دمشق - وكالات
بات الحديث الإسرائيلي عن أهمية السيطرة على الجنوب السوري يتّخذ طابعاً استراتيجياً. إذ استندت سردية العدو، ابتداءً، في تبرير احتلال مناطق جديدة في محافظتَي القنيطرة ودرعا، إلى منع تشكّل أيّ تهديد أمني مستقبلي، ثمّ جاءت مجازر السويداء لتضيف ذريعة أخرى عنوانها «حماية الأقليات». غير أن ما أوردته الباحثة الإسرائيلية، مور ألتشولر، أخيراً، حول ضرورة السيطرة على مصادر المياه والطاقة في جنوب سوريا، يحمل أكثر من دلالة؛ فهو يُظهر، من جهة، أن المبرّرات الأمنية قد لا تعدو كونها مدخلاً إلى السيطرة، المباشرة أو غير المباشرة، على ينابيع الجنوب ومياهه الجوفية وثرواته الطبيعية. ومن جهة أخرى، فإن صدور هذا الكلام عن باحثة إسرائيلية، وإن جاء في توقيت انتخابي، يطرح تساؤلات عن مدى تقاطعه مع سياسات حكومة الاحتلال وجيشها، ولا سيما في ظلّ الجهود الأميركية للتوصّل إلى اتفاق أمني بين دمشق وتل أبيب.
عقب احتلالها قمّة جبل الشيخ إثر سقوط النظام السابق، ركّزت قوات الاحتلال توغلاتها داخل الأراضي السورية على المناطق والبلدات المحاذية للجولان المحتل، والممتدّة على أطراف ثلاث محافظات، هي القنيطرة وريف دمشق ودرعا. وعلى اختلاف المواقع المستهدفة، تتشابه الإجراءات الإسرائيلية في جوانب عدة؛ فإلى جانب تدمير التحصينات العسكرية التي أقامها الجيش السوري السابق، تتعمّد تلك القوات منع المزارعين من الوصول إلى حقولهم، وردم الآبار، وتجريف الأراضي الزراعية. وإذ تشي هذه الممارسات بوجود سياسة ممنهجة لتجفيف مصادر رزق السكان ودفعهم تدريجياً إلى التخلّي عن أراضيهم ومنازلهم -على غرار ما تشهده مدن الضفة الغربية وبلداتها- فإن البعد الأهم في هذا السياق قد يتمثّل في الحدّ من استهلاك المياه الجوفية في تلك المناطق. إذ إن ذلك يتيح تعزيز تغذية المخزون المائي في الجولان المحتل، خصوصاً مع انخفاض مستويات المياه الجوفية في الجنوب بفعل تراجع معدلات الهطول خلال السنوات الماضية، بالتوازي مع ارتفاع أعداد الآبار الزراعية.
ولهذا، تُبدي الأوساط الإسرائيلية، الرسمية والبحثية، اهتماماً خاصاً بتطورات الوضع المائي في المناطق المحاذية للجولان، وتحديداً في محافظة درعا التي يقع فيها الجزء الأكبر من حوض اليرموك الذي يضمّ نحو 23 سداً، 12 منها في المحافظة نفسها. وكانت ركّزت دراسات إسرائيلية عدّة، خلال السنوات الماضية، على الحوض المذكور، حيث تناولت إحداها مصادر المياه الجوفية وتفاعلاتها مع الصخور، وخلصت إلى أن الخزانات الجوفية هناك تتغذّى من مناطق جغرافية متعدّدة، تشمل جبل الشيخ والجولان وجبل العرب وعجلون. وتبرز، في السياق نفسه، دراسة أخرى بحثت في استهلاك المياه وتصريف الينابيع في الحوض، مركّزةً، في جانب كبير منها، على استهلاك المياه في الجزء السوري خلال المدة الممتدّة بين عامَي 1971 و2009، علماً أن نحو 80% من المنطقة المشمولة بالدراسة يقع ضمن الأراضي السورية. ورغم أن الأراضي المرويّة في درعا لا تمثّل، بحسب البيانات الرسمية لعام 2023، سوى 16% من إجمالي الأراضي الزراعية المُستثمرة فعلياً، فإن «اليرموك» يُعدّ شريان الحياة للمحافظة، سواء لتأمين مياه الشرب أو لريّ المزروعات. وكانت دفعت أزمة المياه المتفاقمة السلطات المحلية إلى إجراء مسح للآبار المخالِفة، التي ارتفع عددها، خلال سنوات الحرب، ليبلغ نحو 2800 بئر، وفق تقديرات رسمية سابقة.
وإلى جانب ما تَقدّم، يخشى السوريون أن تتحول موارد اقتصادية مهمة أخرى في الجنوب إلى مطمع إسرائيلي، سواء عبر الاستيلاء عليها أو عرقلة استثمار دمشق لها في المرحلة الحالية. وتشمل هذه الموارد، إلى جانب الأراضي الزراعية المستثمرة بنسبة 95.5% من المساحات القابلة للزراعة، الصخور البازلتية المستخدمة في البناء وإكساء الواجهات والأرضيات ورصف الطرق، فضلاً عن السجيل الزيتي الموجود في وادي اليرموك ومحيط بلدات تل شهاب وزيزون وحيط، والذي يُقدَّر احتياطيه بنحو 675 مليون طن، فيما يتراوح متوسّط سماكة الغطاء الصخري فوق طبقته بين 113 و129 متراً. أيضاً، تشير دراسة سابقة لـ«هيئة المسح الجيولوجي» الأميركية إلى أن رواسب حوض اليرموك قد تمتدّ تحت مئات الكيلومترات المربعة، بسماكة قد تصل إلى 400 متر، وفق بعض التقديرات الإقليمية القديمة.
وبمعزل عن التباين في التقديرات، فإن ذلك لا ينتقص من أهمية الاحتياطي الموجود في المحافظة وإمكاناته الاستثمارية. وفي هذا الإطار، يُرجع خبير نفطي تأخّر البلاد في استثمار المورد المذكور إلى ظروف الحرب والعقوبات، معتبراً أن الفرصة «باتت متاحة اليوم للاستفادة منه، لا سيما في ظلّ حاجة البلاد إلى النفط وارتفاع أسعاره عالمياً، وتوافر التقنيات والتكنولوجيا اللازمة». ويضيف أن استثمار السجيل الزيتي «مجدٍ اقتصادياً، لأنه لا يقتصر على إنتاج الزيت، بل يتيح أيضاً توليد الكهرباء واستخدام بعض مخرجاته في إنتاج الإسمنت».
في المحصلة، قد لا تكون إسرائيل معنيّة بتوسيع توغلاتها في الجنوب السوري بالقدر الذي يجري الترويج له، لكنها تبدو ميّالة إلى التحكّم في مسارات استثمار أبناء المنطقة لمواردها وإمكاناتها، بالاستفادة من ضعف سوريا في هذه المرحلة، ومن تجنّب السلطة الانتقالية الانجرار إلى مواجهة عسكرية مباشرة معها.
