لم يكن إعلان منح جائزة نوبل للسلام لعام 2026 للقاضية والحقوقية الجنوب أفريقية نافي بيلاي حدثًا عابرًا في المشهد الدولي ولا مجرد تكريم لشخصية قضائية كرّست مسيرتها للدفاع عن حقوق الإنسان والعدالة الدولية بل يحمل في توقيته ودلالاته أبعادًا سياسية تتجاوز حدود الجائزة نفسها وتفتح الباب أمام تساؤلات جوهرية حول مستقبل الهيمنة الأمريكية والإسرائيلية على الرأي العام العالمي ومدى قدرة القوى الكبرى على توجيه المؤسسات الدولية وفق مصالحها السياسية.
ففي الوقت الذي تتصاعد فيه الانتقادات الدولية للسياسات الإسرائيلية بحق الشعب الفلسطيني وتتزايد فيه الضغوط الأمريكية على المؤسسات القضائية الدولية يأتي تكريم بيلاي المعروفة بمواقفها الحقوقية ودورها في التحقيق في الانتهاكات المرتكبة في الأراضي الفلسطينية المحتلة ليطرح سؤالًا مهمًا: هل بدأت المؤسسات الدولية تستعيد مساحة من استقلاليتها أم أن التحولات المتراكمة في الرأي العام العالمي باتت تفرض نفسها على المؤسسات التي طالما كانت قراراتها موضع جدل وانتقاد؟
نافي بيلاي حين تتقدم العدالة على حسابات السياسة
تُعد نافي بيلاي واحدة من أبرز الشخصيات القانونية الدولية التي ارتبط اسمها بالدفاع عن حقوق الإنسان وملاحقة الجرائم الخطيرة. فقد شغلت منصب المفوضة السامية للأمم المتحدة لحقوق الإنسان وعملت قاضية في المحكمة الجنائية الدولية كما ترأست لجنة التحقيق الدولية المستقلة التابعة للأمم المتحدة بشأن الأرض الفلسطينية المحتلة بما فيها القدس الشرقية وإلكيان الصهيوني الغاصب لفلسطين.
وقد اكتسب دورها أهمية خاصة في ضوء تقرير اللجنة الصادر في أيلول 2025 الذي خلص إلى أن إسرائيل ارتكبت جريمة الإبادة الجماعية في قطاع غزة استنادًا إلى تحقيقات ووقائع وأدلة عرضتها اللجنة. فيما رفض الكيان الصهيوني هذه الاستنتاجات واعترض عليها.
وأهمية هذا الدور لا تكمن في صدور تقرير أو موقف سياسي بعينه، بل في تأكيد مبدأ أساسي: لا يجوز أن تتحول القوة العسكرية أو التحالفات الدولية إلى حصانة من المساءلة ولا أن تكون هوية الضحايا أو الجناة معيارًا لتطبيق القانون الدولي أو تعطيله.
ومن هنا، فإن منح نافي بيلاي جائزة نوبل للسلام وفق الإعلان الصادر في التاسع من تشرين الأول 2026 تقديرًا لجهودها في تعزيز السلام والقانون الدولي يعيد تسليط الضوء على العلاقة المتوترة بين العدالة الدولية وموازين القوى السياسية.
من احتكار الرواية إلى أزمة الهيمنة
لسنوات طويلة امتلكت الولايات المتحدة وإسرائيل قدرة كبيرة للتأثير في الخطاب السياسي والإعلامي الغربي بشأن القضية الفلسطينية مستفيدتين من التحالفات الاستراتيجية وشبكات النفوذ السياسي والإعلامي، ومن رواية تسعى إلى تقديم إسرائيل باعتبارها الطرف الذي يواجه التهديد مع تهميش السياق التاريخي الأوسع للاحتلال والحصار والاستيطان والتهجير.
