/تقارير وتحقيقات/ عرض الخبر

تحقيق اقتصاد كيان العدو.. كيف دفع ثمن 3 سنوات من حرب الإبادة على غزة؟

2026/10/13 الساعة 04:28 م
سوق عسقلان
سوق عسقلان

وكالة القدس للأنباء - متابعة

يقدّر بنك "إسرائيل" المركزي، في أحدث تقاريره، التكلفة المالية الإجمالية للحرب على غزة بنحو 350–352 مليار شيكل خلال الفترة من 2023–2026، أي قرابة 114 مليار دولار، وتشمل التكلفة النفقات الدفاعية، وتعويضات الأضرار المباشرة وغير المباشرة، والنفقات المدنية، وزيادة مدفوعات الفوائد وغيرها.

وبنظرة إلى الأرقام يمكن ملاحظة أن عملية "طوفان الأقصى" في السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، وخسائرها التي كلفت الاقتصاد الإسرائيلي دفع فاتورة اقتصادية ومالية ضخمة ومتراكمة، أعادت تشكيل أولويات الإنفاق وأثقلت الموازنة بالدين والإنفاق العسكري، وأصبح مستوى معيشة الفرد شبه راكد، بجانب الخسائر البشرية والمعنوية،  ويتركز الاهتمام في تل أبيب هذه الأيام على خسائر حرب غزة بعد ثلاث سنوات من إشعالها.

هناك رقمان لتكلفة حرب غزة يجري تداولهما في إسرائيل: الأول 175 مليار شيكل (57 مليار دولار) والثاني 250 مليار شيكل (81 مليار دولار)، وكلاهما يمكن أن يكون صحيحاً، لكنهما لا يقيسان الشيء نفسه. فرقم 175 مليار شيكل هو حجم خسارة الناتج الاقتصادي، وليس الأموال التي أنفقتها الحكومة على الحرب، فبنك إسرائيل قدّر أن الناتج الذي فقده الاقتصاد الإسرائيلي، مقارنة بمسار النمو الذي كان متوقعاً قبل الحرب، بلغ 175 مليار شيكل حتى نهاية 2025، أي نحو 8.6% من الناتج السنوي. أما رقم 250 مليار شيكل فله أساس مختلف، حيث يقدر بنك إسرائيل الزيادة في النفقات الدفاعية الإجمالية المرتبطة بحرب 7 أكتوبر بنحو 249 مليار شيكل خلال 2023–2026، وهذا الرقم عسكري فقط، وليس إجمالي تكلفة الحرب.

فقد كشفت أحدث تقديرات البنك أن الحرب أدت، خلال تسعة فصول متتالية، إلى خسارة تراكمية في الناتج المحلي تقدر بنحو 175 مليار شيكل (قرابة 57 مليار دولار)، أي ما يعادل نحو 8.5% من الناتج المحلي السنوي، مقارنة بالمسار الذي كان متوقعاً للاقتصاد لو استمر على اتجاه النمو السابق للحرب.

ويشير "معهد أبحاث الأمن القومي الإسرائيلي" إلى أن هذه الخسارة تعكس فجوة بين الناتج الذي تحقق فعلياً والناتج الذي كان يمكن تحقيقه في الظروف الطبيعية. فقد دخلت إسرائيل الحرب وهي تتمتع بوضع اقتصادي أكثر استقراراً، إذ كان الاقتصاد ينمو بنحو 3% سنوياً، بينما كانت نسبة الدين العام إلى الناتج المحلي تدور حول 60%، وكان الإنفاق العسكري يعادل نحو 4% من الناتج المحلي.

لكن الحرب غيّرت هذه المعادلة بصورة كبيرة، وارتفع الإنفاق الأمني إلى أكثر من 8% من الناتج المحلي، أي نحو ضعف مستواه عشية الحرب، وفق التقرير الاقتصادي لمعهد أبحاث الأمن القومي والذي يحذر من أن ارتفاع الإنفاق الأمني قد يتحول من تكلفة مؤقتة للحرب إلى سمة أكثر ديمومة في الموازنة الإسرائيلية، بما يعني تخصيص موارد أكبر للدفاع على حساب التعليم والصحة والبنية التحتية والاستثمارات التي يفترض أن تدعم النمو المستقبلي.

