☰
✕

قائمة الموقع

معركة إسناد غزة: ماذا خسر الكيان الصهيوني وماذا كسب حزب الله؟

2026-10-08T23:56:00+03:00
د. نبيلة عفيف غصن*

منذ الثامن من تشرين الأول/أكتوبر 2023، لم تعد الجبهة اللبنانية مجرد جبهة حدودية محدودة التأثير، بل تحولت إلى أحد أهم ميادين الحرب التي أعادت رسم معادلات الردع في المنطقة. فمع إعلان حزب الله «معركة إسناد غزة»، دخل الكيان الصهيوني في مواجهة طويلة ومكلفة، لم تقتصر نتائجها على الخسائر العسكرية المباشرة، بل امتدت إلى الاقتصاد والديموغرافيا والأمن النفسي والاستقرار الداخلي وصورة التفوق العسكري.

وفي المقابل، فإن تقييم أداء حزب الله لا يمكن أن يقوم فقط على حجم الأضرار التي أصابت لبنان، ولا على الخسائر البشرية والمادية التي تكبدها الحزب وبيئته، بل ينبغي النظر أيضاً إلى ما حققه من أهداف استراتيجية، وما كشفه من نقاط ضعف في المنظومة الأمنية والعسكرية الصهيونية، وما تركته الحرب من آثار على مفهوم الردع ومستقبل الصراع.

لقد بدأت المعركة في لحظة كان فيها الكيان الصهيوني يسعى إلى تركيز قوته العسكرية على غزة ومنع انتقال الحرب إلى جبهات أخرى. إلا أن فتح الجبهة الشمالية فرض واقعاً مختلفاً: جيش واحد مضطر إلى توزيع قواته وموارده ووسائط دفاعه بين أكثر من مسرح عمليات.

وهنا تكمن إحدى أهم نتائج «معركة الإسناد».

لم تكن المسألة مجرد تبادل للقصف عبر الحدود، بل تحولت تدريجياً إلى حرب استنزاف متعددة المستويات.

عسكرياً، اضطر الجيش الإسرائيلي إلى إبقاء قوات كبيرة في الشمال، وتكثيف وجوده الاستخباري والجوي والمدفعي، وتشغيل منظومات الدفاع الجوي بصورة مستمرة. ومع توسع نطاق المواجهة، أصبحت المنشآت العسكرية ومراكز المراقبة والاستخبارات والقواعد الجوية ومواقع الرادار أهدافاً متكررة.

ومن أبرز الدلالات الاستراتيجية في هذا السياق أن منظومة التفوق التقني الإسرائيلية لم تعد قادرة على ضمان «حصانة» الجبهة الداخلية. فالصواريخ والمسيّرات فرضت واقعاً جديداً على مناطق الشمال، ووصل بعضها إلى مناطق أعمق، الأمر الذي كشف أن التفوق الجوي والاستخباري لا يعني بالضرورة القدرة على منع الخصم من إلحاق أضرار بالعمق.

أما على مستوى القوات البرية، فقد تعرضت آليات ومركبات عسكرية لأضرار نتيجة استخدام الصواريخ المضادة للدروع والأسلحة الموجهة، في حين أدت العمليات البرية داخل الجنوب اللبناني في المرحلة اللاحقة إلى تكبيد القوات الإسرائيلية خسائر بشرية ومادية، وإن كانت حصيلة الحرب الإجمالية موضع اختلاف كبير بين المصادر الرسمية والإسرائيلية ومصادر حزب الله.

لكن الأهم من الأرقام هو الوظيفة الاستراتيجية لهذه الخسائر.

فالجيش الإسرائيلي، الذي بنى جزءاً من عقيدته على الحسم السريع ونقل الحرب إلى أرض الخصم، وجد نفسه أمام جبهة قريبة من مراكزه السكانية والاقتصادية، مع استمرار التهديد لفترة طويلة. وهذا يعني أن «العمق الآمن» لم يعد آمناً بالمعنى التقليدي.