لكن ما جرى في قطاع غزة منذ السابع من تشرين الأول (أكتوبر) 2023 أحدث تحو لًا واسعًا في النقاش العالمي فقد أعادت مشاهد الدمار وسقوط الضحايا المدنيين والتقارير الحقوقية الدولية والاحتجاجات الشعبية والطلابية في عدد من العواصم الغربية طرح أسئلة جوهرية حول ازدواجية المعايير وحدود الدعم السياسي والعسكري والمالي لإسرائيل ومدى انسجام السياسات الغربية مع الشعارات المعلنة بشأن حقوق الإنسان.
ولم تعد السردية الإسرائيلية تحظى بالقبول التلقائي الذي كانت تتمتع به في قطاعات واسعة من المجتمعات الغربية إذ باتت تواجه نقاشًا أوسع وأكثر حدة خصوصًا بين فئات شبابية ترى أن الدفاع عن حقوق الإنسان لا يمكن أن يكون انتقائيًا وأن معاناة الفلسطينيين لا يجوز اختزالها في حدث واحد أو فصلها عن تاريخ طويل من النكبة والاحتلال والتهجير والحصار إن هذا التحول لا يعني أن الهيمنة الأمريكية قد انتهت ولا أن إسرائيل فقدت كل أدوات تأثيرها لكنه يكشف عن تراجع قدرتها على احتكار الرواية وتحديد ما ينبغي للعالم أن يراه أو يتجاهله. فالنفوذ السياسي قد يفرض مواقف على الحكومات لكنه لا يضمن السيطرة على ضمائر الشعوب ولا يستطيع إخفاء الوقائع خلف الدعاية إلى الأبد.
طوفان الأقصى محطة مفصلية في الوعي العالمي
في اجواء الذكرى السنوية الثالثة لطوفان الأقصى لا بد من قراءة ما جرى وما تلاه في سياقه التاريخي والسياسي الأشمل فالسابع من تشرين الأول 2023 لم يكن بداية القضية الفلسطينية كما تحاول بعض الروايات السياسية والإعلامية تصويره بل جاء ضمن سياق ممتد من الصراع والاحتلال والحصار والاستيطان تعود جذوره إلى النكبة الفلسطينية عام 1948 بل إلى المشروع الصهيوني المنظم الذي تبلورت مؤسساته السياسية مع المؤتمر الصهيوني الأول في بازل عام 1897.
إن فهم القضية الفلسطينية يتطلب النظر إلى تاريخها كاملًا عبر السنوات الطويلة والممارسات الصهيونية بحق الشعب الفلسطيني منذ اتخاذ قرار اقامة وطن لليهود على ارض فلسطين وما رافقها من انتهاكات بريطانية وتواطؤ مع الحركة الصهيونية وصولا للمجازر الصهيونية المرعبة بحق العزل من ابناء الشعب الفلسطيني مما يتطلب من المجتمع الدولي عدم تبرير استهداف المدنيين أو إعفاء الكيان المجرم من انتهاكاته للقانون الدولي. فالمبادئ الإنسانية لا تتجزأ ولا ينبغي الوقوف مع القاتل وعدم محاسبته على جرائمه وتجريم الضحية وضرورة محاسبة المجرمين وفقا للمعايير الدولية والتي ادانت الكيان الصهيوني بارتكاب الابادة الجماعية في غزة.
وأن أحد أبرز التحولات التي أعقبت الحرب على غزة تمثل في اتساع دائرة النقاش بشأن جذور الصراع وطبيعة الاحتلال ومسؤولية القوى الدولية التي توفر الحماية السياسية و الدعم العسكري للكيان الصهيوني وقد ساهمت التقارير الأممية والتحركات الحقوقية والاحتجاجات الشعبية في نقل القضية الفلسطينية من إطار النزاع الإقليمي إلى ساحة أوسع تتصل بمستقبل القانون الدولي ومصداقية النظام العالمي ومن هذه الزاوية يمكن النظر إلى تكريم بيلاي باعتباره جزءًا من مشهد دولي تتزايد فيه المطالبة بمساءلة مجرمي الحرب و مرتكبي الجرائم بدل الاكتفاء بإدارة الصراع أو احتواء تداعياته السياسية.