الدين يرتفع والمرونة المالية تتراجع

لم تتوقف تكلفة الحرب عند خسارة الناتج المحلي، إذ أدت النفقات العسكرية والتعويضات وإعادة تمويل المجهود الحربي إلى زيادة الضغط على المالية العامة. وبحسب "معهد أبحاث الأمن القومي"، ارتفعت نسبة الدين إلى الناتج المحلي بنحو 9 نقاط مئوية مقارنة بمستواها عشية الحرب، كما ارتفعت تكلفة الاقتراض بعد خفض وكالات التصنيف الائتماني تصنيف إسرائيل، ما يعني أن جزءاً أكبر من موارد الدولة بات موجهاً لخدمة الدين وتمويل الإنفاق الأمني. وتراجع احتياطي النقد الأجنبي لدى بنك إسرائيل بنحو 4.6 مليارات دولار خلال سبتمبر 2026، إلى نحو 237 مليار دولار.

35 ألف شيكل لكل مواطن

تتبع خسارة الناتج للفرد يفضي إلى استكشاف الجانب الأكثر مباشرة من تأثير الحرب على الاقتصاد الإسرائيلي، فبحسب بنك إسرائيل، خسر كل "إسرائيلي" قرابة 10.6 آلاف دولار في الفترة منذ بداية الحرب أكتوبر 2023 حتى نهاية 2025. وحذر "معهد أبحاث الأمن القومي" من آثار زيادة الإنفاق العسكري وتحويل نسبة أكبر من موارد الدولة الإسرائيلية إلى العمل العسكري على حساب الاقتصاد والاستثمار، وكيف أن استمرار هذا الاتجاه يمكن أن يؤثر في محركات النمو المستقبلية، خصوصاً التعليم والصحة والبنية التحتية والابتكار، وهي القطاعات التي يعتمد عليها الاقتصاد الإسرائيلي للحفاظ على إنتاجيته وقدرته التنافسية.

حرب إيران ضغوط إضافية

لا يشمل هذا الرقم (114 مليار دولار خسائر حرب غزة) تكاليف الحرب مع إيران التي جاءت لاحقاً، والتي بلغت التكلفة الاقتصادية المباشرة وغير المباشرة لها على دولة الاحتلال نحو 35 مليار شيكل (11.5 مليار دولار)، مع خسائر أسبوعية للاقتصاد 3 مليارات دولار (9 مليارات شيكل) أسبوعياً بحسب تقارير وزارة المالية الإسرائيلية.

فقد أدت الحرب مع إيران إلى ضغوط إضافية على موازنة الاحتلال، ففي مارس 2026 قررت الحكومة زيادة ميزانية الحرب بنحو 32 مليار شيكل، مع تخصيص احتياطي إضافي يقارب 13 مليار شيكل للنفقات الأمنية والمدنية المرتبطة باحتمال استمرار الحرب، أي بإجمالي قرابة 12 مليار دولار. ووفق بيانات بنك إسرائيل فإن هذه الإجراءات رفعت توقعات العجز إلى 5.1% من الناتج المحلي، وحذر من تمويل برامج جديدة لا ترتبط بالمجهود الحربي أو بالنمو طويل الأجل.

