☰
✕

قائمة الموقع

غزة حطمت أسطورة "الجيش الأكثر أخلاقية في العالم"*

2026-10-14T00:21:00+03:00
وكالة القدس للأنباء - متابعة

لم يصمد ادعاء إسرائيل بأن جيش الدفاع الإسرائيلي هو "الجيش الأكثر أخلاقية في العالم" أمام ما جرى في غزة. ولم يكن ما انكشف استثنائية أخلاقية، وإنما آلة تدمير هائلة إلى حدّ أصبحت معه هذه العبارة تشكل إدانةً لقوة بلا ضوابط، وضمير لا تترتب على غيابه عواقب.

***

من بين أكثر الادعاءات التي دأبت إسرائيل على ترديدها على مدى سنوات الزعم أن "جيش الدفاع الإسرائيلي" هو الجيش الأكثر أخلاقية في العالم؛ وهو ادعاء سلّم بصحته الإسرائيليون أنفسهم، وكثيرون غيرهم في مختلف أنحاء العالم. وقد أعاد بنيامين نتنياهو في خطابه أمام "الجمعية العامة للأمم المتحدة" في 24 أيلول (سبتمبر) تأكيد عبثية هذا الادعاء حين قال: "إنني أحيّي شجاعة جنودنا البواسل، من اليهود والمسيحيين والدروز والمسلمين. إنهم جنود الجيش الأكثر أخلاقية في العالم، جيش الدفاع الإسرائيلي".

لكنّ الاعتداءات العنيفة الفادحة التي ارتكبها "جيش الدفاع الإسرائيلي" بحق الفلسطينيين في سياقات وأزمنة وظروف شتى تطرح سؤالًا قاتمًا: إذا كان الجيش "الأكثر أخلاقية" في العالم قادرًا على ارتكاب مثل هذه الجرائم الشنيعة بحق عشرات الآلاف من الفلسطينيين الأبرياء لمجرد هويتهم،

فما هو المدى الذي يمكن أن يبلغه إجرام هذا الجيش

الفاسد المتعطش للدماء؟

كان مما فعلته الحرب على غزة أنها جردت أسطورة "الجيش الأكثر أخلاقية" من كل غطاء، وكشفت زيفها أمام أنظار العالم أجمع. وقد ارتكب "جيش الدفاع الإسرائيلي" في هذه الحرب انتهاكات صارخة تكاد تشمل كل فئة من جرائم الحرب التي يمكن تصورها: التعذيب، والتطهير العرقي، والقتل العشوائي، والتجويع، والهجمات على المناطق الإنسانية، والتدمير الشامل للبنية التحتية التجارية، وهدم المنازل، والإعدام خارج نطاق القضاء، وتقييد حرية التنقل، واغتيال الصحفيين، ومنع دخول الإمدادات الطبية، والهجمات على المستشفيات والعيادات الصحية. وقد دفع الحجم الهائل لجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية التي ارتكبها "جيش الدفاع الإسرائيلي" إلى ترسّخ قناعة تكاد تكون عالمية بأن إسرائيل ارتكبت إبادة جماعية في غزة.

كيف أمكن لجيش يروّج لمبدأ "طهارة السلاح" أن ينحدر إلى هذا المستوى؟ أظهر هربرت كيلمان، في دراسته الكلاسيكية عن "المجازر التي تحظى بغطاء من الشرعية"، أن الجنود العاديين يرتكبون الفظائع عندما تجتمع ثلاثة شروط: التفويض، الذي يعلّق الأحكام الأخلاقية المعتادة؛ والروتنة، التي تلغي أي مناسبة لطرح أسئلة أخلاقية؛ ونزع الصفة الإنسانية عن الضحايا، بما يجردهم من هويتهم وانتمائهم إلى مجتمع. وقد توافرت الشروط الثلاثة جميعها لـ"جيش الدفاع الإسرائيلي" بوفرة لافتة.

لكن ثمة ركيزة رابعة للمجازر التي تحظى بغطاء من الشرعية، هي إعفاء الذات من المسؤولية -التنصل من المسؤولية الشخصية بالاستناد إلى مقولة: "كنتُ أنفّذ الأوامر فحسب". وفي تلك اللحظة، لا يكتفي الجندي بالطاعة، وإنما يتخلى عن حكمه الأخلاقي الخاص -حتى عندما يكون الأمر الذي صدر إليه غير قانوني بوضوح، ويشكّل تنفيذه جريمة حرب؛ وهو شيء يملك الجندي الحقَّ والواجب في رفضه.

خلال الحرب على غزة، تكررت التقارير التي تحدثت عن طيارين إسرائيليين تلقّوا أوامر بإلقاء قنابل زنة الواحدة منها ألفي رطل على مواقع كانوا يعلمون أن قصفها قد يودي بحياة مئات المدنيين الفلسطينيين. وعلى الأرض، أفادت تقارير بأن بعض الجنود استقبلوا مشاهد الدمار الناجم عن تلك الهجمات بالهتاف والابتهاج -ليس بوصفها مدعاة للخزي أو الرعب، وإنما كما لو أن تدمير الأرواح البشرية البريئة هو عمل من أعمال الشجاعة.

