في الوقت الذي يشنّ فيه جيش الاحتلال عملية واسعة النطاق لملاحقة المقاومة في مدينة الخليل عقب الهجوم الفدائي الأخير، لكن القناعات السائدة أن شرارة واحدة كفيلة بإشعال فتيل تصعيد جديد في الضفة الغربية، حيث يصعب على أجهزة الاستخبارات التنبؤ بعمليات أخرى قادمة، قد تمتد لمناطق أخرى.
مسئول منطقة القدس والضفة الغربية، ورئيس قسم الأمن السيبراني في جهاز الأمن العام (الشاباك)، إريك باربينغ، ذكر أنه "في الأيام القليلة التي سبقت الانتخابات التي تُعدّ من أكثرها حساسية وأهمية منذ سنوات، وقع هجوم نفّذه عنصران من حماس في الخليل، وقد وصلا، مسلحان ببندقية ومسدس، إلى نقطة تفتيش تابعة للجيش عند مفترق يهودا، وأطلقا النار على الجنود".
وأضاف باربينغ في مقال نشرته القناة 12، وترجمته "عربي21" أن "الهجوم وقع رغم عمل الجيش الإسرائيلي بكثافة عالية في قطاع الخليل، مع انتشار واسع لنقاط تفتيش دائمة مصممة لتحديد مواقع الخلايا المسلحة، والكشف عنها، ومنعها من وصول الطرق الحساسة في منطقتي الخليل وكريات أربع، بما في ذلك الطريق 35، الممتد من ضواحي الخليل غربًا إلى مخرج الضفة الغربية باتجاه بيت جبرين".
وأوضح أن "هذا الطريق طويل وحساس، يسلكه العديد من الإسرائيليين في طريقهم للمستوطنات في المنطقة، إلى الخليل وكريات أربع، وإن وصول المسلحين لهذا الطريق، وتحركهم فيه، كان يمكن أن يؤدي إلى حمام دم بين المستوطنين المسافرين عليه في تلك الساعات".
وأكد باربينغ أن "العملية حصلت فيما تشهد الضفة الغربية توترًا شديدًا منذ فترة طويلة، ففي شمالها وقعت مؤخراً عدة هجمات أسفرت عن مقتل إسرائيليين، وفي الوقت نفسه، يُؤجّج سلوك جماعات من مثيري الشغب اليهود الأجواء المتوترة، ويُقوّض الأمن، ويُشتّت جهود القوات للتعامل مع الحوادث بدلاً من تأمين حركة الإسرائيليين على الطرق الحساسة".
وأشار باربينغ إلى أن "هذا السلوك يُلحق ضرراً بالغاً بصورة إسرائيل، إذ تنتشر صور الصحفيين يتعرضون للضرب، وإطلاق النار عليهم، واقتحام منازلهم في جميع أنحاء العالم، مما يُضرّ بمكانتها، ويدفع حتى أقرب حلفائها لتوجيه انتقادات غير مسبوقة لها، لأن أنشطة الشباب اليهود في جنوب الخليل، ونابلس، ومحيط جنين، تُعدّ إرهاباً بكل ما تحمله الكلمة من معنى، حيث تُبثّ مشاهده على شاشات التلفزيون في جميع أنحاء العالم".
وأضاف أن "الضرر الناجم عن هذا الإرهاب اليهودي هائل، ويزيد من تعقيد الوضع الدولي لإسرائيل في ظل استمرار حروبها التي تشنها في مختلف الساحات، لاسيما وأن هناك نقاط احتكاك عديدة بين الفلسطينيين والمستوطنين، مما يزيد من أعمال العنف، والتدمير، وحرق المحاصيل، وسرقة الممتلكات، لكن ذلك يخلق شعورًا بأن الوضع قد يستمر في التصاعد دون عواقب".
وأوضح أن "تزايد التحذيرات الأمنية، والخوف من التصعيد في جميع أنحاء الضفة الغربية، ينبع إلى حد كبير من ازدياد النشاط الإجرامي اليهودي، الذي لا يُكبح جماحه، بل يزداد عنفًا وتوثيقًا، والأهم من ذلك، أنه لا يتلقى إدانة حاسمة وحازمة من كبار المسؤولين في الحكومة، أو توجيهًا واضحًا لا لبس فيه لوقف هذا التدهور المتزايد".
وأكد باربينغ أن "الحملة الانتخابية توفر ذريعة "ممتازة" لتجنب الردّ على المستوطنين، لكن الخوف أن يؤدي غياب الرد، أو ضعفه، أو حتى الدعم الصريح لهذه التحركات، سوف يتسبب بجرّ إسرائيل إلى "منعطفات مظلمة"، يصعب الخروج منها، إن أمكن أصلاً، كما يتزايد عدد التحذيرات، مع التركيز على احتمال تصعيد كبير في عدة مناطق في آن واحد، لن يكون بالضرورة عملية مُخطط لها من قبل حماس أو فتح، بل حادثة محلية قد تتصاعد، وتتحول إلى موجة عنف واسعة، تنضم إليها جماعات وخلايا مُنظمة".
وأوضح أنه "يصعب على أجهزة الاستخبارات التنبؤ بمثل هذه الموجة، صحيح أنها تعرف كيف ترصد الأصوات الأرضية، وأضواء التحذير في أماكن كثيرة، لكن حادثة خطيرة واحدة يُصاب فيها إسرائيليون أو فلسطينيون بأذى قد تُشعل فتيل تصعيد واسع النطاق، وتُثبت التجارب السابقة أن "العنصر الاستراتيجي" قد يُشعل فتيل أزمة كبيرة غير مرغوب فيها".
وبين أن "التحذير من توتر الأوضاع في المنطقة قائم بالفعل، ولن يستطيع أحد الادعاء بأنه كان على علم بذلك، فجميع مقومات العمل التحريضي متوفرة، في فترة الانتخابات، والأيام التي تليها، وتصاعد التوتر بين الفلسطينيين، لاسيما في المناطق التي تتكرر فيها استهداف الجماعات اليهودية للمواشي والمنازل والسكان، واحتمالية وقوع هجوم خطير على الإسرائيليين، وتصريحات القادة والمسؤولين، والوضع السياسي في إسرائيل".
وختم بالقول إنه "من المهم أن نتذكر أن جميع الأطراف الفاعلة في مختلف الساحات تراقب ما يحدث في إسرائيل، وتستخلص الدروس، وتصوغ رؤى مهمة لمواصلة نشاطها، وينطبق هذا بشكل خاص على نشطاء حماس في الضفة الغربية وقطاع غزة، فهم يراقبونها يوميًا، ويحددون نقاط ضعفها وقوتها، ويتكيفون لمواصلة النضال، لأن التجربة المريرة للماضي تعلمنا ألا نستهين بهم".
ليس متوقعاً أن تنتهي تبعات عملية الخليل خلال أيام قليلة، بل سوف تمتد لأسابيع وأشهر قادمة، على اعتبار أنها تحمل في طيّاتها مخاطر في طريقها الى التصاعد في الضفة الغربية بالتزامن مع زيادة وتيرة إرهاب المستوطنين، واكتساب المقاومة لمزيد من الأساليب التي تلتف فيها على إجراءات الاحتلال.