نوبل وترامب اختبار بين القوة والشرعية
تكتسب الجائزة دلالة إضافية في ظل سعي الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للحصول على جائزة نوبل للسلام وفي وقت تواجه فيه المؤسسات القضائية الدولية ضغوطًا أمريكية بسبب تحركاتها المرتبطة بإسرائيل.
فالسلام في معناه السياسي والإنساني لا يُقاس بعدد الاتفاقيات المعلنة أو بالصورة التي يسعى أي زعيم إلى ترسيخها عن نفسه بل بمدى احترام حقوق الشعوب والقدرة على منع الحروب وإنهاء الاحتلال وضمان المساءلة عن الجرائم وتوفير الشروط التي تحول دون تكرار المآسي.
وفي هذا السياق أعلنت اللجنة النرويجية لجائزة نوبل أن تكريم بيلاي يرتبط بجهودها لتعزيز السلام والقانون الدولي في تأكيد واضح لأهمية المؤسسات القانونية في مواجهة الجرائم الخطيرة وهنا تبرز المفارقة السياسية: ففي الوقت الذي تتعرض فيه المؤسسات الدولية لضغوط وعقوبات بسبب ملفات مرتبطة بإسرائيل، يأتي تكريم شخصية قانونية ارتبط اسمها بالتحقيق في الجرائم المرتكبة في غزة ليؤكد أن المساءلة الدولية ما زالت حاضرة في صلب النقاش العالمي ولا يعني ذلك أن جائزة نوبل أصبحت خارج تأثير السياسة بصورة مطلقة أو أن قرار منحها يمثل بالضرورة مواجهة مباشرة مع واشنطن وتل أبيب فهذه استنتاجات تحتاج إلى أدلة مستقلة لكن من المشروع قراءة القرار بوصفه رسالة رمزية تؤكد أن الدفاع عن القانون الدولي وحقوق الإنسان لا يزال قادرًا على اكتساب اعتراف عالمي حتى عندما يتعارض مع مصالح قوى نافذة.
هل يتغير القرار الدولي أم يتغير العالم من حوله؟
إن التحول الأهم لا يكمن في جائزة واحدة مهما كانت مكانتها بل في التفاعل بين المؤسسات الدولية والرأي العام العالمي وفي اتساع المسافة بين السياسات الرسمية لبعض الحكومات ومواقف قطاعات من شعوبها.
لقد أظهرت الحرب على غزة أن النفوذ العسكري والاقتصادي والإعلامي مهما بلغ، لا يكفي وحده لضمان الشرعية الأخلاقية كما كشفت أن المؤسسات الحقوقية والقضائية تستطيع حين تستند إلى التحقيق والأدلة والقانون أن تضع القوى الكبرى أمام أسئلة يصعب تجاهلها حتى عندما تعجز عن فرض قراراتها بالقوة.
ومن هنا فإن تكريم نافي بيلاي يمكن قراءته باعتباره مؤشرًا على تحولات في المناخ الدولي لا دليلًا قاطعًا على انهيار الهيمنة الأمريكية أو انتهاء النفوذ الإسرائيلي فالهيمنة ليست كتلة واحدة إنها مزيج من القوة العسكرية والاقتصادية والتحالفات الدبلوماسية والسيطرة على الرواية والقدرة على إنتاج الشرعية وقد تتراجع إحدى هذه الأدوات أو تتعرض للاهتزاز فيما تبقى الأدوات الأخرى قائمة، لكن خسارة احتكار الرواية ليست مسألة هامشية لأنها تمس الأساس الذي تستند إليه السياسات الدولية في تبرير مواقفها أمام الشعوب وعندما يصبح الدفاع عن حقوق الفلسطينيين جزءًا من نقاش عالمي أوسع حول العدالة والمساواة وتطبيق القانون فإن مساحة المناورة السياسية أمام الحكومات الداعمة لإسرائيل تصبح أكثر تعقيدًا وإن لم تختفِ.