وهنا تظهر الخسارة الثانية: الخسارة الديموغرافية والأمنية.

فإخلاء عشرات الآلاف من سكان المستوطنات والبلدات الشمالية، وتوقف الحياة الطبيعية في مناطق واسعة، وتحول بلدات مثل كريات شمونة والمطلة ومناطق حدودية أخرى إلى مناطق شديدة الخطورة، شكّل ضربة لمفهوم الأمن الذي تقوم عليه الدولة الإسرائيلية.

الأمن ليس فقط امتلاك الدبابات والطائرات والصواريخ الاعتراضية. الأمن هو أن يشعر السكان بأن الدولة قادرة على حمايتهم.

وحين يضطر عشرات الآلاف إلى مغادرة منازلهم لفترة طويلة، يصبح السؤال أكبر من سقوط صاروخ أو تضرر مبنى: هل تستطيع الدولة إبقاء سكانها في مناطقها الحدودية عندما تواجه

مقاومة مسلحة تمتلك القدرة على الاستمرار؟

هذه هي المعضلة التي كشفتها الجبهة اللبنانية.

اقتصادياً، كانت الكلفة كبيرة أيضاً. فقد تراكمت نفقات التعبئة العسكرية، وتشغيل قوات الاحتياط، وإدارة الجبهة الشمالية، وإخلاء السكان، وإسكانهم وتعويض المتضررين، فضلاً عن الأضرار التي أصابت الزراعة والصناعة والسياحة والتجارة.

كما أن تشغيل منظومات الدفاع الجوي ضد الصواريخ والمسيّرات يفرض كلفة مالية مرتفعة، خصوصاً عندما تستخدم صواريخ اعتراض باهظة الثمن لمواجهة وسائل هجومية أقل تكلفة بكثير.

وهذه إحدى أكثر معادلات حرب الاستنزاف إزعاجاً للجيش الإسرائيلي: ليس المطلوب من الخصم أن يتفوق مالياً، بل أن يجعل تكلفة الدفاع أعلى من تكلفة الهجوم.

كذلك تضررت الأراضي الزراعية والغابات نتيجة الحرائق والقصف، وتعطلت قطاعات إنتاجية في الشمال، فيما تحملت الدولة تكاليف إضافية مرتبطة بالإجلاء والإسكان والتعويض.

لكن الخسارة الأكثر عمقاً ربما كانت خسارة صورة الردع المطلق.

فالدولة التي اعتادت تقديم نفسها باعتبارها القوة العسكرية الأكثر تفوقاً في المنطقة، والتي تمتلك أحدث الطائرات وأنظمة الاستخبارات والدفاع الجوي، واجهت خصماً غير دولتي استطاع الاستمرار في إطلاق النار وإبقاء جزء من الجبهة الداخلية تحت التهديد.

وهذا لا يعني أن حزب الله حقق نصراً عسكرياً تقليدياً أو أنه لم يتكبد خسائر هائلة؛ بل يعني أن المعادلة أصبحت أكثر تعقيداً من مفهوم «الانتصار والهزيمة» التقليدي.

أما بالنسبة إلى حزب الله، فإن أول مكسب استراتيجي تمثل في إبقاء جبهة غزة مرتبطة إقليمياً وعدم السماح بعزلها بالكامل.

فمعركة الإسناد جعلت الحرب في غزة جزءاً من مواجهة أوسع، وأثبتت أن أي حرب إسرائيلية على فلسطين يمكن أن تفتح احتمالات لجبهات أخرى، وهو أمر يفرض على القيادة العسكرية الإسرائيلية حسابات إضافية.

المكسب الثاني كان اختبار القدرة على الحرب الطويلة.

فالحزب لم يخض مواجهة قصيرة تنتهي خلال أيام، بل دخل في مسار طويل استُخدمت خلاله الصواريخ المضادة للدروع، والصواريخ قصيرة ومتوسطة المدى، والطائرات المسيّرة، والعمليات الاستخبارية والميدانية، مع تطوير تدريجي في طبيعة الأهداف ومدى النيران.

