّجه الأنظار إلى الأحزاب الصغيرة وتلك العربية، بوصفها أطرافاً قد ترجّح موازين القوى.
ويشارك في الانتخابات نحو 7.3 ملايين ناخب، لاختيار 120 عضواً يتوزّعون على 38 حزباً سياسياً. لكن تشكيل الحكومة يتطلّب أغلبية من 61 مقعداً، وهي عتبة لا تمنحها استطلاعات الرأي الأخيرة لأيّ معسكر، بقدر ما تشير إلى تقارب شديد بين المعسكرَين. فاستطلاع «القناة 13» يعطي كتلة نتنياهو 50 مقعداً، في مقابل 54 لـ«التغيير»؛ واستبيان قناة «كان» يُظهِر تعادلاً عند 50 مقعداً لكلّ منهما، فيما تشير أخرى إلى 52 للمعارضة مقابل 50 لنتنياهو وحلفائه. وفي جميع هذه السيناريوات، يظلّ بلوغ عتبة الـ61 متعذّراً، وهو ما ينذر بالعودة إلى المأزق السياسي.
ويخوض نتنياهو الانتخابات مستفيداً من تحالفه مع الأحزاب الدينية والقومية (شاس، ويهدوت هتوراه، والصهيونية الدينية). وفي المقابل، تواجهه معارضة لا تفتأ تحاول توحيد صفوفها، ويتصدّرها حزب «يشار» بقيادة رئيس الأركان السابق، غادي آيزنكوت، الذي يتقدّم على زعيم «الليكود» في بعض استطلاعات المفاضلة الشخصية. ومن بين المفارقات هنا، أن نفتالي بينت ويائير لابيد، اللذين أطاحا بنتنياهو عام 2021، تحالفا في قائمة «ياحد» (معاً)، وسط تنافس بين بينت وآيزنكوت على قيادة المعسكر.
أمّا بالنسبة إلى فلسطينيّي الداخل، فيتنافس في أوساطهم تكتّلان: هما «القائمة المشتركة» (حداش، تعال، بلد)، التي أُجيزت بعد محاولات لاستبعادها، و«القائمة العربية الموحّدة» (راعم) بزعامة منصور عباس، الذي ضمّ إلى قائمته مرشحاً يهودياً، وأعلن استعداده للائتلاف مع أيّ حكومة مقبلة.
وعلى الرغم من أن الاستطلاعات تمنح ممثّلي العرب ما بين 14 و15 مقعداً، غير أن ترجمة الوزن الانتخابي العربي إلى تأثير سياسي تظلّ مرتبطة بمواقف الأحزاب الصهيونية وشروطها، وبمدى استعدادها لقبول دعم عربي. فكتلة نتنياهو ترفض الائتلاف مع الأحزاب الممثّلة لفلسطينيّي الـ14، وتتّهم خصومها بالاعتماد عليها، فيما يرفض أفيغدور ليبرمان أيّ تسوية معها، مفضّلاً انتخابات مبكرة، وكذلك بينت، وإن بحدّة أقل.
وفي المُجمل، فإن التحدّي الماثل أمام خصوم نتنياهو، يكمن في بناء ائتلاف متماسك بعد الانتخابات، ولا سيما في ظلّ استمرار تباين المواقف والحسابات في ما بينهم. فخسارة قائمة صغيرة فرصة تجاوز العتبة الانتخابية (3.25%) قد تغيّر الحسابات الائتلافية برمّتها، فيما يُحتمل أن تتحوّل المفاوضات التي ستعقب التصويت إلى جولة جديدة من الصراع، تطغى فيها الحسابات الحزبية على نتائج الانتخابات.
والجدير ذكره هنا، أنه مع إغلاق الصناديق (عند العاشرة ليلاً)، تعلن نتائج «استطلاعات الخروج» (وهي صناديق رديفة تُوضع خارج مراكز الاقتراع)، التي تكون عادة قريبة من النتائج الفعلية. غير أن هذه المؤشرات لن تحسم وحدها هوية الحكومة المقبلة التي تظلّ مرهونةً بمفاوضات ما بعد الانتخابات، وقد ينتقل زمامها من مكلّف إلى آخر، أو ينتهي الأمر إلى انتخابات جديدة يقدّر أن تكون، في حال فشل التشكيل، مطلع العام المقبل.
وهكذا، يبدو النظام السياسي الإسرائيلي مُجدّداً أمام اختبار القدرة على إنتاج أغلبية قادرة على الحكم، ولا سيما في ظلّ تعدّد الأحزاب وتضارب المصالح. وإذ ستتّضح موازين القوى بعد إغلاق الصناديق، فإن السؤال الأهمّ، والمتمحور حول من سيشكّل الحكومة فعلاً، سيظلّ مُعلّقاً.
*(المصدر: الأخبار)
