علي حيدر
مع مرور ثلاث سنوات على السابع من أكتوبر، طرح «معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي» (INSS) رؤيته لما استقرّ عليه ميزان القوة في المنطقة وحال الأمن القومي لإسرائيل؛ وهي رؤية تقوم على مفارقة أساسية، عنوانها أن الإنجازات العسكرية والعملياتية الواسعة، يقابلها عجز عن ترجمتها إلى حسم استراتيجي، أو إخضاع، أو تسويات سياسية وأمنية مستقرّة. فإسرائيل التي أظهرت تفوّقاً عسكرياً وتكنولوجياً، وألحقت أضراراً جسيمة بقدرات خصومها، لم تتمكّن بعد من تحويل هذه الإنجازات إلى واقع أمني يتناسب مع حجم القوة المستخدمة.
بحسب قراءة المعهد، فإن السنوات الثلاث الماضية أظهرت التطوّر الكبير في قدرات جيش الاحتلال الإسرائيلي، وخصوصاً التكامل بين الاستخبارات والنيران والمناورة والتكنولوجيا، والقدرة على تنفيذ عمليات متزامنة في ساحات متعدّدة. وإذ أتاح ذلك للجيش استعادة المبادرة العسكرية بعد إخفاق السابع من أكتوبر، وتوجيه ضربات واسعة إلى البنى العسكرية والقيادية للخصوم، فإن تمكّنه من إضعاف هؤلاء لا يعني، بحسب المعهد، إنهاء التهديد الذي يمثّله، أو ضمان تغيير إرادته وإجباره على الامتناع من إعادة بناء قدراته.
وتتجلّى هذه المفارقة في ساحات المواجهة المختلفة. ففي لبنان، لم تؤدِّ الضربات التي تعرّض لها «حزب الله» إلى الحسم العسكري، أو إلى تسوية نهائية تكون كفيلة بشطب المقاومة من المعادلة. وفي غزة، لم تنتج العمليات العسكرية واقعاً سياسياً وأمنياً مستقرّاً يمهّد لحسم مستقبل القطاع. أمّا في مواجهة إيران، فلم تؤدِّ الأضرار التي لحقت بقدرات عسكرية محدّدة، إلى إزالة التهديد الإيراني، أو إحداث تغيير حاسم في حسابات طهران الاستراتيجية.
وتكشف المقارنة بين هذه الساحات أن إسرائيل لا تواجه مجرّد تعدّد في الجبهات العسكرية، بل في معادلات الصراع أيضاً؛ فلكلّ خصم بنيته، وحساباته، ومصادر قوّته، وقدرته على امتصاص الخسائر. وفي المجمل، فإن امتلاك القدرة على توجيه ضربات مؤثّرة في ساحات مختلفة، لا يعني بالضرورة القدرة على إعادة تشكيل بيئتها السياسية والأمنية، وفق الأهداف الإسرائيلية.
إلى جانب ما تَقدّم، يتّضح من قراءة المعهد، أن الإنجازات العسكرية لم تنتج تعزيزاً للردع الإسرائيلي وفق ما كان مأمولاً؛ إذ إن هذا العامل يتأثّر أيضاً بتقديرات الخصوم لكلفة المواجهة، واستعدادهم لتحمّل الخسائر، وثقتهم بقدرتهم على الصمود وإعادة البناء. ومن هنا، تشتدّ حاجة إسرائيل إلى عمليات متكرّرة لمنع خصومها من استعادة إمكاناتهم، نظراً إلى أن العمليات السابقة لم تنتج ردعاً مستقراً يغني عن تكرار استخدام القوة. كذلك، ينبّه المعهد إلى الأعباء المتزايدة للحرب الطويلة، وفي مقدّمها الضغط على القوات النظامية والاحتياط، وتآكل الجاهزية، ونقص بعض الذخائر وقطع الغيار، وصعوبة المحافظة على التعبئة البشرية لفترات ممتدّة. ولا تعني هذه المؤشرات فقدان الجيش قدرته على القتال، وإنما ارتفاع كلفة المحافظة على تفوّقه واستعداده لمواجهات لاحقة.
أمّا عامل الزمن، فهو لا يعمل بالضرورة لمصلحة الطرف الأقوى عسكرياً؛ فإسرائيل تحتاج إلى نتائج نهائية ومستدامة لتغيير الواقع الأمني، بينما قد يكفي خصومها الحفاظ على وجودهم، ومنع العدو من تحقيق أهدافه.
وهكذا، يبدو استمرار التفوّق العملياتي مترافقاً مع استنزاف استراتيجي متصاعد؛ وهو ما يعزوه المعهد إلى غياب الغايات السياسية الواضحة. فالجيش يستطيع إضعاف الخصوم، لكنه عاجز بمفرده عن إنتاج تسويات سياسية، فيما يعكس التوتّر بين المستويين السياسي والعسكري صعوبة المواءمة بين الأهداف والوسائل والموارد؛ علماً أن بعض الأهداف نفسها قد تكون أبعد ممّا تسمح القوة العسكرية بتحقيقه.
وتَظهر تداعيات هذه الفجوة في الجبهة الداخلية أيضاً؛ ففي استطلاع للمعهد خلال حزيران الماضي، وصف 42% من المستطلعين وضع الأمن القومي بأنه سيّئ أو سيّئ جداً، في مقابل 20% اعتبروه جيداً أو جيداً جداً؛ الأمر الذي يجلّي محدودية انعكاس الإنجازات العسكرية على الشعور بالأمن، وثقة المجتمع بجدوى استمرار الحرب. (المصدر: جريدة الأخبار)