وهنا تكمن أهمية ما حدث: استطاع الحزب المحافظة على القدرة على إطلاق النار حتى بعد تعرضه لضربات شديدة، واستمر في إعادة تنظيم بنيته العملياتية رغم الاغتيالات والضربات الأمنية القاسية.

وكان ذلك واضحاً بصورة خاصة بعد الضربات التي أصابت مستويات قيادية وأمنية متقدمة، وبعد تفجيرات أجهزة الاتصال في أيلول/سبتمبر 2024، وهي ضربة أمنية واستخبارية بالغة القسوة. ومع ذلك لم يؤدِ ذلك إلى انهيار كامل للقدرة القتالية.

وهذه نقطة استراتيجية مهمة: قد تستطيع ضرب القيادة، لكن ذلك لا يعني بالضرورة إسقاط التنظيم أو إنهاء قدرته على القتال.

المكسب الثالث تمثل في إعادة تعريف مفهوم الردع.

فحزب الله تمكن من إثبات أن امتلاك ترسانة صاروخية ومسيّرات وقدرات مضادة للدروع يستطيع أن يفرض على الجيش الإسرائيلي حسابات مختلفة قبل اتخاذ أي قرار بالحرب الشاملة.

كما أن وصول الهجمات إلى مناطق أعمق في فلسطين المحتلة، واستهداف منشآت ومواقع عسكرية، جعل فكرة «العمق الإسرائيلي الآمن» أكثر هشاشة.

أما المكسب الرابع فهو أن الحرب كشفت أن الجبهة الداخلية أصبحت جزءاً أساسياً من معادلة الحرب.

فالضغط على المستوطنات الشمالية لم يكن مجرد هدف عسكري، بل كان يحمل تأثيراً سياسياً واجتماعياً. وكلما طال الإخلاء، ارتفعت الأسئلة داخل المجتمع الإسرائيلي حول قدرة الحكومة والجيش على إعادة السكان إلى مناطقهم وضمان أمنهم.

وهنا يصبح الزمن سلاحاً بحد ذاته.

فالجيش يستطيع شن هجوم كثيف خلال أيام، لكنه يواجه مشكلة مختلفة عندما يتحول الاستنزاف إلى أشهر طويلة.

أما المكسب الخامس فيتعلق بالمستوى السياسي والإقليمي.

فالمواجهة اللبنانية أعادت التأكيد على أن أي ترتيبات مستقبلية في المنطقة لا يمكن أن تتجاهل حزب الله بوصفه قوة عسكرية وسياسية واجتماعية مؤثرة. وبغض النظر عن الموقف السياسي منه، فإن الحرب أثبتت أن محاولة تجاوز وجوده في معادلة الأمن الإقليمي ليست مهمة بسيطة.

لكن الإنصاف التحليلي يقتضي الإشارة إلى أن هذه المكاسب جاءت بكلفة لبنانية هائلة. فقد تعرضت مناطق واسعة في الجنوب والبقاع والضاحية الجنوبية لأضرار ودمار، وسقط عدد كبير من الضحايا، ونزح مئات الآلاف من اللبنانيين، وتضررت البنية الاقتصادية والاجتماعية. ولذلك فإن الحديث عن مكاسب حزب الله لا ينبغي أن يتحول إلى تجاهل للخسائر اللبنانية الكبيرة، ولا إلى اختزال الحرب في معادلة انتصار طرف وهزيمة طرف.

القيمة الحقيقية للتحليل تكمن في الفصل بين مستويين: الكلفة المباشرة للحرب، والنتائج الاستراتيجية التي خلفتها.

وعلى هذا المستوى، يمكن القول إن «معركة إسناد غزة» غيّرت معادلات كثيرة.