وتقدم بيانات سلطة الضرائب الإسرائيلية صورة أخرى لحجم الفاتورة الاقتصادية، فمنذ 7 أكتوبر 2023، تلقت سلطة الضرائب نحو 1.18 مليون مطالبة بالتعويض عن الأضرار المباشرة وغير المباشرة، وبلغت المدفوعات نحو 38.6 مليار شيكل، أي قرابة 12.7 مليار دولار، وفق بيانات محدثة نشرتها السلطة في أكتوبر 2026. وتشير البيانات الرسمية إلى تقديم نحو 168 ألف مطالبة عن أضرار مباشرة، صرفت دولة الاحتلال عليها قرابة 8.3 مليارات شيكل، إضافة إلى نحو مليون مطالبة عن أضرار اقتصادية غير مباشرة، بلغت التعويضات المدفوعة عنها نحو 30 مليار شيكل. وتشمل هذه الأرقام أضراراً في المباني والمركبات والممتلكات والبنية التحتية، إلى جانب خسائر الشركات والأعمال الناتجة عن توقف النشاط أو تراجع الإيرادات بسبب الوضع الأمني.

الدعم الأميركي يمنع الانهيار

رغم هذه الأرقام السابقة، لا تشير المؤشرات إلى انهيار الاقتصاد الإسرائيلي، فقد تمكنت دولة الاحتلال من الحفاظ على الوصول إلى أسواق رأس المال وتمويل الإنفاق العسكري، كما استمر النشاط الاقتصادي بعد الصدمة الكبيرة التي سجلها الاقتصاد في الربع الأخير من 2023، فما هو السبب؟

ومع أن "معهد أبحاث الأمن القومي الإسرائيلي" وصف ذلك بأنه "صمود اقتصادي"، وليس ازدهاراً، استطاع الاقتصاد مواصلة العمل، لكنه فعل ذلك مع دين أعلى، وإنفاق عسكري أكبر، ومرونة مالية أقل، ومستوى معيشة للفرد لا يحقق التحسن الذي كان متوقعاً قبل الحرب، فقد وفر الدعم الأميركي لإسرائيل مظلة مالية وعسكرية خففت الضغط على الموازنة ووفرت تمويلًا وتسليحًا مكّنها من مواصلة الحرب، بينما لم يكن وحده العامل الذي حافظ على الاقتصاد.

فقد لعب الدعم الأميركي دوراً محورياً في تخفيف العبء المالي والعسكري عن إسرائيل خلال الحرب، إذ حصلت منذ 7 أكتوبر 2023 على عشرات المليارات من الدولارات في المساعدات العسكرية والتمويل الدفاعي، بينها نحو 21.7 مليار دولار على الأقل وفق تقديرات مستقلة حتى الذكرى الثانية للحرب.

كما تواصل واشنطن تقديم 3.8 مليارات دولار سنوياً بموجب اتفاق المساعدات طويل الأجل. ولم تكن هذه الأموال تحويلات نقدية مباشرة فحسب، بل شملت تمويل شراء الأسلحة الأميركية وتعزيز منظومات الدفاع الصاروخي.

ومع ذلك، لم يحل الدعم الأميركي دون تعرض الاقتصاد الإسرائيلي لخسائر كبيرة وارتفاع الإنفاق العسكري والدين العام، لكنه ساهم في توفير هامش مالي وعسكري سمح لإسرائيل بمواصلة تحمل كلفة الحرب من دون انهيار مالي.

ومع هذا تكشف الأرقام أن أكبر أثر اقتصادي لطوفان الأقصى ليس رقماً واحداً، وإنما تغير هيكلي في طريقة توزيع موارد الدولة الإسرائيلية، فمن اقتصاد كان يخصص نحو 4% من ناتجه للدفاع قبل الحرب، إلى اقتصاد يتجاوز فيه الإنفاق الأمني 8%، ومن دين يدور حول 60% من الناتج إلى مستوى أعلى بنحو 9 نقاط مئوية، ومن هامش مالي يسمح بزيادة الاستثمارات المدنية إلى موازنة تحتاج إلى تمويل احتياجات عسكرية متزايدة.

وهكذا، أصبح الاقتصاد الإسرائيلي بعد ثلاث سنوات من الحرب أكثر كلفة وأعلى مديونية وأكثر اعتمادًا على الإنفاق العسكري، وتكتسب هذه المسألة أهمية أكبر مع استمرار التداعيات الاقتصادية للحرب مع إيران.

 

رابط مختصرhttps://alqudsnews.net/p/230028

اقرأ أيضا