غزة - وكالات
لا يكاد الواقع الميداني الذي فرضته إسرائيل في قطاع غزة، خلال الأشهر الثلاثة الماضية، يختلف عمّا كان عليه الحال في سنوات الإبادة؛ إذ أعاد جيش الاحتلال إنتاج سلوكه الحربي وأساليبه الإبادية، وإن على نحو أقلّ صخباً. يتجلّى جانب من ذلك في عمليات الاغتيال التي ينفّذها يومياً بصواريخ فتّاكة باتت تضرب خبط عشواء في محيطٍ قُطره خمسة أمتار بدلاً من خمسين متراً، من دون مراعاة طبيعة المكان الذي تُسقَط عليه، سواء أكان المستهدَف وسط سوق مكتظّ أم في مركز إيواء أم حتى في روضة أطفال.
كذلك، لا يكفّ الاحتلال عن عمليات قصف المنازل والبنايات السكنية المأهولة، مع فارق وحيد هو أن سكانها الآن يتلقّون إنذاراً بإخلائها في غضون خمس دقائق، فيما تبقى النتيجة واحدة: دمار يطاول البناية المستهدَفة، ومعها عشرات المنازل المحيطة بها، ليجد مئات السكان، والحال تلك، أنفسهم بلا مأوى. في الموازاة، تحوّل نسف المنازل وما تبقّى من كتل عمرانية في المناطق المحاذية لـ«الخط الأصفر»، الذي يجري توسيعه يوماً بعد آخر، إلى سلوك اعتيادي، يتمّ استخدام العربات المفخّخة والمكعّبات الملغّمة في خلاله، في استدعاء واضح لعملية «عربات جدعون» التي كانت دمّرت أجزاء واسعة من مدينة غزة والمناطق الشرقية والشمالية للقطاع.
وإلى جانب هذا السلوك الذي بات أشبه بـ«علامة مسجّلة» لجيش الاحتلال، يبرز إطلاق النار العشوائي اليومي من الرافعات العسكرية ومن الجنود ومجموعات العملاء في اتّجاه منازل المواطنين؛ إذ صارت حوادث القتل المفاجئ في قلب الأحياء الآمنة، البعيدة كلّياً عن المناطق الحدودية، حدثاً معتاداً، في وقت أصبح فيه رجال ونساء وأطفال يَسقطون فجأة ضحايا طلقات رصاص مصدرها رافعة منصوبة على الحدود الشرقية للقطاع. أمّا الجانب الأكثر قتامة، فهو إعادة إنتاج المجاعة، على نحو تَظهر فيه إسرائيل وكأنها تسمح بإدخال ما يفيض عن حاجة القطاع من الشاحنات، فيما الواقع أن الزيادة تقتصر على سلع تكميلية لا قيمة لها من دون توافر السلع الأساسية. ومن بين وجوه ذلك، سماح الاحتلال، خلال الأيام الأربعة الماضية، بإدخال نحو 50 شاحنة من الفحم، في مقابل منع إدخال أيّ شاحنة من اللحوم والمجمّدات والخضروات والفواكه والطحين.
وتكفي استعادة وقائع الساعات الـ24 الماضية، التي مارس فيها الاحتلال كلّ ما تقدّم ذكره من جرائم وانتهاكات، لتثبيت حقيقة كون «وقف الإبادة» بمنزلة «إعادة إنتاج» لها. فمنذ الساعة الواحدة من فجر أمس، نفّذ جيش العدو خمس عمليات نسف بواسطة عربات مفخّخة، طاولت مربّعات سكنية في أحياء التفاح والشجاعية وتل الزعتر وشرق مخيم جباليا، وسُمع دويّها في مناطق القطاع كافة. كما قصفت الطائرات الحربية منزلاً من خمس طبقات في مخيم النصيرات وسط غزة، فيما نُفّذت بالطائرات المسيّرة سبع عمليات اغتيال، كانت أولاها وسط مخيم للنازحين في مواصي خانيونس، وأدّت إلى استشهاد شاب وإصابة آخرين، والثانية في شارع النصر غربي مدينة غزة، حيث أسفرت عن سقوط شهيدَين وإصابة ثلاثة آخرين، والثالثة في شارع الثورة في حيّ الرمال، الذي سُجّل فيه استشهاد مواطن من جرّائها. كذلك، قصفت المدفعية الإسرائيلية المناطق المحاذية لـ«الخطّ الأصفر»، فيما ترافقت كلّ تلك الوقائع مع إطباق استخباري حلّقت خلاله مئات المسيّرات في عموم أجواء القطاع على مدار الساعة.
أمّا لغة الخطاب الإسرائيلي، فلا تزال عالقة عند ذروة حرب الإبادة؛ إذ استدعى رئيس حكومة الاحتلال، بنيامين نتنياهو، ضمن حملته الانتخابية، الهواجس الأمنية، زاعماً أن حركة «حماس» تحاول إعادة بناء نفسها، وأن على الجيش «استكمال المهمة». وأضاف، في تصريحات صحافية: «أكملنا 90% من المهمة، وهي ليست صعبة إلى هذا الحدّ. إنهم ليسوا أقوياء بل ضعفاء، ولا ينجحون في إدخال الأسلحة كما كانوا يستطيعون قبل سيطرتنا على محور فيلادلفيا». وفي ما يتعلّق بمستقبل سكّان القطاع، جدّد نتنياهو تمسّكه بخطة التهجير تحت غطاء «حرية الحركة» للغزيين، قائلاً: «نقول إن كلّ غزّي يجب أن يكون حرّاً في المغادرة. الأمر معقّد، لكن المشكلة ليست من جانبنا، وإنما لدى الدول المستقبِلة. نحن نعمل على ذلك وسنجد حلاً، وأقدّر أن 60% من سكان القطاع على الأقلّ سيغادرون، وربما أكثر». أمّا بشأن السيطرة على القطاع، فقال إنها «ستظلّ لنا دائماً، ونحن داخل هذه المنطقة ولا نعتزم الخروج».