فلسطين من معركة الأرض إلى معركة الوعي والعدالة
إن الشعب الفلسطيني الذي يواجه الاحتلال والاستيطان والتهجير والحصار لا يخوض معركته على الأرض وحدها بل يخوض أيضًا معركة على الرواية والذاكرة والوعي العالمي وقد أثبتت التجارب أن تجاهل حقوق الشعوب أو محاولة محو تاريخها لا يؤدي بالضرورة إلى إنهاء قضيتها بل قد يوسع دائرة التضامن معها، ويحولها إلى قضية تتجاوز حدودها الجغرافية.
إن الاعتراف الدولي بمعاناة الفلسطينيين ومحاسبة المسؤولين عن الجرائم ورفض ازدواجية المعايير ليست مسائل رمزية فحسب بل هي عناصر أساسية في أي مسار جدي نحو سلام عادل ودائم ولا يمكن لهذا السلام أن يقوم على فرض الوقائع بالقوة أو منح طرف حصانة دائمة فيما يُطلب من الطرف الآخر القبول بالظلم باعتباره أمرًا واقعًا كما أن المسؤولية لا تقع على عاتق المحاكم واللجان الدولية وحدها بل تشمل الدول التي تمتلك أدوات الضغط السياسي والاقتصادي والمؤسسات الإعلامية والحقوقية والشعوب التي تستطيع المطالبة بتطبيق المعايير ذاتها على الجميع.
اختم لاقول انه بداية تآكل الاحتكار لا نهاية الهيمنة
إن جائزة نوبل للسلام الممنوحة لنافي بيلاي تفتح نافذة مهمة لقراءة التحولات التي يشهدها العالم لكنها لا تكفي وحدها لإعلان سقوط الهيمنة الأمريكية أو الصهيونية على القرار الدولي فذلك يحتاج إلى تغيرات ملموسة في مواقف الدول وآليات المساءلة والعلاقات الاستراتيجية ومدى استقلال المؤسسات الدولية عن ضغوط القوى الكبرى ومع ذلك فإن الرسالة السياسية التي يمكن استخلاصها من هذا التكريم تتمثل في أن النفوذ لا يمنح صاحبه حق احتكار تعريف العدالة، وأن القوة لا تستطيع إلى الأبد أن تحل محل القانون الدولي، وأن الرأي العام العالمي لم يعد ساحة يمكن التحكم بها بسهولة عبر الدعاية وحدها.
لقد أسهمت الحرب على غزة في كشف تناقضات عميقة بين الشعارات المعلنة بشأن حقوق الإنسان والممارسات الفعلية لبعض القوى الدولية وجاء تكريم بيلاي ليعيد التأكيد على أن القانون الدولي وحقوق الشعوب ما زالا حاضرين في الوعي العالمي وأن الدفاع عنهما يمكن أن يحظى باعتراف يتجاوز الحسابات السياسية الضيقة.
قد لا تكون جائزة نوبل إعلانًا عن نهاية الهيمنة الأمريكية والصهيونية لكنها تطرح سؤالًا لا يمكن تجاهله: إذا كانت القوة قادرة على التأثير في القرارات فهل ما زالت قادرة على احتكار الحقيقة وتحديد من يستحق العدالة؟
ذلك هو التحدي الحقيقي الذي تواجهه الهيمنة اليوم ليس فقط في أروقة المؤسسات الدولية بل في عقول الشعوب وضمائرها حيث تتشكل تدريجيًا معايير جديدة للشرعية والمساءلة والعدالة.
*باحث وكاتب سياسي فلسطين
السبت 10 تشرين الاول 2026