تحققت "منظمة الصحة العالمية" من وقوع 735 هجومًا على مرافق الرعاية الصحية بين 7 تشرين الأول (أكتوبر) 2023 و11 حزيران (يونيو) 2025. وبحلول أيار (مايو) 2025، كان 94 في المائة من مستشفيات غزة وعياداتها قد تضرر أو دُمّر.

وقد قصف "الجيش الأكثر أخلاقية في العالم" -عن علم-

المكان الذي تُبقي فيه الأجهزةُ الأطفالَ الخدّج على قيد الحياة.

ولم يقتصر هجوم "جيش الدفاع الإسرائيلي" على الأجساد، وإنما استهدف العقول أيضًا. فقد تضرر أو دُمّر نظام التعليم في غزة بأكمله تقريبًا؛ وقد تضررت أو دُمّرت 98 في المائة من جميع المدارس، و95 في المائة من جميع الجامعات، في محو شبه كامل لمقومات التعلّم. وأكدت منظمة "أنقذوا الأطفال" أنه

حتى تموز (يوليو) 2026، قُتل 21 ألف طفل،

بينما أُصيب عدد مماثل منهم بإعاقات دائمة؛ أي أن جيلًا كاملًا من الناس

تعرّض للتحطيم الجسدي على يد الجيش الأكثر أخلاقية في العالم.

أما الفظاعة الأخيرة، فلا تكمن في قتل البشر فحسب، وإنما تتمثل في إخماد ضمير الجندي قبل أن تسقط القنبلة من الأساس.

ثمة ست قوى يعزز بعضها بعضًا وتفسّر التحوّل المروّع الذي طرأ على "جيش الدفاع الإسرائيلي" لينتقل من مبدأ "طهارة السلاح" إلى "المجازر التي تحظى بغطاء من الشرعية"؛ وهي ظواهر ذكرها وسمّاها علم النفس الاجتماعي منذ زمن طويل.

أولًا، نزع الصفة الإنسانية عن الآخر من الأعلى. عندما أعلن وزير الدفاع السابق، يوآف غالانت، فرض حصار شامل على قطاع غزة، وقال: "نحن نحارب حيوانات بشرية ونتصرف وفقًا لذلك"، فإنه كان يصوّر الفلسطينيين على أنهم كائنات دون البشر. ومع أن هذه اللغة لم تكن أمرًا صريحًا بقتل المدنيين، فإنها كانت تجرّدهم من الحواجز الأخلاقية التي تكبح العنف حين توحي بأن حياة الفلسطينيين أقل قيمة، وأن ممارسة العنف ضدهم تترتب عليها تبعات أخلاقية أقل.

ثانيًا، عقلية التهديد الوجودي. أمضى عالِم النفس السياسي الإسرائيلي دانيال بار-تال عقودًا في توثيق "عقلية الحصار" ونزع الشرعية عن الخصم -وهما عاملان يكرّسان الصراعات المستعصية. وتستند هذه العقلية إلى معتقدات تصوّر الطرف الذي يتبناها على أنه الضحية الأبدية والوحيدة، وتنكر إنسانية الطرف الآخر. وفي هذا الموضع تحديدًا يظهر التباين: بينما يرى المرء إنسانًا من لحم ودم، يرى الإسرائيليون أعداء فحسب، ويفقدون القدرة على التماهي مع معاناة الآخر البعيد. ولا يمكن أن يُنظر إلى المجتمع الذي يُصوَّر على أنه تهديد وجودي، وفق هذه العقلية، باعتباره مجتمعًا من الضحايا.

ثالثًا، أحداث 7 تشرين الأول (أكتوبر) واستحضار ذاكرة المحرقة. كان عنف العمل الذي قامت به "حماس" في ذلك اليوم حقيقيًا ومروّعًا. ومع ذلك، سرعان ما أُعيد تأطيرها ضمن خطاب ذي مرجعية توراتية عندما دعا رئيس الوزراء الأمة وجنوده إلى "تذكّر ما فعله بك عماليق"؛ وهي آية يعقبها في النص المقدس أمر بإبادة الرجال والنساء والرضّع على حد سواء. وقد خلص عمر بارتوف، الباحث في الإبادة الجماعية والمؤرخ المولود في إسرائيل، إلى أن نمط العمليات الذي اتبعه جيش الدفاع الإسرائيلي في غزة انتهى إلى التطابق الدقيق مع تلك اللغة. وهكذا تحوّلت الصدمة النفسية من أساس لمطالبة العالم بالاحتكام إلى ضميره إلى ترخيص بالعمل ضد ذلك الضمير.

رابعًا، الانتقام الذي يُضفى عليه طابع مقدّس. يصف عمل ألبرت باندورا حول الانفصال الأخلاقي هذه الآلية بشكل دقيق: في هذه الحالات يُعاد تشكيل السلوك اللاإنساني ذهنيًا ليبدو "غير مؤذٍ أو جديرًا بالتقدير" من خلال التبرير الأخلاقي واستخدام لغة تُلطّف حقيقة الأفعال، بينما يجري نقل المسؤولية إلى مستويات عليا والتهوين من حجم الأذى الذي يتم إلحاقه بالضحايا.