لقد أثبتت أن التفوق العسكري والتكنولوجي لا يلغي قدرة المقاومة على إلحاق الضرر. وأثبتت أن الجبهة الداخلية يمكن أن تتحول إلى نقطة ضعف. وأثبتت أن منظومات الدفاع الجوي، مهما بلغت كفاءتها، لا تستطيع ضمان اعتراض كل تهديد. وأثبتت أن الحرب الطويلة يمكن أن تستنزف اقتصاداً ومجتمعاً وجيشاً متفوقاً تقنياً.

وفي المقابل، أثبت حزب الله أنه قادر على الصمود وإعادة إنتاج قدرته القتالية تحت ضغط شديد، وأن ضربات القيادة والبنية التنظيمية لا تؤدي تلقائياً إلى انهيار القوة العسكرية.

لكن الدرس الأكبر يتجاوز حزب الله والكيان الصهيوني معاً.

إن الحرب الحديثة لم تعد تقاس بعدد الطائرات والدبابات فقط، بل بقدرة كل طرف على تحمل الحرب، وإدارة الزمن، وحماية مجتمعه، والحفاظ على اقتصاده، واستمرار مؤسساته، وتحويل القدرة العسكرية إلى نتيجة سياسية.

وهنا تحديداً تكمن أهمية الجبهة اللبنانية.

فما بدأ في 8 تشرين الأول/أكتوبر 2023 بوصفه «جبهة إسناد» لغزة تحول إلى اختبار استراتيجي واسع لنظرية الردع الإسرائيلية، ولقدرة حزب الله على خوض حرب استنزاف طويلة، ولحدود التفوق العسكري أمام مقاومة غير دولتيّة تمتلك خبرة ميدانية وترسانة صاروخية وقدرة على التكيّف.

لقد دفع لبنان ثمناً باهظاً، ودفع حزب الله ثمناً بشرياً وتنظيمياً وعسكرياً كبيراً، لكن الكيان الصهيوني دفع أيضاً ثمناً لم يكن محسوباً بالكامل: أمنه الداخلي، واستقرار شماله، وموارده الاقتصادية، وجزءاً من صورة الردع التي سعى لعقود إلى ترسيخها.

وهذه ربما تكون الخلاصة الأهم: لم تكن معركة إسناد غزة حرباً تُقاس فقط بمن دمر أكثر أو خسر أكثر، بل كانت معركة على معنى الردع نفسه.

فإذا كان الردع يعني منع الخصم من تهديد العمق، فإن وصول النار إلى الجبهة الداخلية يطرح سؤالاً جوهرياً حول حدود هذا الردع. وإذا كان الانتصار يعني تحقيق الأهداف السياسية بأقل كلفة ممكنة، فإن طول الحرب واستمرار الاستنزاف يفرضان إعادة النظر في تعريف النصر والهزيمة.

وفي النهاية، فإن أخطر ما كشفته هذه الحرب ليس حجم الدمار وحده، بل سقوط وهم الحرب النظيفة والسريعة. لقد دخل الطرفان المواجهة وهما يدركان تفوقاً واختلالاً كبيراً في موازين القوة، لكن مسار الحرب أثبت أن التفوق لا يعني القدرة على إلغاء الخصم، وأن امتلاك التكنولوجيا لا يلغي أثر الإرادة والتنظيم والقدرة على الصمود.

ومن هنا، فإن الإرث الاستراتيجي الأهم لـ«معركة إسناد غزة» سيبقى في السؤال الذي فرضته على المنطقة كلها:

هل تستطيع القوة العسكرية المتفوقة أن تحقق أمناً دائماً إذا بقيت جذور الصراع قائمة، أم أن الردع الحقيقي يبدأ عندما يصبح ثمن الحرب على المعتدي أكبر من قدرته على تحمل نتائجها؟

* كاتبة وباحثة لبنانية،

مهتمة بقضايا الجغرافيا السياسية والتحولات الإقليمية

في الشرق الأوسط.

اخبار ذات صلة