وكالة القدس للأنباء - خاص
لم تكن الكتابة بالنسبة إلى إياس تيسير مجرد وسيلة للتعبير عن المشاعر أو تسجيل الأحداث، بل تحولت مع مرور الوقت إلى مساحة لحفظ الذاكرة وتوثيق تفاصيل الحياة التي عاشها في غزة، بما حملته من تغيرات قاسية وتجارب إنسانية متراكمة.
ومن خواطر وملاحظات كتبها على امتداد سنوات، ولد كتابه الأول "دفتر أب من غزة" (A Father’s Notebook from Gaza)، الصادر باللغتين العربية والإنجليزية، ليقدم من خلاله رواية شخصية تنطلق من تجربة الأبوة، وتلتقط تفاصيل الحياة التي غالباً ما تغيب عن التغطيات الإخبارية وصور الحرب.
يقول تيسير في حديث ل"وكالة القدس للأنباء"، إن الكتابة كانت ملاذاً يلجأ إليه لتفريغ مشاعره، والتعبير عن آرائه، وتحليل المواقف التي يمر بها، إلى جانب توثيق التجارب حتى لا تتحول إلى لحظات عابرة أو ذكريات منسية".
وأضاف تيسير أن نصوصه وخواطره تراكمت مع تسارع الأحداث، وما رافقها من انتقالات وتغيرات حياتية، قبل أن يدرك أنها تشكل مادة متكاملة تستحق الجمع في كتاب واحد.
الأبوة.. مدخل إلى الحكاية
لم يأت عنوان "دفتر أب من غزة" من فراغ، بل يعكس القاسم المشترك الذي يجمع جانباً كبيراً من نصوص الكتاب، والمتمثل في تجربة الأبوة وما أحدثته من تغيير في نظرة الكاتب إلى الحياة والأحداث المحيطة به.
ويوضح أن علاقته بأطفاله جعلته ينظر إلى كثير من المواقف بطريقة مختلفة عما كان سيفعل في مراحل سابقة من حياته، إذ بات يقرأ الأحداث أيضاً من موقع الأب، وما يحمله هذا الموقع من مشاعر ومسؤوليات ومخاوف.
ويقول إن وجود أطفاله في حياته منح التجارب التي مر بها، حتى تلك التي سبقت الحرب، معاني مختلفة، وهو ما دفعه إلى اختيار عنوان يعكس علاقته بأطفاله وارتباط تجربته الشخصية بغزة.

الكتابة لحفظ ما يتجاوز الحدث
لم تكن غزة وحدها مصدر إلهام تيسير، بل شكلت بتقلباتها وتفاصيلها وواقعها المختلف مساحة دائمة للأسئلة التي تنطلق منها الكتابة. كما أسهمت تنقلاته وتجارب حياته داخل غزة وخارجها في تشكيل أسلوبه وطريقته في النظر إلى الأحداث.
وبالنسبة إليه، تتجاوز الكتابة مهمة سرد ما جرى إلى حفظ التفاصيل والمشاعر المرتبطة به، خاصة في ظل فقدان الأماكن وتغير ملامحها. فالذاكرة، كما يراها، لا تقتصر على الوقائع الكبرى، بل تشمل أيضاً ما يحيط بها من مشاهد وأحاسيس وتفاصيل صغيرة تمنح التجربة الإنسانية معناها.
ويؤكد تيسير أن الكتابة تظل من أهم الوسائل التي تحفظ التجارب الإنسانية وتنقلها عبر الزمن، مهما تطورت التقنيات وأدوات الذكاء الاصطناعي، مشيراً إلى أن هذا الجانب من التوثيق أصبح أكثر أهمية بالنسبة إليه مع ما شهدته غزة من فقدان للأماكن وتغيّر في معالمها.
تفاصيل الحياة خلف صور الحرب
في "دفتر أب من غزة"، يحاول تيسير نقل جوانب من الحياة اليومية التي لا تجد دائماً طريقها إلى شاشات الأخبار ومنصات التواصل الاجتماعي. فإلى جانب الحرب والدمار، هناك وجع طفلة صغيرة، وحيرة رجل كبير، وأحلام بسيطة، وأب يحاول إظهار القوة أمام أطفاله رغم الخوف الذي يعيشه.