وفي الحقيقة، ليست التعبيرات مثل "جزّ العشب"،

و"الأضرار الجانبية"، و"الدروع البشرية" أوصافًا؛

وإنما هي وسائل لتخدير الضمير.

خامسًا، التنشئة الطويلة في ظل الاحتلال. على مدى ما يقرب من ستة عقود، أدّت الحواجز العسكرية والمداهمات الليلية وهدم المنازل والمحاكم العسكرية إلى تعويد جيش من المجنّدين على التعامل مع شعب بأكمله على أنه مجموعة سكانية ينبغي إخضاعها للإدارة والسيطرة بدلًا من النظر إلى أفراده باعتبارهم بشرًا يستحقون الاحترام. وقد حذّر يشعياهو ليبوفيتش، الذي وصفه أشعيا برلين بأنه ضمير إسرائيل، منذ العام 1967، من أن الاحتلال سيُفسد المحتل بالقدر نفسه الذي يُفسد به الخاضعين للاحتلال. وابتكر مصطلح "النازيون اليهود" تحديدًا لوصف ما كان يخشى أن يتحول إليه الجيش. ويبدو ما كان يُعدّ هرطقة في العام 1982 اليوم وكأنه نبوءة.

سادسًا، الإفلات من العقاب والإبعاد الصناعي عن واقع الضحايا. وفي هذا الواقع لا يخضع للتحقيق سوى عدد ضئيل للغاية من الجنود، ولا يُوجَّه الاتهام إلا إلى عدد أقل من ذلك، بينما أصبح القتل يُدار الآن عبر قوائم أهداف يجري تحديدها بواسطة الخوارزميات، وباستخدام ذخائر يتم إطلاقها من مسافات تبعد أميالًا عن أهدافها. وفي ظل هذه الظروف، وكما لاحظت حنّة آرنت في حديثها عن الشر الذي يتحول إلى ممارسة بيروقراطية، "لا تتطلب الفظائع وجود وحوش، وإنما موظفين يؤدون وظائفهم من دون أن يروا وجهًا". ويتعلم الجيش الذي لا يُحاسَب أبدًا أن أفعاله لا تستوجب المساءلة. وتُظهر هذه العوامل مجتمعةً أن صورة "الجيش الأكثر أخلاقية" لم تكن سوى أسطورة -مجرد خرافة مُطَمئِنة تبنّاها مرتكبو الجرائم.

وهكذا لم يعد الادعاء بأن "جيش الدفاع الإسرائيلي" هو الجيش الأكثر أخلاقية في العالم قابلًا للدفاع عنه؛ ليس لأن أعداء إسرائيل يقولون ذلك، وإنما لأن غزة قدّمت سجلًا موثقًا من الدمار والحرمان والتهجير والموت كانت جميع مستويات القيادة في "جيش الدفاع الإسرائيلي" على علم به والذي لا تستطيع أي دعاية محوه.

إن أخلاقية الجيش لا تُقاس ببلاغة مدوّنته الأخلاقية، أو بحملاته للعلاقات العامة، أو بالصدمة النفسية التي يستحضرها؛ وإنما تُقاس بما يفعله بالبشر العزّل عندما يكون مالكًا لقوة ساحقة. ولم يكن وصف الحملة العسكرية التي شنّها "جيش الدفاع الإسرائيلي" في غزة بأنها حرب عادلة خاضها ما يُسمّى "الجيش الأكثر أخلاقية" مجرد تحريف للغة.

كان في الحقيقة فظاعة أخلاقية صرفة:

محاولة لتحويل معاناة الضحايا إلى دليل على فضيلة مرتكبي الجرائم.

---------------------------------------

*ألون بن مئير Alon Ben-Meir: أكاديمي وكاتب ومحلل سياسي إسرائيلي-أميركي، ولد في العراق لأسرة يهودية وانتقل إلى إسرائيل في شبابه قبل أن يستقر لاحقًا في الولايات المتحدة. يشتهر بكتاباته وتحليلاته المتعلقة بسياسات الشرق الأوسط، وخاصة الصراع العربي-الإسرائيلي، حيث يدعو إلى تسوية سلمية تقوم على حل الدولتين. عمل أستاذًا للعلاقات الدولية في مركز الشؤون الدولية بجامعة نيويورك، وشارك في محاضرات وندوات دولية تناولت قضايا الأمن الإقليمي وحقوق الإنسان والدبلوماسية. نشر مقالاته في صحف ومجلات دولية، ويعرف بأسلوبه النقدي تجاه السياسات الإسرائيلية التي يراها معرقلة للسلام، مع تركيزه على الحوار والتفاهم بين الشعوب كسبيل لإنهاء النزاعات.

*نشر هذا المقال تحت عنوان:

 Gaza Shattered the Myth of the “Most Moral Army”

اخبار ذات صلة