يافا المحتلة - وكالات
يتّجه الإسرائيليون غداً إلى صناديق الاقتراع، في ختام حملة انتخابية تراجعت فيها البرامج السياسية التقليدية للأحزاب والكتل، لمصلحة سؤال واحد: أيّ «دولة» ستخرج من هذه الانتخابات؟ إذ لم يعُد توزيع الحقائب وطبيعة البرامج الحزبية يفسّران وحدهما ما يحرّك الناخبين، في وقت باتت فيه مسائل الأمن وهوية «الدولة» وشكل مؤسّساتها في قلب الصراع -وحتى بين مكوّنات المعسكر الواحد-، وصولاً إلى تحذير كلّ من المعسكرَين من فوز خصمه باعتباره خطراً على كيان الدولة نفسه، وتصويره خسارته هو باعتبارها تهديداً وجودياً لمستقبله.
على أن هذا الخطاب الذي يرفع الخصومة السياسية إلى مستوى الصراع على الوجود، لا يزال يصطدم بحسابات أكثر تعقيداً تجلّيها آخر استطلاعات الرأي التي سُمح بنشرها قانونياً، مساء الجمعة. إذ منحت هذه الاستطلاعات معسكر خصوم بنيامين نتنياهو 56 مقعداً وفق «القناة 12»، و54 وفق «القناة 13»، و52 وفق «كان»، في مقابل 50 مقعداً لمعسكر نتنياهو في الاستطلاعات الثلاثة. وفي حين لا تشمل هذه الأرقام الأحزاب العربية، التي قدّرت القنوات مجتمعةً تمثيلها بما بين 14 و16 مقعداً، فهي تعني أن أيّاً من المعسكرَين لم يقترب من عتبة الـ61 مقعداً اللازمة لتأمين الأغلبية في «الكنيست».
وإذ يفرض النظام الانتخابي النسبي المعتمد في إسرائيل، والقائم على الاقتراع لقوائم حزبية في دائرة واحدة، خوض معركتين في آن: الأولى بين المعسكرَين على انتزاع الأغلبية البرلمانية، والثانية داخل كلّ معسكر، بين أحزاب تتنازع الجمهور نفسه. وفي داخل معسكر خصوم نتنياهو، تصدّر حزب «يشار» برئاسة غادي آيزنكوت الاستطلاعات الثلاثة الأخيرة بـ22 إلى 23 مقعداً، وهو الموقع الذي حافظ عليه طوال الأسابيع، بل الأشهر الماضية. ويليه حزب «بياحد»، الذي تأسّس في نيسان الماضي من اندماج حزبَي نفتالي بينيت ويائير لابيد بقيادة الأول، بـ12 إلى 15 مقعداً، ثمّ «الديموقراطيون» بعشرة مقاعد، و«إسرائيل بيتنا» بثمانية. غير أنه لا اتفاق، حتى الآن، بين مكوّنات هذا المعسكر على من يقوده، ولا على من سيُسمّى لتشكيل الحكومة.
في المقابل، حلّ «الليكود» برئاسة نتنياهو ثانياً في الاستطلاعات الأخيرة، بـ19 إلى 21 مقعداً. وتلته أحزاب الائتلاف بأحجام متقاربة: «شاس»، الممثّل لليهود المتديّنين الشرقيين، و«عوتسما يهوديت» بزعامة إيتمار بن غفير، بثمانية مقاعد لكلّ منهما؛ و«يهدوت هتوراه»، الممثّل لليهود المتديّنين الأشكناز، بسبعة مقاعد؛ و«الصهيونية الدينية» برئاسة بتسلئيل سموتريتش، بستة مقاعد. ومع تقارب الأوزان على هذا النحو، يسعى كلّ حزب إلى توسيع حصّته داخل معسكره، لا طلباً لمقاعد إضافية في «الكنيست» فحسب، بل أيضاً لتحصين موقعه التفاوضي حين تبدأ مشاورات تشكيل الحكومة. وتلك هي المفارقة: الشركاء يتقاسمون المقاعد قبل أن يتبيّن إن كان معسكرهم قادراً أصلاً على بلوغ الأغلبية.
وتزيد العتبة الانتخابية المشهد تعقيداً، خصوصاً في معسكر نتنياهو؛ فالحزب الذي لا يبلغ 3.25% من الأصوات الصحيحة (نحو 165 إلى 170 ألف صوت، وفق نسبة المشاركة السابقة) يخرج من «الكنيست»، ويُهدر معه ما يعادل أربعة مقاعد من رصيد معسكره. وهذا وحده قد يقلب الفارق بين الكتلتَين أكثر من أيّ انتقال للمقاعد بين حزبَين كبيرَين. وعليه، تبقى القوائم العربية الرافعة الأساسية لأيّ محاولة من المعارضة لبلوغ الـ61، لكن الاستناد إليها لا يزال يصطدم برفض أحزاب داخل المعسكر نفسه، في مقدّمها «إسرائيل بيتنا» الرافض لمشاركة الأحزاب العربية في الحكومة، وبدرجة أقلّ حدّة نفتالي بينيت. وهذا يعني أن المعارضة قد تكسب، حسابياً، مقاعد القوائم العربية، لكنها قد تخسر في المقابل دعم أحزاب صهيونية ترفض ائتلافاً يستند إلى حصص تلك القوائم.
في الصورة الأعمّ، فإن الفارق بين المعسكرَين يتراوح، وفق الاستطلاعات، بين مقعدَين وستة لمصلحة خصوم نتنياهو. وهو فارق محدود، لا سيما إذا ما وُضع في سياق هوامش الخطأ والتقلّبات المعتادة في الاستطلاعات، الأمر الذي يستوجب التعامل مع هذه الأرقام باعتبارها مؤشّراً إلى اتجاهات المنافسة، لا نتيجة محسومة مسبقاً. مع ذلك، فإن تحديد أيٍّ من المعسكرين سيكون الأقرب إلى الفوز، أو صاحب الخسارة الأقلّ، وفق ما ستكشفه التقديرات الأولية لفرز الأصوات التي من المرتقب أن تنشرها القنوات الإسرائيلية، مساء الغد، يتوقّف على مجموعة من العوامل الحاسمة: نسبة الاقتراع لدى فلسطينيي الداخل، والقوائم التي ستتجاوز العتبة الانتخابية أو ستسقط دونها، وحجم الفارق بين «يشار» و«الليكود».
المصدر: الأخبار اللبنانية