ويصف الكتاب بأنه مجموعة من الخواطر التي حاول من خلالها الحفاظ على ما تبقى من الكرامة والبيت، وعلى تفاصيل الحياة نفسها، بما فيها من وجع ومشاعر متناقضة.
ومن خلال هذه النصوص، يسعى الكاتب إلى التأكيد على أن حياة الفلسطينيين في غزة لم تكن دائماً على الصورة التي ارتبطت بالحرب والدمار، فقد كانت هناك بيوت عامرة، وشوارع مضيئة، وأعمال وأصدقاء وأيام عادية، وحياة متكاملة اختزلت لاحقاً في مشاهد الصراع والخسارة.
ويشكل هذا الجانب أحد المحاور الأساسية في الكتاب، إذ يعيد الإنسان وتفاصيل حياته إلى مركز الحكاية، بعيداً عن اختزاله في أرقام الشهداء أو صور الدمار.
من غزة إلى القارئ غير العربي
اختار تيسير تقديم كتابه باللغتين العربية والإنجليزية، انطلاقاً من تجاربه في الحياة والعمل والتواصل مع أشخاص ينتمون إلى جنسيات وثقافات مختلفة.
وقد دفعته هذه التجارب إلى ملاحظة أن كثيراً من الصور النمطية والأحكام المسبقة يمكن أن تتغير عندما يستمع الناس إلى الرواية مباشرة من أصحابها.
لذلك، لم يرغب في أن تبقى تجربته محصورة في القارئ العربي، بل سعى إلى إتاحة المجال أمام القارئ غير العربي للاطلاع على تفاصيلها الإنسانية والاقتراب منها، بعيداً عن الصورة المختصرة التي تنقلها الأخبار عادة.
ويأمل أن يتيح الكتاب للقارئ رؤية غزة بوصفها مكاناً يعيش فيه أشخاص يسعون إلى حياة كريمة، ولديهم عائلات وأعمال وأحلام ومستقبل يتطلعون إليه، وليس مجرد ساحة للحرب والدمار.
كما يشدد على أن سكان غزة لا ينبغي اختزالهم في صورة واحدة، وأن من حقهم أن يحددوا شكل حياتهم ومستقبلهم بعيداً عن الضغوط والإملاءات الخارجية.
مشروع جديد عن الذاكرة والمكان
لا ينظر تيسير إلى كتابه الأول بوصفه تجربة منفردة، بل بداية لمسار أدبي وبحثي يرغب في مواصلته، كاشفاً عن أنه يعمل حالياً على تطوير مشروع يتناول العلاقة بين الذاكرة والمكان، وتأثير فقدان البيوت والشوارع والأماكن التي شكلت جزءاً من حياة الإنسان في ذاكرته وإحساسه بذاته.
ويقول إن الفقد لا يتعلق بالمباني وحدها، بل يمتد إلى ما ارتبط بها من أصوات وروائح وصور وعلاقات وذكريات، وهي تفاصيل تبقى حاضرة في داخل الإنسان حتى بعد اختفاء الأماكن من الواقع.
ويمثل هذا المشروع امتداداً للأفكار التي انطلق منها "دفتر أب من غزة"، ومحاولة لفهم ما يتركه فقدان المكان من أثر في حياة الإنسان وذاكرته الشخصية.
الكتابة في مواجهة النسيان
من خلال "دفتر أب من غزة"، يحاول إياس تيسير أن يحفظ جانباً من الحياة التي عاشها الفلسطينيون بعيداً عن اختزال تجربتهم في مشاهد الحرب، وأن يترك مساحة للأصوات والمشاعر والتفاصيل التي قد تضيع وسط تسارع الأحداث.
فالكتاب، بما يحمله من تجربة شخصية ونظرة أب إلى ما يجري حوله، لا يكتفي بتوثيق ما حدث، بل يسعى أيضاً إلى حفظ ما كان قائماً قبل الفقدان، وما لا يزال حاضراً في الذاكرة رغم تغير المكان.
وبين الكتاب الأول والمشروع الذي يستعد لتطويره، تظل الكتابة بالنسبة إلى تيسير وسيلة لاستعادة التفاصيل ومقاومة النسيان، وتأكيد أن وراء كل حكاية عن غزة حياة كاملة تستحق أن تروى، بكل ما فيها من أحلام ومخاوف وذكريات.
